من الحسّي إلى الشّعري في “العزلة غيّرت عناوينها باكرا”-عبد الحفيظ بن جلولي

تمنح القصيدة برهة كي يتأكد القارئ أنّه منسجم في قراءتها، ليس شرطا فهم القصيدة، الأهم أن يتحقق شرط التوازن الوجداني، أين يجد القارئ ذاته في مستويات النص فيشعر – من الشّعر – أنّ القصيدة تجد صورة شبيهة لها في خياله الشّعري، فلا يُقرأ الشّعر إلا حين يتحقّق الشعور به. قراءة أحمد الدمناتي منذ “طفل مكفّن بالقصيدة” إلى المجموعة الحاضرة “العزلة غيّرت عناوينها باكرا”، يقع في مستوى الشاعر الذي يكتب من وحي الإيجاد، تشعر القصيدة كما لو أنّه يضع الكلمات المهيّأة مسبقا لترتيب المعنى في فراغاتها، الخيال الشّعري المتاح في الأشياء والأشياء المتاحة فيه يتّفقان لإنجاز المعنى في الكلام الشّعري.
من العزلة الحسية إلى العزلة الشّعرية:
يصدّر الشاعر مجموعته بهامش يُخبر فيه أنّ بعض القصائد كتبت بمدن اسبانية ومدن مغربية، أما بيروت وعمان فقد كتب عنهما من “متخيّل مكاني”، وهو ما يجعل القارئ يتساءل عن هذا الاستباق الإخباري وعلاقته بالقراءة. قد يَربِطُ فهمًا هذا الهامش العزلة بالمكان، فتصبح القصيدة ذاتها فضاء تعبيريا وقبله انتاجيا لممارسة العزلة كعنصر لتوليد خيال القصيدة. فلقد حدّد الشاعر هوية بعض القصائد بنسبتها إلى أماكن ميلادها، وأحال ميلاد بعضها إلى ما سمّاه “متخيّل المكان”. وهنا تأخذ العزلة دلالتين مكثّفتين بالإيحاء: العزلة المتخيّلة أو الشّعرية والعزلة الحسّية.
يعترف الشاعر فيما يشبه البيان الشّعري بأنّ “القصيدة نص/مفتوح على العزلة”. يبدو هذا عاديا إذا عرفنا أنّ الشاعر لا يصدر إلا عن فرديته، فالعالم صورة لا تعني غيره حينما تكون في مدار شعريته، لذلك القصيدة كيان تتحقق فيه خلوة الشاعر بنفسه لكن في مرآة العالم. ما ليس عاديا هو عندما نضع القصيدة في مقابلة مع العزلة فيصبحان خارج التحديد المفهومي لكليهما، لأنّ أحدهما يخرج الآخر من معناه القريب من الفهم، فالقصيدة في ضيافة العزلة صوت يجهر بالمتخيّل أو بغياب الشاعر، فهي حضور مكثف بالمعنى، أما العزلة في ضيافة القصيدة فهي انهماك في فك شفرات تخلّي الشاعر عن اندراجه في الواقع، ذلك الذي يجعله على تماس مع متطلبات شعريته.
المرافقة الشّعرية والتعدد الخيالي:
يفتح الشاعر نافذته على القصيدة فتقول له: “رافقني لعيادة القرنفل كل صباح/كي يقتبس الطب الحكمة من فصل الرّبيع”، يتعدّد الزمن في مستويات شعرية تقف عند ماهوية “العلاج”، إذ يتحدّد زمن القصيدة بالصباح ويتشكل موسمها في الرّبيع، ليكون القرنفل شاهدا على ميلادها، لكن هناك مصاحبة تطلبها القصيدة من الشاعر، وهنا تتأكد انفصاليتها عنه، “رافقني لعيادة القرنفل”، سقطت القصيدة في زمن اللاوعي بالذّات وهي ترى من منظورات الغياب، إذ الشّعر منتج الخيال الذي تنفصل فيه أيضا الذّات المتخيِّلة عن متخيّلها وإلا ما استطاعت التحكم في رؤيا الأشياء وهي تأخذ طابع الغياب، ربّما قد تستمد القصيدة من موسميتها الممهورة بالقرنفل جدوى أن تكون ذات علاقة بما يسمّيه الشاعر علاجا وترسمه القصيدة “مرافقة”، فأن تتشكل القصيدة بوعي “المرافقة” فذلك يعني أنّ انتاجيتها وَلّدت خيالا موازيا لخيال الشاعر، يلتقيان لا ليندمجان ولكن ليؤكّدا زمن الشّعر في انفصاله عن لحظة الوعي بالأشياء الذي يدمجها في لحظة التصنيف المادية، و”الخيال طفل أنيق/يحب صداقة النساء”، فالطفولة والنّسائية جماليتين متوافقتين مع الوجود من أجل أن يكونا مركزا اهتمام، فالطفل “أنيق” والمرأة “صديقة” وهو ما يحتاجه الشاعر كي يثبّت في وعي العالم انفصاله عنه لحظة ميلاد القصيدة، الأناقة تعبير عن نسيانِ ذاتٍ وانبثاق أخرى، وما بين اللحظتين تكمن “البهجة”، و”الصداقة” محور التودّد إلى آخر حدّ نسيان “الأنا”، تلك التي تعبر الذّات في غيابها إلى غياب الأشياء: “امرأة تتسلق القصيدة دون استئذان/تسقط اللغة”، تلك هي الأنثوية التي تباغت القصيدة فتجعلها تربة خصبة، ناضجة للتوهج على تيجان الكلام، دون استئذان تتعلق القصيدة بشيء ما في العالم يؤكد غياب الشاعر ولا يعيق غياب الأشياء، وتبقى “الأنثوية” حالة من حالات التوتر حين الوقوف أمام مرايا النساء، هل نرى ذاتنا أم نرى غيابنا في ما هو جزء منّا؟ ذلك ما تسقط به اللغة غير منتظمة في نظام القاموس.
الدّهشة تسمّي الشّعر:
تورق الكتابة ألوانا من الدّهشة حين تلتمع في الأفق أشياء الشاعر التي لا تتلوّن، فقط توحي بسراباتها لإغراء حضور الكتابة، فتتستّر القصيدة بــ “الهشاشة” إمعانا في جلب التضامن، هل نتضامن فعلا حين نقرأ الشعر، أو نقوله أو نرسم في الوحدة أشباحا ونرى في رقصها مسرّةَ شيءٍ يشبه الشّعر؟ حينها سوف تكون لوحة أو موسيقى، ما أدرانا أنّها سوف لن تنفلت من أضمومة “الكلام” إلى التماعات اللون أو جنون النّغم؟ أسئلة القصيدة هي ذاتها أسئلة ميلاد الأشياء، الدّهشة هي ما يجعل كل ميلاد جديد ضربا من الشّعر: “في عيون المنفى/تتدلى فراشة من غسق الدهشة/تقذف شاعرا ملعونا بحرقة الكتابة”.
لقاء العالم يتشكّل في التوجّس الأوّل للاكتشاف، ذلك هو منفى الشاعر حين يحتاط لأن لا تكون الدّهشة مِسْطرة الظاهر، الباطن هو شعلة الكلام حين يُنسج قصيدة، من ذلك المنفى تنتشر اشتهاءات الشّعر في قوله الأشياء بغير وضوحها، غموض في غايات مبطّنة باللاقصد، حينها “تتدلى” القصيدة مكتنزة باندهاشات الشاعر وهو يعلّق كلامه على معنى قد لا يكون شعريا، قد يتعثّر في انسياب اللون أو موسيقية الإيقاع، فما زالت صرخة بول فاليري قائمة حين دعا إلى استعادة الشّعر لما سلبته منه الموسيقى، وكانت حينها دهشة ريتشارد فاغنر قد أرست قواعد السّماع لتتبع هسيس النّغم في “توبا فاغنر” la tuba wagnérien.
من دهشته يولد الشاعر أم من دهشة تلاواته لقصيدته في الما بعد، الذي يرسي هشاشة القصيدة أمام رغبة العالم في تحويل الانتظار إلى محطة لاستلهام تلك الدّهشة، استلهام “الكلام المتواري فيما سمّاه الدمناتي بانقذاف شاعر “ملعونا بحرقة الكتابة”، إنّه الميلاد القريب من ميلاد القصيدة، بل شبيه بميلادها، كلاهما ينتبه من غفلته كمن يحطّ رحاله من جديد في عالم لا يعرفه، عالما مكثفا بالدّهشة من ذهول ما يسمع، الكلام له ارتباطه بذات الشاعر، لكنّه سقط منه لحظة غياب، لذلك ارتقى سلّم القول فكان شعرا أو هكذا سمّته الدّهشة.
القصيدة المُعتقلة بوصفها رغبة:
تحضر الطفولة في شعرية الدمناتي كما تحضر المدن والمرأة والبحر، يجمع بين هذه الانبثاقات الحسية لينتج صورة اللامحسوس في شعرية العالم، ولهذا تدرك جيّدا شعرية تغامر داخل أنساق اللغة المتماوجة على صفحة الوعي بأنّ الشاعر يحوّل أنانيته الى مرآة تعكس جمال الطفولة باعتبارها مشاكسة تترغّبها أناقات الرّشد: “والشاعر طفل مشاكس/يبيع أحلامه ليعتقل القصيدة”. تمهّد طفولة الشاعر لتقبّل فكرة “اعتقال القصيدة”، لا شاعر يعتقل قصيدته، لأنّها تتشكل أصلا بمهارات التحرّر، الشاعر يتحرّر من وعيه بالظاهر، من الأشياء التي تتكسر برتابة على جدار الإدراك، وبذلك لا يفكر في اعتقال القصيدة بقدر ما يفكر في تحريرها من حسّية العالم، ولهذا كانت طفولة الشاعر المبرِّر الوحيد لتحقيق معادلة الاعتقال المقايضَة ببيع الحلم. الطفولة أنانية بطبيعتها مستحوذة على الأشياء، وربّما نحن نحب ونَحِنّ إلى الطفولة من هذا الباب، أنّنا نشكل أحلامنا تلك التي تستعيد لنا لحظة طفولة، وبين الحلم والقصيدة تُنسج حكاية الإغراء، ذلك الذي أعتقده يفجّر القصيدة من شعرية عابرة للوجود، فالشاعر كائن حالم لا تتأتّاه القصيدة إلا إذا صبغ حضوره بماء الحلم، ولا يحدث هذا إلا إذا بلغ مبلغ “آرثر رامبو في “التشويش على الحواس” ليصل ما يطلق عليه رامبو “الرئيوي” ويحقّق الخلوص الشّعري، وفكرة التشويش هي ما يقرّب المعنى في اعتقال القصيدة، لأنّه فكرة تقوم على كسر “القوالب المنطقية” التي يفرضها المجتمع واللغة على الإدراك، بمعنى أنّ فكرة الاعتقال هي استدراج القصيدة إلى هذا المستوى الذي لا يمكن أن يتحقّق دون حلم.





