الكراهية حين تَقتُل – د. ياسين احمد خلف يحيى اوغلو

مقدمة
منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، عاش بين قطبين متناقضين: الحب والكراهية. فالحب يزرع الحياة، والكراهية تُهدّمها. الحب يُطلق الطاقات، والكراهية تقيّدها. الحب يفتح الابواب ، والكراهية تغلقها بل تبني جدارًا عازلًا بين القلوب.
الكراهية ليست مجرد شعور عابر. إنها حالة نفسية–اجتماعية مركبة، تبدأ غالبًا من رفض الآخر أو الخوف منه، ثم تتطور إلى رغبة واستعداد وتمني لزواله. الكره كالحسد او قد يوّلد الحسد ،وقد تكون الكراهية واضحة ومباشرة، أو كامنة وخفيّة، لكنها في الحالتين تؤدي إلى النتيجة ذاتها : عُزلة الإنسان عن نفسه وعن مجتمعه.
اسباب الكراهية
للكراهية اسباب كثيرة منها :
1. الجهل بالاخر والجهالة : الإنسان يكره او يتوجس مِنْ مَنْ لا يعرفه. او حين يسمع عنه مالا يسره ،وكذلك الانسان الجاهل عندما تُنقل له كلمة يُصدّقها وينشأ على اثر ذلك واجس في داخله ويتحول إلى كراهية.
2. الخوف من الاختلاف: كثيرون لا يتحملون أن يكون الآخر مختلفًا عنه في الدين مثلا ً، أو اللغة، أو اللون، أو الثقافة، فيعتبرون الاختلاف تهديدًا لهويتهم.
3. النرجسية والحسد : حين يرى الإنسان نفسه انه هو الاهم ، يكره من لا يعترف باهميته او بعظمته.
4. المصلحة : الكراهية أحيانًا تُزرع عمدًا من قبل قوى تستفيد من تفريق البشر.
هل يمكن تبرير الكراهية؟
قد يقول البعض: “أنا أكره الظلم، أكره الفساد، أكره القسوة.” لكن الحقيقة أنّ هذا ليس كراهية بقدر ما هو رفض للقبح. والحقيقة الكراهية موجهة ضد الأشخاص لا الأفعال، ضد البشر وهنا تكمن خطورتها، إذ تجعلنا نخلط بين الإنسان وخطئه، فنحكم بالإعدام على الآخر ككل.
هل يمكن أن تتحول الكراهية إلى إعجاب أو تسامح؟
نعم.ممكن ، فالكراهية ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بدايته. كثير من الناس كانوا أعداء ثم صاروا أصدقاء حين تعرّفوا إلى بعضهم البعض . الحوار الصادق، التربية على القيم، والتجربة المشتركة، والغفران اوالكلمة الطيبة فقط ،كلها أدوات قادرة على كسر جدار الكراهية.
الغفران هنا ليس ضعفًا، بل شجاعة. أن تغفر يعني أن تحرّر نفسك من قيود الماضي إن وجدت ، وأن تمنع الكراهية من أن تقودك وتتحكم في مصيرك.
ضحايا الكراهية من عظماء خلدتهم الإنسانية:
اي ان الذين قتلوا لم يكن لهم ذنب او جريمة.
– سقراط: قتل بسبب الكراهية لم يُقتل بالسلاح بل بالسم، لأن فِكرُه أزعج المجتمع.
– الإمام علي بن أبي طالب: رمز العدالة في التاريخ الإسلامي، سقط ضحية الكراهية السياسية غدر بخنجر الكراهية المسموم .
– الملك فيصل الثاني ملك العراق كان ضحية الكراهية قتل برصاص الجهل .
– المهاتما غاندي: دعا إلى اللاعنف، فقُتل برصاص الكراهية.
– الحلاج صُلب لأن صوته كان أكبر من خوف المواجهة .
كل هؤلاء وغيرهم لم يموتوا لأنهم ارتكبوا خطأ، بل لأن الكراهية لا تتحمل صوت الحق.
فالكراهية لا دين لها، لا وطن لها، إنها وباءٌ عالميٌّ يطارد كل من تجرأ أن يقول كلمة حق .
ربما نتساءل هل الكراهية مرضٌ أم سلاح؟
-هي مرض فتاك حين تتمكن من الانسان وتجرده من العواطف الانسانية والرحمة والعدالة .
-وهي سلاح حين تُوجه عن قصد الى الشعوب، فتتحول إلى جيوشٍ تقتل الآخر وتصفّق للجريمة.
هل نحن أسرى هذا القَدَر؟
ألا يمكننا أن نحول الكراهية إلى ود ، والود إلى احترام. حيث يمكننا أن نرفض إرث الانتقام.
الغفران ليس ضعفًا، بل قوة، التسامح ليس نسيانًا، بل ثورة على منطق الحقد.
لقد اسقطوا أجساد العظماء ، لكن أفكارهم لم تسقط ولن تسقط . كل رصاصة أطلقتها الكراهية جعلت أصواتهم أعلى، ورسائلهم أعمق، وحضورهم أبقى.
الكراهية في داخلنا
ليست الكراهية دائمًا موجهة إلى الخارج، فقد نكره أنفسنا أحيانًا. حين نعجز عن تحقيق أحلامنا او تطلعاتنا ، أو نخجل من ماضينا، أو نشعر أننا أقل من الآخرين. هذه الكراهية الذاتية أخطر من أي عداوة خارجية، لأنها تجعلنا نرفض الاخرين بل ونرفض الحياة ونرفض انفسها.فقد ظل الحطيئة يردد هذا البيت بحثا عن ضحية كراهيته ، حتى وجد حوض ماء فرأى وجهه منعكسا فيه. وعندها وجد ضالته المنشودة، فقال هاجيا نفسه
“أرى لي وجها شوه الله خلقه، فقبّح من وجه وقبّح حامله “
البديل عن الكراهية
لا يمكن أن نُخرج الكراهية من القلوب بالخطابات السياسية أو الدينية وحدها. الحل يبدأ
من التربية والتعليم :
• أن نعلّم أطفالنا أن الاختلاف خير ورحمة لا حقد ولا كراهية .
• أن ندرّبهم على التسامح بدل الانتقام.
• أن نزرع فيهم ، حب الآخرين، وحب الوطن دون أن يتحول هذا الحب إلى عداوة للآخرين.وأخيراً وليس آخراً ان نجعل العدالة مبدأ ورسالة وقانون الحياة فعلاً وتطبيقاً .
خاتمة
الكراهية ليست قَدرًا محتومًا، بل خياراً يمكن تجاوزه. كل إنسان قادر على أن يختار: إما أن يظل أسيرًا للكراهية، أو أن يتحرر منها بالحب والتسامح والعدالة.
إن التاريخ مليء بالضحايا الذين سقطوا تحت رصاص الكراهية، لكنه مليء أيضًا بأولئك الذين انتصروا بالحب، فخلّدهم محبيهم في ذاكرتهم.
لذلك… إذا أردنا أن نصنع مجتمعًا نتفاخر به، فلا بد أن نواجه الكراهية بالود، ونحوّلها إلى طاقة للبناء لا للهدم .
“حب واحكي، واكره واحكي”و الفرق بينهما كبير
هذه الجملة البسيطة تختزن فلسفة إعلامية كاملة، لأنها تُشير إلى أن القول ليس محايدًا أبدًا، بل هو انعكاس للحب أو الكراهية التي يحملها المتكلم في داخله .فالحقد يهدم والحب يبني .
إذا كانت الكراهية تسرق الكبرياء، فالاحترام يعيده.
وإذا كانت الكراهية تريد أن تجعلنا غرباء، فالمحبة تردّنا إلى إنسانيتنا.





