كتابات حرة

القصد العدائي في الأفعال المحايدة – رامي الحلبي

Gemini Generated Image 2p8d6l2p8d6l2p8d

الفهم الحقيقي يتطلب جهد للوصول إليه، فالوعي لا ينشأ من فراغ، لتكن في الأخير واعٍ أو جاهل، لا منطقة رمادية في المنتصف أمام مرآة النفس، بل يتشكل الضباب لما تغاير الأفعال الظاهرة مكنون الوعي الحقيقي حيث يتساوى النفاق الذاتي مع الجهل أو حيث يتوتر الإنسان في قراءة نفسه فيُنتج أفعال مذبذبة أو يسعى جاهداً وصولا لمنطقة الراحة النفسية الذي يبررها بالحياد غالبا حتى لا يدركه التساؤل مجدداً من نفسه ولا تلاحقه نظرات الإستشفاء من الآخرين الذين قد يعولوا على رأيه أو قراره النهائي فيما يخص فعله بخصوصهم.

هل يعني تحرير فلسطين، شرق أوسط جديد؟

بكل تأكيد يعني تحرير فلسطين نهاية الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط و نبوغ  شرق أوسط منافس في الهيمنة العالمية، فكم عقل فكر في كيفية الوصول إلى لحظة تحرير الأرض المباركة؟، لم يحلم في منامه أو أغفته أحلام يقظته، بل فكر في خطوات عملية لم تبهجه بقدر ما تحسس فيها المسؤولية، بداية من تحرير قراره في موطنه و إتخاذه موقف من إنتماءه الأعمق ونزعه عن كاهل عقله فكرة الإنسان العالمي المحب للسلام، ذلك التزييف الذي يبدو لنا أنه قد تولد عن ضغط مابين ماضٍ يُثقل الحاضر (الإنجاز فيه والإنتصار لفق على أنه إرهاب، ونصدق بوعي أو نتبع بغير وعي)وحاضر متأزم بالمستقبل( البقاء ضمن دائرة الذنب والإتهام)، بينما الأمر كله صناعة مجدها يصدح في المجتمعات الغربية و قذارتها تموج بمجتمعاتنا. إلى جانب ذلك وذاك  لابد من الكف عن رؤية المؤامرة كنظرية مؤامرة  بمعنى أنه يجب رؤية إسرائيل كعدو حقيقي يسبب الأذى والدمار في المحيط الذي تم إستزراعه فيه، والفهم أنه كيان وظيفي ومد زمني واقعي للإستعمار  فهزيمتها في الفكر الخاص بنا أولى من الدعوات عليها وإنتظار المعجزة والصنع منها تنينا لا يُهزم في عقولنا أدعى له أن نُرى أبنائنا خطوات عملية تؤكد أن إسرائيل من السهل هزيمتها وإن كان من خلفها أميركا والعالم كله، وإن أسخف الرؤى الواقعية هي الرؤية التي تُنظر ولا تتفاعل، تلك كالشعار الناصري(سأحارب إسرائيل ومن ورائها) أو القناعة الساداتية(أنه لن يستطيع أن يحارب إسرائيل من خلفها أميركا)، كلها رؤى للإستهلاك اللحظي لتبرير الموقف العاجز بعيد عن الواقعية والحكمة، فنحن تربينا على مآثر الزعماء الخواص لنا نرى رؤاهم واقعية حيث لم نفهم مصالحهم الخاصة في تلك الرؤى،  ونتيجة لذلك أطرح السؤال، لماذا كان السابع من أكتوبر؟، كان يناسب السابع من أكتوبر الموقف الناصري في أطر الآية (وأعدوا لهم ما استطعتم)، ولطالما كانت الحجة عدم الإستطاعة والجاهزية معطلين الآية الكريمة(انفروا خفاف وثقالا) من ما يدل على أن  الأمة مرت بتغيرات جذرية منها الإفراط الساذج في الواقعية بشكل لا يكون عبارة عن فهم واع للأزمة، أزمة ضياع الحضارة وإنسلاب القوة وإنفراط الوحدة بل إستسلام واع للأزمة، حيث أصبحت القناعة( أن الأمة لا تستطيع محاربة إسرائيل لأن من ورائها أميركا)  أيقونه الفهم وبوتقة الواقعية، وهذا ما خالفه السابع من أكتوبر، مخالفة الواقع الذي كرسه الإنهزام وحيث أصبت المؤامرة نظرية لا يُمس مؤتمريها وبقيت شيء حسي يغل في نفوسنا حيث الصراع بيننا البين على المواقف التي لا تحفظ ماء الوجه حتى ولكن على تلك التي تجنبنا المواجهة مع المؤتمرين بنا، وجاء السابع من أكتوبر بمفارقة كاشفة لواقع الأمة، ولماذا هي لحظة كاشفة؟ لأنها كانت بمثابة إشهار التعبير(الإنسان العربي المحايد) حيث لا تيقن من أن الله سيهدينا السبيل، فجائت السابع من أكتوبر عداء للفكر الذي سيطر علينا وعدوة للأشباح التي نخشاها وغير هذا والأهم الإيمان بأن الله وحده هو هادى السبيل، فإن المعجزة حتى تتحقق تحتاج إلى سعي لها .

هذه النظرة التي تقول عن نفسها رؤية واقعية والتي عن طريق الكثير الكثير من التبرير صنعت هالة الإنسان المحايد لم تنشأ نتيجة عن السابع من أكتوبر، بينما هي تجريد لمراحل كبت طويلة من حيث الزمن حيث قديما صنعت الحالة الناصرية أعجوبة الكائن القومي، الكائن السوبر هيرو على أساس فارغ، فمازالت ذكريات محافظتى الغالية دمياط تحفظ عبور موكب الصواريخ الخشبية(قاهر و ظافر) الذي جال قبلها محافظات عدة وبعدها البقية، فالبشر الذي تكدس حول المواكب تلمس جسد الصواريخ ويعلم أنها خشبية زائفة لكنه أُعلم أنها ماكيتات، أو شكل كروكي لما ستحوله القاهرة إلى واقع من أجل إلقاء إسرائيل في البحر والوقوف ندا للند الأمريكي، حتى تبين لاحقا أننا نشرى بإيمننا في الله (الترماي) وبدلنا الإيمان بالله بالإيمان بالقادة والزعماء، والنموذج الناصري لم يكن الأوحد في مصر بل ترى نسخه حول العالم، صدام حسين في العراق وكيف أنه لم يتجهز عمليا للغزو الأميركي بالحشد للمقاومة الشعبية مثلا بل ألهب جمهورة بالخطاب والعنجهية الفارغة والقوة الكلامية، كذا مارودو الفنزويلي على خطى تشافز والذي وصف نفسه بالناصري الهوى وشبية صدام حسين في الهيئة ونسخة من الإثنين في الخطاب التعبوي ثم ما لبث يبحث عن مخرج يؤمن حياته وأسرته بالتنازل وقبول النفي ولم يتخذ خطوات عملية بالحشد للمقاومة الشعبية والتجهيز لها إلا بعد رفض إقترحاته من الجانب الأميركي، وها هو يتم السيطرة عليه في غضون ساعتين من فرقة كوماندوز أمريكية ويجري نقله خارج البلاد،  ولما منيت مصر بالهزيمة في ٦٧ وأحتلت إسرائيل سيناء بالكامل كانت لحظة مفصلية إذ أنزلت السوبر هيرو على الأرض، ما عاد بإمكانه الطيران، ضربت مطاراته وتدمر طيرانه وحانت لحظة الحقيقة، تلك اللحظة التي ما كان عليها أن تتطور هي اللحظة التي يمكن فيها أن يتفاعل الإنسان مع المؤامرة، فما قبلها كان تنظير للأوهام وما بعدها لما تطورت صار تقديس للنظرية، و بعد السادس من أكتوبر كأن الإنسان المصري كيس نفسه على لحظة التعالي المستمرة، فهو المنتصر بعد شقاء وعناء لا يستمر في جاهزيته طالما للعدو وجود بل يرضخ لإستراحة المحارب الذي أنهى أذى العار، ليلحق به عار يدعوه للتبرير ثم ما إن لبث التبرير غير مجدى إتهم المظلوم وإنقلب عليه، فأسأل، إلى أي مدى شاعت الفكرة الطاغية(أن الفلسطيني هو من باع وطنه).

إلى أي مدى نشعر بالمسؤولية تجاه فلسطين؟.

أستطيع القول أن مسؤووليتنا إنتهت مع فلسطين حين غلبت العواطف والدموع مشاعر الإستفزاز والإستنفار، لما تباكينا على المشاهد وأعلنا عجزنا، بينما الفلسطيني على عهده الأمين في الشعور نحونا أننا أمة مهما إنقلبنا على أنفسنا ستحينا الغيرة على شؤننا المنتهكة وأننا في ذلك الرباط إلى يوم الدين، و هذه تلخص دوافع السابع من أكتوبر، أولا تحقيق الإتكال ثم إستعجال لحظة اليقظة والتعويل على تلك اللحظة، بينما المأخذ في تلك الفرضية مأخذ دينيا وأخلاقيا قبل أن يكون إنسانيا، وكما أن الإيمان ضرورة في حياتنا عولت أكتوبر على الضرورة في الحين أن أدعياء للدين يثبطون عزيمة المجاهدين ليس فيهم بل فينا نحن الذين نرى الحرب على الشاشات ولا يؤلهنا إلى هوى الألم ولذة الإيلام، فهذا برهاني بفتوى شاذة ينكر على المجاهدين ثم بسخف لا سذاجة يبرر خطواته المدفوع لها، أعلنت الدعوة السلفية أنها تعزي في القادة المجاهدين ذلك رغم…. وهذا الأهم لكي نعلم، (رغم عدم استأذانهم الرأي الشرعي أو الإستماع لصوت الحكمة)، يعطلون أحكام ويبيحون التبرير الحاقد، هذا التبرير ليس تصديرا للداخل الفلسطيني فهم على الثبات والقوة، وإنما هو تصدير لنا لنقل ولا الضالين آمين، ولا نعي أنهم شيوخ سلطان، إننا قبل أن نكون في نظر العدو أعداء كنا لأنفسنا أعداء بل أشد الأعداء، لنكن في أطر المكلمات ضحايا في الأحقاد المتبادلة بيننا، نريد ان نكون على مستوى الحدث نحقق الإنتماء، لكن لحظة الفعل نتحول إلى محايديين أطهار.

الصورة المحايدة النهائية هي  لحظة استيفاء لشروط التبعية للغرب الذي يحدد مالا نفعله ويقدم الفعل الخاص به لنكن في الأخير بلا أي خيار، لنقل لقد فعلوا ما بوسعهم ونحن نفهم اننا فعلنا ما بوسعنا ليكن العجز كائن هلامي يعيش بدواخلنا دون أن نفهم أسبابه أو نعلم أنه يمكننا هزيمته.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading