النثر الفني

مَقاماتُ الفَرَحِ الأوّل – د.رافد حميد فرج القاضي

رسم توضيحي لرجل ذو لحية وشعر رمادي، يرتدي بدلة وقميص مع ربطة عنق، يقف أمام خلفية معمارية تبدو قديمة.

أتمنّى لو أنّ لي 

جَناحًا من رجاء

ومن صبرِ القلوب 

التي انتظرت طويلًا

أعلّقُه على كَتِفِ الصباح

وأصعَدُ… وفاءً للأرض

ليس نكرانًا لترابها

كي أعودَ إليها

محمَّلًا بما يليقُ بها…

أتمنّى لو أستعيرُ

من الضوء صفاءه

ليس من النُّجوم وحدها

بل من المصابيح

التي أصرّت

أن تبقى مشتعلة

رغم الريح…

أجمعُ الضوءَ

من ارتعاشةِ الطرق

ومن عيونٍ تعبت

ولم تُغلق باب الأمل

ثم أنثره أمامك

دربًا واضحًا

لا تعثّر فيه

ولا التواء…

وأنادي القمر

لا ليُضيءَ

فهو يعرف مهنته

بل يؤجّل غيابَه قليلًا

كي لا تنكسر 

هذه الليلة بنقصانها

وكي يتعلّم الليل

أن الفرح يحتاج وقتًا

لينضج…

وأنادي الحقول

أن تتذكّر عهدها القديم

وأن تعود خضراء

كما كانت

قبل أن يتعب الانتظار

في صدور الفلّاحين

وأن يصير القلق

موسمًا دائمًا

وتمتلئ السّنابل

بما يكفي القلب

قبل المخازن…

وأنادي المخازن

أن لا تفيض طمعًا

بل كفايةً عادلة

فالفرح لا يُقاس بالعدد

ولا يُحصى بل يُعرف

حين يطمئنّ القلب…

وتأتي الريح

محمَّلةً بأسماءٍ بعيدة

وبرائحة البيوت الأولى

وتهمس لي :

إنّ الأشياء التي تُولَد 

محبّة لا تشيخ ولا تموت

وإن طال الطريق…

عُمري

ليس ما تُسجّله السنين

وما يُكتَب في الوثائق

بل ما أحصته

اللّحظات الصادقة

حين كنّا نصدق أكثر

ونخاف أقل…

يومٌ تعارفنا وكان الاسم

جسرًا خجولًا

بين صوتين يتردّدان

ويومٌ تحاببنا

فاختصر القلب

كلّ الطُّرق واختار

دون استشارة…

يومٌ تواعدنا

وكان الانتظار

تربيةً للصبر

واختبارًا للنيّة

ويومٌ التقينا

فأدرك الزمن متأخرًا

العجلة لا تثمر خيرًا…

ثم جاء هذا اليوم

فجمع الأيام كلّها

ووضعها في كفٍّ واحدة

وقال لها :

كفّي هذه الليلة

ليست عابرة

إنّها مقيمة

في الذاكرة

كما يقيم الضوء

في الفجر

لا يُرى كاملًا

لكن يُحَسّ…

ضحكتُك

تُربك الحزن

وتجعل الوحدة

تبحث عن معنى آخر

غير الانكسار

روحُك لا تُثقِل المكان

بل توسّعه…

كأنّ الجدران

تتراجع احترامًا

وكأنّ المسافة

تتعلم اللين في قلبي 

أنت لست زائرًا

ولا طيفَ مناسبة

أنت امتداد

كأنّ المعرفة القديمة

كانت تنتظرك لتكتمل…

كلّ ما أستطيع قوله

لا يفي لكنّني أقوله

إيمانًا بأنّ الكلمة

إذا صدقت

قد تُصبح بيتًا

فمرحبًا بك

لا بلسان العادة

بل بصِدق الاستقبال

وأهلًا بعدد اللحظات

التي ستولد من هذه الليلة

ولا تنتهي…

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading