مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

الأناقة فكر قبل أن تكون مظهر – د. أحمد القيسي

صورة لرجل ذو لحية وشعر رمادي، يرتدي نظارات وسلة مزركشة، في ملابس رسمية مع سترة وزر مختلف الألوان.

الأناقة فكر قبل أن تكون مظهر ، فهي أسلوب حياة ينبع من الداخل ليعكس رقي العقل ، وتهذيب النفس ، وجمال الروح . وتتحقق بأن تكون أفكارك ومشاعرك أزكى من عطرك ، وخلقك أكثر جاذبية من ملابسك ، حيث يُترجم الوعي والتهذيب إلى حضور أنيق ، وكلمات موزونة ، وترك أثر طيب ، مما يجعلها تتفوق على المظهر السطحي .

نعم الأناقة تبدأ من الفكر قبل أن تُرى في المظهر . الأناقة الحقيقية ليست مجرد ملابس مرتبة أو ألوان متناسقة ، بل هي انعكاس لما يدور في الداخل . هي أسلوب تفكير ، وطريقة تعامل ، واختيار الكلمات قبل اختيار الثياب . قد ترى شخصاً بسيط المظهر ، لكنه يملك حضوراً يلفت الانتباه … لأنه يتحدث بذوق ، يتصرف برقي ، ويترك أثراً جميلاً أينما كان .

تتجلّى الأناقة الفكرية في أسلوب الحديث ، وفي القدرة على الاختلاف دون إساءة ، وفي اختيار الكلمات بعناية تعكس عمق الوعي لا سطحية الطرح . فالمظهر قد يلفت الانتباه سريعاً ، لكنه لا يصمد طويلاً أمام حوار فارغ أو رأي متشنّج ، بينما يفرض الفكر الأنيق حضوره بهدوء وثبات .

إن من شمائل الرسول عليه افضل الصلاة والسلام ، اهتم النبي بالأخلاق اهتماما كبيراً ، ورغب في حسن الخُلق واناقته ، وجعل من يتحلى به أحب الناس إليه ، وأقربهم مجلسا منه يوم القيامة ، فقال ( إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ) رواه الترمذي . وكما اهتم نبينا صلى الله عليه وسلم بحسن وجمال الخُلق وأناقته ودعا إليها وحَث عليها ، فقد اهتم كذلك بحسن المنظر والهيئة ، فالمسلم جميل الظاهر والباطن ، حَسِن الأخلاق وحَسِن المظهر .

وهي من سننه النبوية ، وقد أمر الله تعالى أمر عباده المؤمنين بأن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد فقال .. يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ( الأعراف ). قال إبن كثير .. ولهذه الآية ، وما ورد في معناها من السُنة ، ُيستحب التجمل عند الصلاة ، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد ، والطيب لأنه من الزينة والامانة التي شرعها الله تعالى ، والتطيب والسواك لأنه من تمام ذلك ، ومن أفضل الثياب هي البياض ! ويحتمل أن المراد بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن .

وهناك تتجلى الأناقة كفكر وحُسن خُلق الأناقة كفكر تعني الوعي أن يعرف الإنسان كيف يتصرف ، متى يتكلم ، وكيف يختار كلماته ومواقفه .

هي انعكاس لنضج داخلي ، والذوق لا يُشترى . فكم من شخصٍ بسيط المظهر، لكنه يفرض احترامه بهدوئه ، ورقية ، ونقاء أسلوبه .

لكن في المقابل ، لا يمكن إغفال أن المظهر أيضاً لغة هو أول ما يراه المقابل والآخرون ، وهو رسالة صامتة تعبّر عن اهتمام الإنسان بنفسه واحترامه لمن حوله . لذلك ، أناقة المظهر ليست سطحية كما يظن البعض ، بل هي جزء مكمّل للفكر و وجهة نظر للشخص والأناقة الحقيقية هي انسجام بين الداخل والخارج .

فالفكر يمنح الأناقة عمقها ، والمظهر يمنحها حضورها ، إذا كان الفكر راقياً دون مظهر لائق ، قد لا تصل الرسالة كاملة ، وإذا كان المظهر أنيقاً دون فكر راقٍ ، فهي أناقة مؤقتة سرعان ما تتلاشى

لذلك ، أجمل ما في الإنسان أن يكون انيق بالرُقي الفكري ، بسيط الحضور ، صادق التأثير .

ويمكن تلخيص الفكرة بجملة الأناقة تبدأ من الداخل ، لكنها تكتمل عندما تُترجم إلى الخارج .

في النهاية الأناقة ليست مجردة الملابس التي نرتديها

ولا هي فخامة ساعة ولا نوعية حذاء ، إنها مزيج من البساطة والجمال وإنها تبدأ من النظافة الشخصية والعناية بالذات وثم اختيار الملابس الملائمة وأيضاً ما يعكس الأناقة حقاً هو أخلاقنا في التعامل وطريقة التعامل برقي مع الآخرين باحترام ، فما نفع الملابس الجميلة إذا كانت أخلاقنا قبيحة .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading