مقالات نقدية

قراءة نقدية لقصيدة عبث العابدين للشاعرة زينب التميمي بقلم الناقدة جليلة المازني

img 1713273425721

قراءة نقدية:”القصيدة بين الحقيقة والواقع”
القصيدة:(“عبث العابدين”نموذجا)
الشاعرة:زينب عبد الكريم التميمي (العراق).
الناقدة:جليلة المازني (تونس).
المقدمة:
نقلت لنا الشاعرة زينب التميمي في قصيدتها النثرية”عبث العابدين” مشهدا جمع بين عدة أطراف مختلفة تولي أولويتها الى مصالحها دون اكتراث بالدين ولا بالآخرين.
مَنْ هذه الاطراف المختلفة وفيم تمثلتْ مصالحها على حساب الدين والآخرين؟؟؟
القراءة النقدية: “القصيدة بين الحقيقة والواقع”
لقد اختارت الشاعرة عنوانا لقصيدتها”عبث العابدين”وهو مركب اضافي والمضاف والمضاف اليه مفردتان متنافرتان في الدلالة اذ لا يستقيم العبث مع العبادة. انها مفارقة عجيبة سنقف عليها شيئا فشيئا أثناء التحليل.
ان العنوان يحمل قيمة دلالية تُعينُ على الكشف عن طبيعة النص وتسهم في فكّ غموضه ..انه محتوى ُمصغر للنص فهو يشكل سلطة النص وواجهته الاعلامية.
فالعنوان عتبة تتصدّر العمل الادبي على صعيد التلقي البصري والايحاء الذهني السيميائي.ان العنوان بنية مختزلة شديدة الاقتصاد لغويا .
ترى عن أي عبث؟ وعن أي عابدين تتحدث الشاعرة؟
استهلت الشاعرة قصيدتها بجملة اسمية قدمت فيها الخبر على المبتدأ(أكذوبة)لابرازهذه الاكذوبة والتنديد بها فتقول الشاعرة:
“أكذوبة نحن زمن الاتباع.”
والاتباع هو اتباع الشرع واتباع ما جاء به الرسول من الاوامر والنواهي(1)
يقال له اتباع:لان الله قال:”اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء”[الاعراف:3].
تتحدث الشاعرة بصيغة المتكلم الجمع(نحن).انه شعور بالانتماءالى حضارة عربية اسلامية تقتضي اتباع الشرع واتباع ما جاء به الرسول من أوامر ونواهي لترسيخ قيم اسلامية قوامها الصدق في القول وتجنب الكذب والنفاق فالله “يعلم الجهر وما يخفى” والرسول كذلك نهى عن الكذب.
يقول الشيخ محمد ناصر الالباني:”اننا في هذا العصر بُلينا بفتاوى تخالف الكتاب والسنة واجماع الامة سلفا وخلفا.هؤلاء نحن مع الاسف لا نقيم لعلمهم وزْنًا لانهم لم يجروا في علمهم على أصول علم أنفسهم ولا على الكتاب والسنة ولو باصول من عندهم”
ان هدف المسلم هو اتباع الكتاب والسنة ان كان عالما فرَأسًا يأخذ بالكتاب والسنة وان كان غير عالم يسأل أهل العلم كما في الآية”فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون” (النحل-الآية43).
وقديما قالوا:”وكل خير في اتباع من سلف(السلف الصالح) وكل شر في ابتداع من خلف”
جمعت الشاعرة بين ضميرالمتكلم الجمع وضمير الغائب الجمع:
( علّمونا /طبعونا/ يبيعون).فالشاعرة تلمّح لمنْ؟
من نحن؟ من هم؟
كأني بالشاعرة تقف أمام مرآتيْن :مرآة ل :نحن ومرآة ل :هُم.
تولي الشاعرة أهمية للتعليم في ترسيخ وحدانية الله وفي تجريم التطبيع:

  • ان وحدانية الله تدعمها سورة الاخلاص(قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤ أحد)
    ومن الادلة العقلية على وحدانية الله قال تعالى:”قل لو كان معه آلهة كما يقولون اذا لابتغوا الى ذي العرش سبيلا”(الاسراء-الآية 42)
    فلو كان للانسان خالق غير الله لبعث اليه رُسُله:قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام)”واعلم يابنيّ أنه لو كان لربك شريك لأتتك رُسُله ولرأيت آثار مُلكه وسُلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه الاه واحد كما وصف نفسه لا يضادّه في ملكه أحد ولا يزول أبدا ولم يزل”(2).
  • تجريم التطبيع :يقصد بالتطبيع اقامة علاقات طبيعية مباشرة أو غير مباشرة مع اسرائيل وأجهزتها ومواطنيها.
    ويقصد باسرائيل الكيان الصهيوني المحتل والغاصب للاراضي الفلسطينية .وبالتالي يعدّ التطبيع جريمة موجبة للعقاب طبقا لمقتضيات الفصل59 من المجلة الجزائية الفصل (3) بتونس.
    لعل الشاعرة باستخدامها لضمير المتكلم الجمع(نحن) تقصد الشعوب العربية المسلمة التي تجعل من مقاصد التعليم ببرامجها وحدانية الله وتجريم التطبيع
    (انتصارا للقضية الفلسطينية)
    اما عن ضمير الغائب(هم) الذين يحرّفون كلام الله بالزيادة والنقص ليشتروا به
    ثمنا قليلا فهنا يحق عليهم الوعيد لانهم حرّفوا كلام الله من أجل ان يتوصلوا الى ما يريدون من أغراض الدنيا سواء كانت أموالا او جاها او غير ذلك.انهم تجار الدين او ما يسمّى اليوم ب”الاسلام السياسي”.
    يقول تعالى:”فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا”(البقرة79)
    ان تجّار الدين يلعبون على ذوي العقول البسيطة حين يضعونهم امام الدين فيخدرونهم بالدين لينالوا منهم مبتغاهم في دنياهم.
    وفي هذا الاطارقد يستحضر القارئ قولة “ماركس” بان “الدين أفيون الشعوب”
    ولعله يستحضر أيضا قول المعري الاديب “المتفلسف”:
    وما هذه المذاهب الا// لجلب الدنيا الى الرؤساء.
    === يتبع ====
    === يتبع ===
    وأكثر من ذلك فان الشاعرة تشير مستنكرة وبمرارة قائلة:”واليوم يبيعون الله”:
    ان الشاعرة ترى ان الدين أصبح بضاعة يباع ويشترى عند تجارالدين.
    انها “فرعونية البضاعة”حيث أصبح كل شيء يباع ويشترى فالاسلام هويتنا الدينية وكذلك الهوية الوطنية حين تباع السيادة بالتطبيع(طبّعونا)
    « C’est le fitichisme de la marchandise »
    ان المطبعين هم الذين باعوا سيادتهم الداخلية والخارجية من أجل مصالح مع أمريكا التي تعتبر اسرائيل ابنها المدلل.
    ان الشاعرة تسرّ الوجع ولا تخفي عنا صراعها الذي تعيشه بين الحقيقة والواقع بين الحقيقة والزيف :
    حقيقة الدين الذي تعلمته مع بقية الشعب بالمدرسة ومن العائلة وكرامة الشعب وسيادته في تجريم التطبيع.
    كاني بالشاعرة عندما تنظر في مرآة “هم” لا تعرف نفسها بل تجدها شخصا آخر غير الذي في مرأة “نحن”
    تقول الشاعرة:
    علّمونا ان لا نعرف غير الله.
    واليوم يبيعون الله.
    علّمونا ان لا ننجرف نحو التطبيع.
    واليوم طبّعونا.
    ومن هنا كان صراع الشعوب الذين أصْبحُوا لعبة بين أيدي رجال السياسة تجار الدين وبائعي السيادة الوطنية.
    ان زيف الساسة الذين زيّفوا التاريخ وطوّعوه لمصالحهم والتاريخ عادة يكتبه المنتصرون الذين بأيديهم السلطة وهذا تشكيك في مصداقية التاريخ حتى ان الشاعرة وباسلوب ساخر ومتهكم تقول:
    واليوم طبعونا بكتب التاريخ المزيّف
    وموروثات من طين
    لاسومر تعرفها
    ولا بابل.
    ان الشاعرة تنكر كتب التاريخ المزيف والموروثات الهشة(من طين)التي لا تعترف بها لا الحضارة السومرية ولا البابلية الخالدة.
    واكثر من ذلك فالشاعرة وهي تنظر في مرآة “هم”لا ترى الا شبح الموت يهدّد كل من حاد عن الساسة الظالمة .
    ولعل الشاعرة هنا تلمّح الى خنق حرّية التعبيرالتي تسلب الشعوب كرامتهم وتجعلهم تابعين للساسة ويصفقون لها .انها سياسة القطيع الذي يتبع الراعي والقطيع رعية وقد غاب عن هؤلاء الساسة العمل بحديث الرسول”كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته”.
    ومن لا يتبع القطيع مهدّد بالموت داخل البلاد اوخارجها(الهاربين من الظلم او المنفيين خارج البلاد او المهجّرين).
    تقول الشاعرة باستخدام نون المتكلم الجمع(نا) معتبرة نفسها مع ضحايا تجار الدين والسياسة :
    وفي زمن الموت لا ينجو أحد..
    أزاميلهم فوق رؤوسنا.
    دم نازف يصرخ
    لشهيد مات
    على حدود وطن
    وفي المقابل يعيش الساسة عابثين باموال الشعب بشهواتم من الخمر والنساء
    وهم يدوسون عن كل عبادة ولعل هذا ما جعل الشاعرة تختار عنوان قصيدتها
    “عبث العابدين”فتقول وهي تسرّ الوجع والألم:
    وهناك على مرأى الله
    لا تستحي كؤوسهم
    تنام رغدة شهواتهم.
    ان القصيدة قد جمعت بين الصور الشعرية والمشهدية ..انه زواج بين الجنس
    الادبي(الشعري) والجنس الفني (التشكيلي)ولعل القارئ قادر على رسم لوحة تشكيلية تكون كما يلي:
  • في وسطها :الشعب الثائر (رافع الايدي)
    -على اليمين:رمزلتجار الدين (صورة القرضاوي مثلا)
    -على اليسار: رمز لتجار السياسة(علم اسرائيل مشطوب بالاحمر مثلا).
  • من فوق : حمائم بيضاء ترفرف (الشهداء)
  • من تحت: الشعب الخاضع(مطأطئ الرأس)
  • استخدام الالوان :الاحمر(الشعب الثائر ودم الشهداء) /الاسود(ظلم تجار الدين والمطبعين) /الابيض (خلود الشهداء)/الرمادي(نفاق الشعب المتواطئ ).
    ان اللوحة التشكيلية بما هي ابداع بصري حسي لها الخصائص التالية (3):
    1-التركيب :ترتيب العناصر داخل اللوحة لخلق الانسجام والتوازن( الشعب الثائر/تجار الدين/ رمز اسرائيل (العلم)/حمائم بيضاء رمز الشهداء/ الشعب الخاضع).
    2- اللون:استخدام الالوان للتعبير عن الحالة المزاجية أو اثارة المشاعر/أوخلق التباين (الاحمر /الاسود / الابيض /الرمادي)
    3-الضوء:استخدام الضوء والظل لخلق العمق والحجم.
    4-الملمس:جودة سطح اللوحة.
    5-الشكل:التمثيل ثلاثي الابعاد.
    6-المنظور:التمثيل الدقيق للوحة( وسط/ يمين / يسار/ فوق/ تحت).
    7-العاطفة:قدرة اللوحة على اثارة المشاعرلدى المشاهد(الألم/الحزن/الفخر/السخرية /التنديد/ التعاطف..)
    8-المفهوم: الرسالة وراء اللوحة(التنديد بعبث العابدين و ضرورة الثورة ضدّهم)
    9-التقنية:مهارة الفنان في تطبيق الطلاء .
    10-الابداع: القدرة على انتاج شيء جديد ومبتكر.
    وبهكذا خيال ابداعي تكون الشاعرة زينب التميمي قد زاوجت في قصيدتها بين الشعري والتشكيلي وما في ذلك من ابتكار وتجديد.
    ان القارئ أيضا قد يستمتع بهذاالابداع فيُمسرحُه انطلاقا من شخصيات القصيدة ليجعلها شخوصا للمسرحية:تجار الدين/تجار السياسة/الشهداء/ الشعب المتواطئ/الشعب الثائر على عبث العابدين.
    ومن ثمّ يمكن الحديث عن زواج ثان بين القصيدة والمسرح.
    ان القصيدة قد تضمّنت أيضا كلّ مقوّمات السرد من اطار زمكاني وشخصيات وأحداث.
    كما تضمّنت أركان السرد من وصف وحوار ضمني وكامن في ضمير المتكلم(نحن). وهنا يمكن الحديث عن سردية القصيدة او ما يصطلح عليه بتسريد الشعر خاصة في قصيدة نثرية.
    === يتبع ====
    ==== يتبع====
    وفي هذا الاطار(زواج الشعري بالتشكيلي/زواج الشعري بالمسرحي/تسريد الشعري) فان الشاعرة قدكسرت تلك القطيعة بين الاجناس الادبية وانتهكت
    حرمة أفضلية جنس أدبي على جنس أدبي آخروهذا دليل على موسوعية ثقافة
    الشاعرة الادبية والفنية والتي أخذت من كل جنس أدبي وفنّي بطرف.
    ان الشاعرة قد سخّرت عدسة كاميرا شاعريتها لتنقل لنا مشاهد تثير فضول القارئ من خلال تلك الفجوات النصية والمقاطع النصية ليلعن الساسة ويثور
    دون استسلام ويحدوه التفاؤل للقضاء على “عبث العابدين” الذي أقضّ مضجع الشاعرة (وهي منضوية تحت نون المتكلم الجمع) ومضاجع الشعب الثائر مردّدا قول أبي القاسم الشابي :
    اذا الشعب يوما أراد الحياة//فلا بدّ أن يستجيب القدر.
    ولا بدّ لليل أن ينجلي// ولا بدّ للقيد أن ينكسر.
    الخاتمة:
    ان الشاعرة زينب التميمي قد رسمت لنا مشهدا جمع بين الحقيقة وزيف الواقع وهي في ذلك تندد بتجار الدين والمطبعين والساسة الفاسدين ولعلها من وجهة نظر سريالية تتوق من خلال ذلك الى رفض الواقع الأليم والموجود لتحقيق منشود يرتقي بالشعوب العربية الاسلامية..انه المنشود الذي قد تحققه شريحة
    من الشعب الثائر(الكامن في ضمير نحن) ضد عبث العابدين.
    شكرا للمبدعة زينب التميمي على عمق القصيدة وعلى قلمها الثائر والمتمرّد والذي جعلها لا تشبه الا نفسها.
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading