المدلول لدى أحمد جار الله: نسق التضاد اللغوي الشعري في رحيل العراقي – علي محمد اليوسف

مدلول الرحيل في مجموعة الشاعر د.احمد جار الله، رحيل العراقي،” قصائد سرد ونتف وشعارات ” حسب تقديمه المجموعة، ليست بمعنى الرحيل والسفر من مكان إلى آخر بل تجليات الرحيل عنده هي الموت بعد الحياة والموت في الحياة حين يكون الفقر والظلم والاستغلال وامتهان كرامة الإنسان رغم صبر ” الحمار ” هو القانون السائد الذي يعقل اجتماعيا وأخلاقيا وطبقيا. نماذج وشخوص نصوص احمد جار الله هم الناس المهمشون الذين يعيشون عيشة الحمير وصبرها… وفي هذا التداول الرمزي الاسقاطي يخاطب الشاعر صديقه الحمار بلوعة الحزن وجور الزمن ،الذي هو رمز الجموع المهمشة اجتماعيا المحرومة من مستلزمات العيش اليائسة من الحياة المستغلة أبشع الاستغلال قائلا: انت رمادي اللون / أتعلم لماذا ؟/ لأنك طوال سيرتك الذاتية كنت تحترق بصمت/ تحت جمر العصا / وخلف جزرة السعادة التي تضل بعيدة عنك/…./ وعطاؤك لا يعرف النهاية / واسمك نستحضره مجانا بدون استثناء في مديح كثير من الأصدقاء يؤدون دورك التاريخي / وان كانوا يرتدون ربطات العنق الأنيقة / وتحمل أنوفهم العطور الفرنسية / فاسترح يا اعز الأصدقاء وخذ لك مزيدا من الوقت للتأمل /…/ أيها الفيلسوف المغمور / من تأملاتك تعلم الصينيون فن اليوغا / ومنك تعلمنا الرفس والرفض / حتى صار العلف والعنف وجبتنا المفضلة/.
نعود إلى حيثيات كتابة مثل هذه النصوص المتحاورة مع رمزية الحمار فالتجديد الشعري أصبح صريع دوامة الدوران والضياع في متاهة تجريب خاو تحكمه البداية والنهاية داخل الدائرة المغلقة لا تجد للشاعر فيها منفذا وخلاصا. زمن التجديد في قصيدة النثر على وجه التحديد أصبح اليوم كمثل ثور ناعور يسحب الماء من البئر يبدأ الحيوان بنقطة شروع دائرية صباحا ولا تنتهي إلا بنقطة وضع العليقة أمامه مساء بعد ان قطع مسافة كيلو مترات من الدوران المجهد المضني اللاإرادي الدائري حول بئر الماء. لا جديد في الدوران على مدى الأيام والشهور هذا تجريب قصيدة النثرفي التعبير المجازي،واصطدامه بجدار منع التجاوز نحو التجريب الإضافي الجديد.
التجريب التجديدي في قصيدة النثر على أنها نمط حداثي متداول تم التواضع الشعري على مقوماته الفنية الجمالية وصل نهايته في الطريق المسدود وانسدال جدار المجاوزة وأصبح التقدم من قبل الشاعر إلى أمام هو الاصطدام اليائس بجدار المنع وتجاوز الظلمة والمنع فيكون تجربة المجاوزة والاختراق كمن يجرؤ ضرب رأسه بجدار يحاول اختراقه يكون نتيجة ذلك السباحة في سيل الدم النازف من رأسه وكيانه مكتفيا بمحاولته وضع بصمة تجاوزه الضياع التجديدي على حائط الاصطدام بعدم القدرة. لذا نجد العديد من شعراء التجديد في النص الشعري الحداثي ارتضوا الردة والرجوع إلى وراء للسباحة في مستنقع المكرور المعاد النظم العمودي الكلاسيكي الذي يحب ويرغب البعض وصفه بالعمود النظمي الجديد او العمود الثقافي كما يزعمون، وهو محكوم بثوابت قرون من الوزن العروضي والصدر والعجز ووحدة القافية والمباشرة والخطابة المنبرية التعبوية الشعبوية .. وتجربة التجديد لم يمض عليها أكثر من نصف قرن في الخروج على النظم العروضي.
فتحت مطرقة عجز التجريب الحداثي التجديدي من جهة والعودة إلى النظم الكلاسيكي الذي يسمى تجديدا حداثيا أيضا يبقى الشاعر يبحث في فضاءات لا يجد فيها ضالته ضالة الخلاص من الضياع والمتاهة في التجريب الفارغ ومن المستقبل السرابي التي يلهث وراءه الشعر دون جدوى كالتائه في صحراء العطش وعاقول الشوك في تيه اللاهدف المنشود والمفقود ايضا.
ثلاثة اقانيم
جرب الشعر الجديد مع بقية الأجناس الأدبية الأخرى في القصة والرواية والمسرح وفن الموسيقى والرقص…. الخ، الاشتغال على ثلاثة اقانيم هي: الجنس من ضمنها عالم المرأة بكافة اشتمالاته، والسياسة بجميع تعالقاتها واشتمالاتها بالإنسان وحريتة وحقوقه المهضومة في الحياة البسيطة وأخرهم وأكثرهم خطورة “الدين” في اشتراطاته الصخرية الثابتة التي تحيط به هالة القداسة والتحريم. وتجاسر بعض المبدعين التجديدين في التقرب من معالجات بعض تلك الاقانيم التحريمية المقدسة ونجح البعض في مواربه خفية من تحقيق نمط ابداعي جسور لاقى اقبالا على مستويات الدراسة النقدية والإسقاطات الاجتماعية والأخلاقية المتقاطعة أصلا مع ثوابت تلك الاقانيم بمعطيات ورؤى ايجابية تخدم تطلعات الإنسان في القصة والرواية والتشكيل والمسرح. في هذا الصدد يقول الروائي الأمريكي اللاتيني ماريوس يوسا الحائز على جائزة نوبل معبرا عن متاهة الضياع التي يعيشها المبدع اليوم قائلا: ان ميشل فوكو أيد الخميني في ثورته الثيوقراطية شباط 1979 بعد خيبة أمله بالشيوعية . بالتأكيد كلام فوكو ردة فكرية فلسفية لم يستطع الإعلان عن إفلاسها بأكثر من هذا التعبير.حين تيقاذف الشاعر والمبدع الأدبي والثقافي عموما عوامل الشد والجذب المتضادة المتقابلة المتباينة المختلفة كمثل لعبة جر الحبل فيكون محصلة الجهد الفيزيائي لهذا العمل هو صفر. فالشاعر اليوم بدأ يتلبسه جلباب المتوارث القديم في النظم العمودي يقابله الشد بالجانب الاخر مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة والتجديد ومدارسها في نواحي جذب أخرى متباينة نجد الشاعر تأسره بدون خلاص او انفكاك لغة الكلام الشعري المكتوب المتعارف علية والمتداول قرائيا ورقيا يقابله النقيض ما تكتبه وتبثه احدث تقنيات تكنولوجيا الاقمار الصناعية للفضاء الافتراضي الرقمي (الانترنيت). المسالة الأخرى الأهم عصريا هي اشكالية تعالق ثنائية النص بالملتقي جانب أخر يمثل المباشرة والمنبرية والخطابية وهبوط التقنية الجمالية للنص الشعري الكلاسيكي يقابله بالضد من ذلك إشكالية الغموض والابهام غير المفهوم بالنص الحداثي التي هي عثرة السقوط في متاهة التجريب الفنطازي الخاوي المعبر عنه في نسق لغوي شعري فقير شكلاً ومحتوى.أمام هذه التقاطعات الاشكالية المتداخلة العويصة كيف يكون حال الشعر؟وما هو موقف الشاعر وسط هذا التيه من الأمواج المتلاطمة التي لا ترسو على بر الأمان ؟ أمام أي من التي يندرج الشاعر تحت عنوانها لا يكون الشاعر اتخذ موقفا أحادي الجانب ويفتح المجال أمام مناوئيه في تناوشه بأصابع الإدانة والتبخيس والتجريح بما يجعل الشاعر غير الواثق من موطئ قدميه التفكير بالعودة إلى ما يشبه دوران الثور في ناعور البئر أي العودة إلى القديم بتقاليده النظمية العمودية الخطابية، لم يعد الشعر تجريبا متجاوزا تحقيبا زمنيا في التداول التاريخي الأدبي إلى عقود مثل الخمسينيات والستينات …الخ، أمام جمود وقولبة نصوص قصيدة النثر وتكرارها الممل .شاعر اليوم أمام اختبارات الكفر بالحداثة او العودة إلى ردة شعرية كلاسيكية هابطة في النظم العمودي أو أمام ثنائية النص العصي على الاستقبال والتلقي والغموض والإبهام وأمام قارئ متلق لا يفهم من الشعر غير الخطابية الزاعفة وحفاوة التصفيق العاطفي ولا تمثل المباشرة اللغوية على حساب انحطاط جمالية البناء النصي الفني. في حين يقف بالمرصاد النقد الأدبي الهادف وسط منع المرور عبر طريق الانحدار إلى مستوى الإسفاف المتوارث في شعرنا العربي.
اليوم نجد ظاهرة الترويج للشعر الشعبي العامي حفاوة وضحالة وتحطيم الهيكلية وقواعد ونحو وجمالية اللغة العربية الفصحى وسط صمت غير مسؤول من قبل المعنيين بلغتنا العربية الفصحى الوحيدة ووسط آخر خبيث النية والنوايا يعمل على لسان الفصحى في تهجين العربية الفصحى وإخراجها عن مصدر فعاليتها الأساس في جمع العرب على مختلف بلدانهم وهده المسألة اكبر من إمكانية طرح ولو جانبا واحداً من جوانب التعقيد فيها ونترك الأمر لمن هم أجدر بالتصدي لمعالجتهافي غير مجالنا هذا.
كنت منذ عام 2006 أصدرت كتابي بطريقة الاستنساخ الموسوم : الحداثة اشكالية التوصيل والتلقي قبل صدوره عن دار نشر وزارة الثقافة بغداد 2013 / في الفصل الأول بعنوان التجديد سلفية الخطاب الشعري وأزمة الخطوة إلى الأمام تناولت مناقشة بعض تلك الإشكاليات التي مررنا عليها وخلصت بنتيجة طرحتها مفادها إن خروج وخلاص الشاعر من كل هذه الإخفاقات التجديدية والاختناقات الشعرية لا يتم سوى بكتابة قصيدة جديدة تقوم على مرتكزين الأول قصيدة أو نص الوسطية غير المتطرفة بالإبهام والطلسمية والمرتكز الثاني الإفادة من توظيف وحدة القافية والإيقاع الداخلي غير العروضي بجذب الملتقي وتطوير ذائقته الصوتية وتحويلها إلى ذائقة اصغائية تأملية وهذا ما عثرت عليه في مجموعة احمد جار الله / يرحل العراقي.
قلب الصورة
يستهوي الشاعر في مجموعته الاشتغال على التضاد وقلب الصورة الشعرية بسخرية لاذعة مؤلمة مؤثرة في نفسية المتلقي ويشحن تلك التضادات المستجدة من حياة غير سوية لا انسانية بلغة شاعرية وقصيدة تنبش الماضي والحاضر وتستحضر من رموزه التراثية ما يغني النص بعفوية ودون تصنع تصل احيانا ان تكون النصوص نثرية تتباطأ فيها وحدة تماسك الصورة حد الانسيابية غير المسيطر عليها من قبل الشاعر كما ان حفرياته في الماضي تاتي توظيفا مستقبليا لما يريد الشاعر تحقيقه في بديل خارج على صرامه وسطوة وجبروت التضادات القسرية المتجبرة التي تجعل من الحياة والإنسان عابر سبيل وليس صانع الحياة والتاريخ. في نماذج هذا التضاد الشعري المرغوب نطالع:يتساقط المطر بالتساوي / فوق القاتل والقتيل / فوق العشب والصخر/ فوق الأثرياء والفقراء/ فوق الصغار والكبار/ فوق الوردة والأسلاك الشائكة / فوق باريس والقامشلي/ فوق النملة والذبابة/ فوق الغربان والربابة/ فوق العصفور والقاذفة 25B. وفي تضاد نصي أخر في نفس المعنى يقول: في شارع ما/ قد تلتقي العيون بالعيون/ عيون الفقراء بعيون الأغنياء/…/ لكن لااحد يرى الأخر. هنا يستحضر الشاعر استعارة تضاد مجازي في قصدية تعميق المأساة في التناقض والتضاد الذي لابد ان يولد عنه ظاهرة جديدة تضع الأمور في مسارها الصحيح ولو بعد حين ولأ مد معلوم وتبقى العبرة المستوحاة من قراءة النص الشعري حضور البديل والتغيير، ويبقى التساؤل والحيرة تلتمعان في محاجر العيون المحرومة، والوجوه المتعبة، وتظل الأسئلة حيرى بلا جواب، ويمضي المتناقضان الغني والفقير، القاتل والقتيل،الطغاة والشعوب، كل يمضي إلى سبيله بلا مبالاة متعمدة، بالأخر، لكنها تختزن في دواخل كل جانب ونقيضه مئات من الأسئلة المؤرقة التي لا تنام، وان حط على الأجساد النعاس.فأرق اعادة الامور الى وضعها السليم يظل قائماً حتى في النوم والاحلام . والملاحظ أيضا اهتمام الشاعر بلغة الحياة اليومية البسيطة، بعيداً عن تنطعات اللغة الشعرية المصطنعة اصطناعاً/صبي يافع/ يرش بقليل من الماء الرصيف أمام المقهى/ امرأة في العقد الثالث/ تعبر الشارع نحو محطة الحافلات/ رجل في اواخر العقد الرابع/ ترتخي يده الاصطناعية عن مقود السيارة/ كلما مر في هذا الشارع/. هذه العبارات الشعرية- النثرية- تذكرنا بانسيابية النص الأجنبي الشعري المترجم للعربية، يعطيك أريحية قراءة النص بمباشرة لا تحتاج فيه العبارة إلى تأويل وراء النص أو التفتيش عن ايحاءات مضافة للصورة الشعرية المكتوبة بوضوح مباشر، كما ان النسق في نصوص الشاعر لا يمتلك وحدة التماسك في شد الملتقي ابتداءا من أول كلمة وانتهاء بخاتمة النص فهذا التنميط الأسلوبي بات صعب التحقيق أمام تداعيات الصورة الشعرية المتقاطعة احيانا، وهو كذلك غير متوفر في مطولات نصية من جهة ثانية لكن لانعدم وجود التماعات تصويرية اجتزائية في متن النص الواحد يثبتها الشاعر رغم علمه الفني عدم انسجامها المتلاحم بتماسك وحدة النص وهي ليست فائضة في سهولة حذفها لكنها تعطئ للقارئ ترصيعا جماليا عابراً للنص ،مثال ذلك:
– قطة ثقيلة الوزن / تقفز نحو سطح الجيران يتبعها هر رشيق.
– لا تتوقفوا أبدا / لان كأميرا التاريخ لا تجيد اللقطات الثابتة.
– بان كي مون يتناول الحمص في باب الطوب.(باب الطوب : سوق شعبي في الموصل)
جملة غير شاعرية ولا موحية بتأويل .
– الأطفال يرسمون الشمس بدلا من الدبابات.
رسم الحلم شئ وبؤس الحقيقة وآلام الواقع شأن آخر.
– البرتقال يسقط في حديقة المنزل / بلمسة الرياح / وليس بصفعة من شظية
تضاد تصويري معكوس لغويا مثبوت حقيقة.
– الرصاص يصهرونه في مصانع المراجيح.
تضاد تصويري اخر موح ومعبر لكن لا يمثل حلما ولا أمنية قابلة للتحقيق يوما ما.
خاتمة : القسم السردي الثاني من السيرة الذاتية للشاعر ص 87-88، خاتمة الكتاب عبء توضيحي لا تحتاجه النصوص المكتوبة شعرياً ليقوم الشاعر بشروحات اضافية توضيحية للمعنى ،الشاعر لايحتاج تذييل مجموعته بسرد المراد توصيله شعريا، فمثلا : المرأة في نصوص المتن الشعري لدى الشاعر هي غيرها المرأة المفعمة بالأنوثة والجمال والغنج والشباب فهي لدى الشاعر في نصوصه هي المرأة العانس التي استلبت منها اغتصابا تلك السمات ومهمة القصيدة عنده إعادة الاعتبار إليها بالكشف عن المسكوت عنه الإنساني والروحي الحزين . هذه الموعظة أخلاقية مجانية ليس من واجب الشاعر توضيحها سرداً ثانية في أعقاب كتابتها الأولى شعريا، ثم ان هذا الموضوع ألاغتصابي للجسد والروح لدى المرأة أصبح مستهلكا ويكفي النص الشعري بالبوح الأخلاقي في إدانته ويقول: النصوص تشتغل شعريا في منطقة الظل او الهامش من سيرة الشخوص والأشياء والمخلوقات… هذه المهام جزء من رسالة الشعر والعقيدة الدينية للشاعر ان لم يستطع مسار الحياة يصححها ويعيد إليها عافيتها ” من خاتمة المجموعة “. هذا ما تطرقنا للتعريف به في بعض من النصوص ولا حاجة لتكرار ما كتبه الشاعر نصا شعريا توضيحاً ثانياً سرداً نثرياً، فهو تكرار يفقد المتلقي متعة قراءته للنصوص ويصبح تعليقنا المقتــــــــضب هذا على سرد خاتمة الكتاب الشعــــــري من باب الايضاح فقط.





