كتابات حرة

في الهاوية الناعمة للسلطة تأملات في  الحياة النفسية للقوة والخطاب المثير-نضال الخليل

صورة لرجل ذو لحية وشعر رمادي، يرتدي بدلة فاتحة، ينظر إلى الكاميرا بخلفية تحتوي على رف كتب.

في كتابها الحياة النفسية للقوة: نظريات الخضوع تتقصّى جوديث بتلر الطريقة التي تتسلل بها السلطة إلى النفس لا لتقمعها فقط بل لتصنعها.

 السلطة ليست شيئًا نرفضه ببسالة بل غالبًا ما نكون قد تكوّنا بها ومن خلالها
أما في الخطاب المثير: ملاحظات نحو نظرية أدائية للتجمع فتتابع بتلر انشغالها باللغة كأداة للهيمنة والتحرر في آن الكلمة هنا ليست شيفرة تعبير بل فعل وقد تكون جرحًا قد تقتل وقد تخلق هوية.

في غرف الاعتراف المغلقة وفي مساءات التربية الطويلة يولد الإنسان من لحظة استسلام
ما نسميه “أنا” ليس قرارًا ذاتيًا بل نداءً تمّت الإجابة عليه

حين تقول لك السلطة: “أنت” وتُجيب حتى بالصمت تكون قد بدأت بالتشكل.

هذا هو المحور الأول للكتاب الذات لا تسبق السلطة بل تولد من احتكاكها بها لا نتمرد بعد النشوء بل نُولد داخل شروط ذلك التمرد.

لكن أين تكمن المشكلة؟

تكمن في ذلك التوتر الغامض أن الذات تتشكل من شيء يُقمعها أن الحب قد يأتي من نفس اليد التي صفعتك أنك لست من يختار كيف يبدأ – فقط تتأمل الطريق من حيث فُرض عليك أن تبدأ.

في استعارة عابرة تُقدّم بتلر لحظة النداء الشرطيّ يناديك أحدهم باسمك في الشارع تستدير
ما الذي جعلك تستدير؟

ليس الصوت فقط بل ادّعاءٌ ما بأنك هذا الشخص وهذه هي لحظتك السلطة تنادينا دائماً وفي كل مرة نُجيب ننقش مزيداً من الذات في حجر الخضوع.

لكن لا شيء بهذه البساطة الخضوع ليس خنوعًا بل تراكمٌ وجوديّ معقد فيه بعض الرغبة بعض الخوف وبعض الغموض الغريزيّ الذي لا يريد أن يكون خارج اللعبة
الإنسان لا يخضع فقط لأنه مجبر بل أحيانًا لأنه لا يستطيع تحمّل فكرة العزلة الكاملة                عن الخطاب الذي يسميه.

في “الخطاب المثير” تضع بتلر اللغة في قفص الاتهام الكلمات تجرح ليست مجازًا بل جرحًا حقيقيًا تقول:

  •  حين يُقال لك “يا حقير” فإنك لا تسمع مجرد إهانة بل تحس بانخفاض في ضغط دم كرامتك.

هذه الكلمات لا توصفك بل تؤديك وهنا مكمن الخطر والجمال معاً الخطاب لا يصف الواقع فقط إنه يخلقه فالكلمة ليست سكيناً في يد بل اليد ذاتها حين تقرر أن تكون آلة عنف.

لكن وبذات النفس تنقلب اللغة على نفسها يمكن لنفس الكلمة أن تُعاد أداؤها فتفقد سُمّها
يمكن للمثلي أن يعيد لفظ “لوطي” كأداة تحدٍّ للمهان أن يعيد تعريف إهانته بوصفها تسميةً فخورة.

هكذا تتحول اللغة إلى ساحة حرب السلطة تلقي بالكلمة لتقمعك
وأنت تلتقطها وتعيد نحتها لتقول بها ما لم يُرد أن يُقال.

في لحظة ما لا تعود الذات وحدها قادرة على مقاومة السلطة فتظهر الأجساد، تتجمع، تصير حضورًا ليس لأن الأفراد اتفقوا  بل لأنهم اهتزّوا من نفس النداء لكن التجمع في نظر بتلر ليس فقط فعلاً سياسيًا إنه كتابة جسدية في الفضاء تقول الأجساد حين تتجاور في الميدان شيئًا لا يمكن أن يُقال بالكلمات وحدها نحن هنا  رغماً عن الخطاب رغماً عن التعريف رغماً عن السلطة التي أرادتنا أفرادًا خائفين

رغم هذه القوة المفهومية تبقى الأعمال معرضة لتوتر فلسفي واضح
هل نحن محكومون دومًا بما يسبقنا؟

أين الحرية في هذه الميكانيكا النفسية والخطابية؟

بتلر لا تقدم إجابات سهلة ولا تكتب لتريح القارئ بل لتمنحه الشعور الأكثر صدقاً أن تفهم كيف تشكّلت هو بداية الخروج من القيد حتى لو لم تتمكن من كسره بالكامل.

ليس من المؤكد أن نكون كما نظن أننا نحن الذات كما تكشف بتلر ليست جوهراً بل أثر
أثر لنداء لجرح لسلطةٍ قيلت ذات يوم وظلت ترنُّ في آذاننا لكن في قدرة الجسد على التجمّع وفي قدرة الكلمة على أن تُعاد نُطقها يُفتَح الشقُّ الصغير في جدار العتمة وإذا لم تكن الحرية وعداً مؤكداً فربما كانت هذا الشق — الذي يُرينا  كلما رمشنا أننا لسنا تمامًا ما قيل لنا إننا نحن.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading