مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

المرأة بين الأمومة والأنوثة ومتغيرات العصر – تقديم ومتابعة: سعيدة شريف – كاتبة مغربية

مجموعة من النساء متنوعات في أسلوبهم ومظهرهم، بما في ذلك امرأة جالسة على كرسي متحرك، كلهن يرتدين ملابس عصرية وخلفية ملونة.

منذ منتصف القرن الماضي عرفت صورة المرأة كثيرًا من التحولات على المستوى الذاتي والمجتمعي، وذلك لاقتحامها الفضاء العام وانخراطها في سوق الشغل إلى جانب الرجل، كما ساهمت الحركات النسوية التحررية في إعادة الاعتبار للمرأة وللأدوار المجتمعية التي تقوم بها، واستعادتها لحقها في امتلاك ذاتها، وسعيها إلى تحقيق كل مطامحها وعلى رأسها المساواة بينها وبين الرجل، وهو ما أعاد طرح أسئلة المرأة والأسرة والمجتمع، واستدعى إعادة النظر في طبيعة الأدوار الأسرية بين الرجل والمرأة، وعلى رأسها دور الأمومة، الذي ظل لسنين طويلة حبيس إرث تقليدي يرهن وظيفة المرأة ويحصرها في مجرد رحم للولادة فحسب.

وبفضل تواتر العديد من الدراسات ونظريات التحليل النفسي، والاكتشافات العلمية الحديثة في طبيعة الإنسان، أُعِيدَ النظر في مفاهيم الأمومة والأنوثة والمؤسسة الأسرية نفسها، وتحديدًا منذ العبارة الشهيرة للفيلسوفة النسوية الوجودية الفرنسية سيمون دوبوفوار: «لا يولد المرء امرأة، وإنما يصبح كذلك»، التي خطتها في كتابها «الجنس الآخر» أو «الجنس الثاني»، الذي ما زال يعد إلى اليوم مرجعًا مهمًّا يُعتمَد عليه للرد على الآراء الدينية والشعبية التي تمجد الأمومة وتجعلها قدرًا حتميًّا للمرأة، والذي نجد صداه في الكتابات التي تواترت فيما بعد لكل من الباحثات الأجنبيات والعربيات.

فبقدر ما ساهمت هذه الدراسات الحديثة في تسليط الضوء على كثير من المتغيرات، وعلى إعادة النظر في كثير من القضايا الحساسة المتعلقة بالنساء، وخلخلت العديد من المفاهيم والتصورات المغلوطة حول الأمومة والأدوار التاريخية التقليدية التي فرضها منطق الذكورة، والتي بدأت تتهاوى مع خروج المرأة إلى سوق الشغل واكتسابها لنوع من الاستقلالية، بقدر ما قلبت كل المواضعات رأسًا على عقب، ودفعت برافضي هذا التغيير والمتشبثين بالقيم الأسرية وبالأدوار الطبيعية لكل من الرجل والمرأة، وبالقيم الدينية الأصيلة، إلى عدّ كل هذه المطالب تصفية للمؤسسة الأسرية وتجريدًا للمرأة من الأدوار التي خلقها الله من أجلها، ومجدها في كتابه الحكيم، وأعطى فيها الأم المكانة الفضلى وجعل برها من أصول الفضائل والإيمان. إضافة إلى أن هذا السعي المحموم لتحقيق تلك المساواة يرى فيه بعضٌ تراجعًا للمرأة عن أنوثتها وتحولها إلى «ذكر مشوه».

%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81 %D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF%D8%A9 %D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%81 3

الأمومة ومتغيرات العصر

من هنا فإن كثيرًا من المختصين يركزون على مفهوم «الأمومة»، ويرون فيه أحد العوامل الأساسية المساعدة على نهضة الأمم وتماسك مكوناتها المجتمعية، وذلك لما للأمومة «الحقيقية» أو «المثالية» من دور حيوي في التربية الصحيحة والمتوازنة، وإعطاء أجيال ناجحة قادرة على خدمة المجتمع والإنسانية جمعاء، لا أجيال مشوهة فاقدة للبوصلة حتى بالنسبة إلى الهوية الجنسية، بسبب الشذوذ الجنسي أو تغيير الجنس وما شابه ذلك من نزوعات، وهو ما يضيع على المجتمعات فرص التطور والارتقاء وتحلي أبنائها وبناتها بالقيم والأخلاق الحميدة، وما يفقد العائلات الاستقرار النفسي والعاطفي، ويخل بالتوازن الأسري المتعارف عليه.

غير أن حجم هذه المسؤولية والانتظارات الملقاة على عاتق الأمومة، جعل مجموعة من الباحثين والمحللين النفسانيين حتى النساء أنفسهن، يضجرن ويعانين ثِقلَ هذه المهمة الإنسانية، التي يصعب الموازنة بينها وبين أعباء العمل في العصر الحالي، وبخاصة أن نسبة كبيرة من النساء، وتحديدًا الأمهات، هن المعيل الرئيس للأسر، إما بسبب وفاة الزوج أو الطلاق وتخليه عن تحمل مسؤولياته، بما فيها عدم الاعتراف بالابن خارج إطار الزواج، وهو ما جعل عددًا من النساء العازبات يتحملن مسؤولياتهن ومسؤوليات أبنائهن. فكل هذه العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والتحولات المجتمعية الكبيرة وانخراط المرأة في سوق الشغل، خلخلت النموذج المثالي للأمومة وللأسرة، ودفعت بالمرأة إلى الانتقال طوعًا أو كرهًا من ربة للبيت ومدبرة لشؤونه إلى معيلة له وللأسرة كلها، كما استطاعت الأم، سواء كانت زوجة أو مطلقة أو أرملة، أن تحقق كثيرًا من النجاحات على المستوى الشخصي، حيث تمكنت من تحقيق ذاتها وتأمين نفسها من الاحتياج إلى الآخر، وعلى المستوى العام من خلال دورها في العمل ونجاحها في تقلد العديد من المناصب والقيام بكثير من المهام، ومن بينها المشاركة في العمل السياسي، والحضور الوازن في البرلمانات عبر العالم في العقدين الأخيرين، حيث وصلت مشاركة النساء في المجالس التشريعية بأنحاء العالم، كما أعلن عن ذلك الاتحاد البرلماني الدولي، إلى نسبة غير مسبوقة تبلغ 25.5%، أي ربع البرلمانيين في العالم، وبزيادة تقدر نسبتها بـ 0.6 % في عام 2020م، مع الإشارة إلى أن هناك ثلاث دول حققت التكافؤ بين الجنسين في التمثيل البرلماني وهي: رواندا، وكوبا، ودولة الإمارات العربية المتحدة.

%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81 %D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF%D8%A9 %D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%81 2

الأمومة والإنجاب

على الرغم من المكانة التقديسية التي حظيت بها الأمومة في جميع الديانات، والتي رفعت الأم إلى المراتب العليا، وبخاصة في الدين الإسلامي الذي منحها مكانة رفيعة، لما لها من دور وأثر كبير في بناء وسلامة الفرد من الناحية البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية، وبالتالي بناء المجتمع والحفاظ على النوع الإنساني من الانقراض والهلاك، فإن مجموعة من الدراسات الحديثة الغربية والعربية، قد رأت في المفهوم الذي يربط الأمومة بإنجاب الأطفال مفهومًا خاطئًا.

ومع تصاعد مد الحركات النسوية، وانخراط النساء في المطالبة بحقوقهن، المتمثلة أساسًا في المساواة مع الرجل، وانتزاع كثير من الحقوق التي تضمن للمرأة إنسانيتها وكرامتها في المجتمع مثلها مثل الرجل، انكبت العديد من الدراسات في علم النفس والتربية وعلم الاجتماع على الغوص في هذه التحولات التي تعيشها المرأة والتطورات والاكتشافات العلمية والنجاحات التي باتت تحققها، التي تفوق نظيرها الرجل في بعض الأحيان، على الرغم من الحيف الذي يطالها في الوصول إلى مناصب القرار في كثير من الدول، فمنها من ينظر إلى هذه التحولات والمتغيرات بعين الرضى، ويعدّها تطورًا منطقيًّا وتأكيدًا على أن المرأة أصبحت تحقق ذاتها وتكتسب صفات قوية وتتخلى عن دور المرأة الخانعة الراضية بنصيبها، والمضحية من أجل أبنائها وأسرتها فحسب، ويرى أن المرأة تصل للأمومة والأنوثة من دون تعقيد، لكن الحياة المفروضة على الأنثى قد تجعلها في أوقات كثيرة تهرب من أنوثتها أو تسعى لإخفائها لتشعر بنوع من الندية مع الرجل، الذي طالما احتقرت بسببه، وأحست بالدونية بسبب المخلفات الثقافية والدينية والتربوية والاجتماعية.

%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81 %D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF%D8%A9 %D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%81 4

ومن تلك الدراسات من ينظر إلى هذه الندية أو الطموح اللامتناهي للمرأة في الوصول إلى مرتبة الرجل نفسها، على نحو سلبي، ويرى فيها سببًا لإفراغ المرأة من أنوثتها، مؤكدين أن «التمييز الذي تعانيه المرأة قد دفع بها إلى السعي نحو تحقيق المساواة ووضعها أمام تحدي تحولها إلى ذكر مشوه»، داعين النساء والرجال إلى أن تُستبدَل بعلاقات التسلط علاقات التكامل من أجل تحقيق الأمن الأسري والعيش بسلام، وتربية أجيال متوازنة بإمكانها خدمة المجتمع بعيدًا من هذه الندية.

إن موضوع الأمومة والأنوثة موضوع شائك، لا يمكن تناوله من دون استحضار كل الإكراهات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسة والثقافية والدينية، بل حتى القيمية، ولهذا ارتأت مجلة «االفيصل» تسليط الضوء على هذا الموضوع ومقاربته من زوايا مختلفة.


الجانب الخفي من الحبل السُّري!
%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81 %D8%A7%D9%95%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%85 %D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%8A

إكرام‭ ‬البدوي‭ – ‬باحثة‭ ‬مصرية

الحبل السُّري هو ذلك الوسيط الخفي الذي يربط بين حياة الأم وحياة إنسان يخرج للعالم بواسطة رحم لا ينضب، ولن يكف عن الإتيان بفرص جديدة للحياة. بدّت الأمومة في معظم الخطابات كإطار مقدس يصعب اختراقه أو التحدث عنه بشكل موضوعي، حيث أجرت الثقافة السائدة تنميطًا شبه ثابت لصور الأنثى وأدوارها الاجتماعية، وعلى صعيد آخر، تبنت بعض الحركات النسوية الراديكالية رفض الأمومة وكأنها العبودية ذاتها.

وهذا ما ينقلنا إلى الوجه الآخر، أن النساء أنفسهن أحيانًا يشعرن بالعار إذا ما طالبن بحقوقٍ منفردة عن أمومتهن، نتيجة للمسؤولية شبه الكاملة التي تقع عليهن، فالأمومة هي تلك المهمة الشاهقة العظيمة في بناء الإنسان، وبناء إنسان يعني بناء أمة بأكملها. وأحيانًا ننتقي شعار الأمومة للتحدث عن بعض جوانب الخطابات المسكوت عنها، فمثلًا، من أين جاءت فكرة أن الأم هي المسؤولة الوحيدة عن الطفل بينما نجد أن النصوص الدينية لم تضع العبء على عاتقها كليًّا؟!

صورة لامرأة ذات شعر بني طويل وتبتسم، مع خلفية تحتوي على مكتبة أو رفوف للكتب.

سوزان مولر أوكين

طرحت «بيتي رولن» تساؤلًا صادمًا في سياق جدل الفكر النسوي الواسع قائلة: الأمومة.. ومن الذي يحتاج إليها؟ «فالبديهية التي ترى أن الأمومة غريزة، إنما هي أسطورة شائعة غير قابلة للاختيار؛ لأن الأمومة فكرة مؤسسة على الحاجة والأوهام النفعية، وهي فعالة من وجهة نظر المجتمع الذي سعى إلى تقويتها في نفس المرأة، فلا خيار لهن إلا تكييف أنفسهن مع الحاجة الجماعية التي حددت وظيفة نمطية للمرأة».

بينما ربطت المؤرخة الفرنسية «إيفون كنيبييلير» بين الهُوية الأنثوية والأمومة، فنقدت الفكرة الشائعة حول التعارض بينهما، فالأمومة ركن جوهري من أركان الهُويّة الأنثويّة، فهي حقيقة اجتماعية تنفرد بها المرأة، وإغفالها أو تجاهلها يؤدي إلى إغفال نصف وقائع الأمومة. ربما يكمن لب قضية الأنوثة في أن مشكلات المرأة وما جبلت عليه من أعراف مجتمعية جعلتها تنكر طبيعتها الأنثوية خلطًا منها بين طابعها الأنثوي ونظرة المجتمع إليها، فطالما كانت الثقافة هي التي تضفي المعاني على الأشياء رموزيًّا.

الأمومة والهوية الأنثوية

اقترحت (جوليا كريستيفا) ما يسمى بـ(الوله الأمومي) Maternal Passion وهو ذو دينامية داخلية، فالمرحلة الأولى من تشكّل هذا الوله تبدأ في مرحلة الحمل والمرحلة الأولى بعد الولادة، حين تكون العلاقة أم– طفل علاقة انصهارية لا يميّز فيها الطفل بين جسده وجسد الأم، ربما يكون وله الأم هو التولّع الوحيد الملموس، الذي يمكن اعتباره حقيقيًّا وغير خاضع للتلاعب والتشويه، وبذلك يشكل النموذج الأوليّ لعلاقة الحب. حيث تتألف هذه المرحلة من التوتّر القائم بين مشاعر تماهي بين الأم وطفلها من جهة، وضرورة فصل الطفل عن ذات الأم من جهة أخرى. فالأم هي حائط الدفاع الأول، حيث يكون لها التأثير الأكبر في تطوّر الطفل وحبّه لنفسه وقدرته على التفكير، والانخراط في النظام الاجتماعي الذي ينتمي إليه. وبناء عليه، فإن حب الأم هو مهد جميع العلاقات التي يمر بها الإنسان فيما بعد من حيث طبيعتها وماهيتها وعمقها، فغالبًا ما يحدث تقليد لا واعٍ أو إسقاط لوتيرة الحب ذاتها.

وحين تبدأ المرحلة التالية، من الرابطة الأمومية التي تتميّز بعملية فصل الطفل من ذات الأم، إذ لا بدّ أن ينفصل الطفل عن ذات الأم ليصبح ذاتًا مستقلة، حسب التحليل النفسي اللاكاني، فدخول الأب برمزيّته في مرحلة معيّنة من تطوّر العلاقة بين الأم وطفلها عامل مهم من العوامل التي تؤدّي لانفصال الطفل عن الأم وهو في علاقته الانصهارية معها. ومن هنا تظهر معقولية الزواج والهدف الأسمى منه، فهو ليس مجرد نزوات هوجاء تعبر برباط زواج موثق لتُضفي عليها القداسة، بل هو تعانق روحين وتماهي جسدين واتحاد قلبين، ومن ثمّ امرأة تخوض غمار الحياة بكل تعقيداتها مع شريك حقيقي، إذًا الشيء الوحيد الذي علينا أن نسعى لتغيره هو الوعي.

وفي هذا الصدد، طرح نيتشه أسئلة عدة لا بد أن يطرحها المرء على نفسه قبل أن يقرر الزواج حيث يقول: «أنت شاب وترغب لنفسك في زواج وبنين، لكني أسألك: هل أنت بالإنسان الذي يحق له أن يرغب لنفسه في ولد؟ هل أنت المنتصر على نفسك، المتملك بحواسك وسيد فضائلك؟ أم ترى الحيوان هو الذي يتكلم من خلال رغباتك؟ أم هي الوحدة؟ أم عدم رضى عن نفسك؟ أريد أن تكون حريتك هي التي تتوق إلى توليد معالم حيّة ينبغي أن تشيّد لانتصارك ولتحررك». يُقرّ الزواج بإقامة شراكة فعالة، ولذلك حين تقرر المرأة وشريكها خوض تجربة الأمومة لا بد أن تكون نابعة حقًّا من إرادة خالصة وحرية مسؤولة في الوقت ذاته. نظير ذلك، نوه (جون رولز) «على أهمية المؤسسات الأسرية واعتبارها منظومات تشريعية حيث أكد على أن العائلة جزء من بنية المجتمع، فهي إذًا، إحدى تلك المؤسسات التي من شأن مبادئ العدالة أن تنطبق عليها».

اللاتكافؤ بين المرأة والرجل

%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D8%B1 %D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%89

بيد أن الدور الأمومي لم يكن الدور الوحيد الذي يجب أن تقدمه المرأة للحياة بوصفها إنسانًا، فليس هناك إلا طريق واحد أمامها لتتمتع بالاستقلال الاقتصادي ألا وهو الانخراط في المجتمع والمشاركة في صنع القرار، ولكي تقوم بالدَّوْر الرِّيَادِي في تأهيل الأطفال تربويًّا من جهة، وتكون مبدعة في العالم الخارجي، من جهة أخرى، ظهرت ثمة فرضية تسعى لإعادة النظر في إعادة صياغة العالم الخاص (المنزل) بحيث «يتضمن تقاسم مسؤولية رعاية الأطفال والواجبات المنزلية، وفي هذا السياق سيكون الرجال والنساء، قادرين على دخول المجال العام دون خوف من أن تأتي فرص نجاحهم بالضرر على الأطفال». وهو ما سيتيح للمرأة الدخول الحر في المجال العام ومن ثم الاستقلال الاقتصادي. وعلى الرغم من تطور المفاهيم المجتمعية بدرجة كبيرة، فإن مبدأ اللاتكافؤ بين الرجل والمرأة داخل الأسرة ما زال متأصلًا في الوعي الجمعي لمجتمعاتنا.

وأخيرًا، فإن قطبي الصراع بين الراديكالية النسوية والثقافة الذكورية غالبًا ما يلاحقهن في معظم سلوكيات المجتمع بمفاهيمه غير الشمولية، فيصبحن هن الضحية. وفي أغلب الأحوال يتعامل العقل الجمعي مع أجسادهن وذواتهن بما يناهض فرادتهن وتجاربهن الإبداعية، وعلى رغم ما قاسته المرأة في رحلتها ما زالت تكتب قصة الحياة، وهذا ما تؤكده بعض الأخيولات الذكورية حول العودة إلى رحم الأم والانصهار معها من جديد كملاذ آمن من معاناة الحياة، وهو الأمر الذي يجعلنا نوقن بنهاية الجنس البشري إذا ما توقفت المرأة عن إنجاب الحب بل لظمأت القلوب، ولذلك قُدّر عليها الحب لتبقى الحياة.


قيمة‭ ‬الأمومة في‭ ‬المنظور‭ ‬القرآني‭ ‬والنبوي
%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81 %D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%86%D9%8A %D8%A8%D9%88%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A

التجاني‭ ‬بولعوالي – باحث مغربي

قبل المضي إلى الحديث عن قيمة الأمومة في المنظور القرآني والنبوي، لا مناص من تسليط الضوء في هذا التمهيد الموجز على طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام، ولا سيما أن مسألة «المساواة بين الرجل والمرأة» عادة ما توظف من جانب مختلف الدوائر الفكرية والسياسية الغربية، مثل: التيارات الشعبوية وأحزاب اليمين المتطرف ووسائل الإعلام المؤدلجة؛ للتشكيك في حقيقة الإسلام وشرعيته، ثم الإساءة إلى المسلمين. ولعل مردّ ذلك إلى التعاطي الأيديولوجي مع الإسلام بعيدًا من الاستيعاب الموضوعي خصوصًا للقضايا التي تبدو غريبة وإشكالية في الرؤية العلمانية والحداثية الغربية، مثل: الحجاب وتعدد الزوجات وإرث المرأة وغيرها. ثم لا ينبغي تجاهل وضعية المرأة السلبية في بعض المجتمعات المسلمة، الذي ترسخه سواء بعض الجماعات الدينية المتشددة أو التأثيرات الثقافية المنغلقة في فهم النص الديني الإسلامي (القرآن والحديث).

إن ما يلحق بالمرأة في بعض البلدان العربية والإسلامية من ظلم وتهميش واضطهاد لا يمكن تعليقه على مشجب الإسلام، بقدر ما يُفسّر من جهة بطبيعة الثقافة المحافظة والمنغلقة التي لا تزال تهيمن في بعض المجتمعات، حيث يُنظر إلى المرأة على أنها مجرد آلة لتفريخ الأطفال وتربيتهم من دون أن يكون لها أي رأي أو تأثير في أسرتها الخاصة أو في الحياة العامة، وهو ما أدى إلى ظهور آفات شاذة لا علاقة لها بالإسلام، مثل: حبس المرأة في المنزل، وختان البنات، وحرمان الإناث من حقهن في الإرث، وغيرها. ومن جهة أخرى يرى «بعض المتشددين» في المرأة مجرد أداة للمتعة، حيث تختزل المرأة في جسدها وجمالها دون الاهتمام برأيها ودورها الفعال في المجتمع. فإذا كانت الحالة الأولى ذات طبيعة ثقافية تتعلق بسياقات عربية وإسلامية معينة، فإن الحالة الثانية تنشأ نتيجة التأويل المسفّ لموقف الإسلام من المرأة عبر ليّ أعناق النصوص الدينية في انفصال عن معناها الأصلي ومقاصدها الحقيقية، ويبدو أن كلتا الحالتين لا تمُتّان بِصِلة إلى رؤية القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة إلى المرأة عامة والأم خاصة.

تمييز وظيفي لا تفاضلي

إن الخطاب القرآني واضح في العلاقة بين الرجل والمرأة، حيث إنهما متساويان في الحقوق والواجبات، فطبيعة العمل الذي يقدمه كل واحد منهما هو المعيار؛ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، (النساء 124)، ﴿وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ﴾، (البقرة 228). وأكثر من ذلك، فالرجل والمرأة متساويان في الكرامة؛ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، (الإسراء 70)، ولفظة بني آدم تشمل الرجل والمرأة على حد سواء.

والفرق الوحيد بين الرجل والمرأة في المنظور الإسلامي يتعلق بالوظائف الفطرية والجسدية والبيولوجية لكل واحد منهما، وما يتبع ذلك من وظائف اجتماعية وتربوية، وهو في الحقيقة ليس تمييزًا تفاضليًّا كما نلمس في بعض الأدبيات التقليدية، بل تمييز وظيفي بالدرجة الأولى لولاه لما تحقق التوازن في المجتمع الإنساني، حيث المرأة تفرّدت بوظيفة الأمومة التي لا تضاهيها وظيفة أخرى في الوجود، وقد جاء في الحكمة أنه «في اللحظة التي يولد فيها الطفل، تولد فيها الأم أيضًا. فهي لم تكن موجودة من قبل. كانت المرأة موجودة، لكن الأم، لا. إنها شيء جديد تمامًا».

%E2%80%8E%E2%81%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81 %D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%86%D9%8A %D8%A8%D9%88%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A%E2%81%A9 2

الأم لغةً واصطلاحًا وفقهًا

في الحقيقة، ليس هناك أعظم من هذا التكريم للمرأة بوظيفة الأمومة، التي تبوئها لأن تكون نبعًا للحياة الأسرية والاجتماعية، بل حتى دلالة لفظة «أم» في اللغة العربية تعني أصل كل شيء وعماده، و«كل شيء انضمت إليه أشياء، فهو أم لها»، كما ورد في لسان العرب. لذلك تطلق أم البشر على حواء، وأم الكتاب على سورة الفاتحة، وأم القرى على مكة المكرمة، وأم النجوم على المجرة، وتتطابق هذه الدلالة ولا سيما مع معنى الأم/ moeder في اللغة الهولندية التي تعني الوالدة والأصل.

وقد عرّف المعجم الوسيط مصطلح الأمومة بأنه «نظام تعلو فيه مكانة الأم على مكانة الأب في الحكم، ويرجع فيه إلى الأم في النسب والوراثة». وهذا يدل على مدى أفضلية الأم على الأب من حيث وظيفة الأمومة التي تتجاوز ما هو فطري وغريزي إلى ما هو قانوني وتشريعي، حيث لا يمكن ضبط النسب وثبت الوراثة إلا بالرجوع إلى الأم، وهذا دور عظيم في تحقيق العدالة والتوافق بين الناس، وخلق التوازن الضروري في المجتمع.

ويُميز الفقهاء بين ثلاثة أنماط من الأمهات؛ أولها الامّ النسبيّة أو البيولوجية التي تكون بينها وبين ولدها صلة الولادة والرضاعة والأمومة. ثم الأمّ الرضاعيّة التي ترضع طفلًا من حليبها، فيصير ابنًا لها بالرضاعة. وفي الأخير الأمّ بالتبجيل والتعظيم، مثل زوجات النبي اللواتي هن أمهات المؤمنين، كما ينص على ذلك القرآن الكريم في سورة الأحزاب، الآية 6: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.

الأم أعظم منزلة من الأب!

ذُكرت الأم 28 مرة في القرآن الكريم بمختلف الصيغ المفردة والجمعية، وفي شتى المقامات الدلالية والتاريخية، ومنها مقام الأمومة الذي أكّد عظمته وسموه الخالق سبحانه وتعالى، فقَرَنَ بر الوالدين؛ أمًّا وأبًا بعبادته وعدم الشرك به، غير أنه خصّ الأم أو الأمومة بما لم يخصّ به الأب أو الأبوة، كما هو جلي في الآيتين الكريمتين الآتيتين:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، (لقمان 14).

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، (الأحقاف 15).

Inside the Gender Jihad

انطلاقًا من هاتين الآيتين، وفي ضوء ما ورد بخصوصهما في كتب التفسير المتنوعة، يمكن أن نستجلي ثلاثة معانٍ. أولها ذو طابع معياري وأخلاقي يحيل على ترسيخ قيمة الوالدين عامة والأم خاصة في المنظور الإسلامي، حيث الإحسان إليهما ورعايتهما والعناية بهما أمر واجب وإلزامي بالنص القرآني والحديثي أيضًا. وثانيهما ذو ملمح وظيفي حيث ينتقل الخطاب في الآيتين من العام المتعلق بالوالدين إلى الخاص المرتبط بالأم التي أنيطت بوظائف الحمل والوضع والرضاعة التي لا تضارعها وظائف أخرى في الحياة من حيث صعوبتها وتعسرها ومشقتها. وثالثها ذو طابع مقاصدي عام يكشف عن التكريم العظيم الذي تحظى به المرأة عامة في القرآن الكريم، ويقطع مع الوضعية المتردية التي كانت عليها المرأة سواء في جاهلية العرب أو لدى الأمم الأخرى المجاورة مثل: الفرس والروم والمصريين واليونان، كما يخلخل الدعاوى الشعبوية والعلمانية المعاصرة التي تحاول الإساءة إلى الإسلام والمسلمين عبر موضوع المرأة.

وقد جاءت السنة النبوية لتؤكد هذه النظرة القرآنية الإيجابية إلى الأم في مختلف الأحاديث، ونقتبس هنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي قال فيه: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: مَن أَحَقُّ الناسِ بحُسنِ صحابتي؟ قال «أمُّك» قال: ثم من؟ قال «ثم أمُّكَ» قال: ثم من؟ قال «ثم أمُّكَ» قال: ثم من؟ قال «ثم أبوك». وهذا يعني أن الأمومة أسمى مرتبة من الأبوة، وإذا قمنا بتفسيرها رياضيًّا وحسابيًّا نجد أن للأم الحق في 75% من الصحبة الحسنة، بينما لا يحظى الأب إلا بـ 25%! وهذا ما يؤكده أيضًا حديث آخر ورد فيه أن رجلًا جاء يستشير الرسول ﷺ للمشاركة في غزوة، فقال له: هل لك من أمٍّ، قال الرجل: نعم، قال الرسول ﷺ: فالزَمْها فإنَّ الجنَّةَ عند رِجلِها. ونستنبط من هذا الحديث أنه كما أن ثواب الجهاد في سبيل الله هو الجنة، فإن ثواب رعاية الوالدين عامة والأم خاصة هو الجنة أيضًا.

نخلص مما سبق إلى أن الإسلام قرآنًا وسنةً كرّم المرأة عامة والأم خاصة أيما تكريم، وهذا ما تؤكده عشرات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهو ما شكّل قطيعة مع الوضعية المزرية القديمة التي كانت عليها، سواء المرأة العربية في الجاهلية أو قريناتها في المجتمعات المحاذية لشبه الجزيرة العربية. بل إن هذا التعاطي الإسلامي الإيجابي المبكر مع مسألة المرأة يتعارض مع ما هي عليه المرأة اليوم بعض المجتمعات المسلمة، حيث تهضم حقوقها، إما جراء التأثيرات الثقافية والإثنية السلبية أو نتيجة التأويلات المسفّة للنصوص الدينية الإسلامية. ثم إنه من شأن هذه الرؤية الإسلامية بخصوص المرأة، التي كانت «تقدمية» وما زالت، أن تُفحم التيارات الشعبوية والأيديولوجية التي تتخذ موضوع المرأة مطية للضرب في الإسلام والإساءة إلى المسلمين.


الأمومة‭ ‬والبحث عن‭ ‬هوية‭ ‬للآباء
%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81 %D8%A8%D8%AB%D9%8A%D9%86%D8%A9 %D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF

بثينة‭ ‬محمد‭ – ‬كاتبة‭ ‬سعودية

منذ أشهر، رُزِق زميل لي في العشرين من عمره بمولودتين توأمين. ومنذ ذلك الحين وهو لا يغمض له جفن، فبين التناوب على الاهتمام بالطفلتين، والمساعدة في أعمال المنزل، والعمل في وظيفة، لا يستطيع الإنسان -أي إنسان- إلا التضحية بالنوم. ألاحظ في الحقيقة أنّ الحصول على قسط كافٍ من النوم ليس ميزة يحظى بها الآباء مهما شاع عنهم خلاف ذلك. فمنذ أن يعرف الأب بحمل زوجته ينخرط في الحسابات، ويغير طريقة الإنفاق التي اعتاد عليها قبل هذه اللحظة الفارقة، ويبدأ في مراقبة الأطفال مع أهاليهم في الأماكن العامة، ويتساءل ما إذا كان سيصبح أبًا صالحًا أم لا. سيبدأ، ربما، في محاسبة الآباء الآخرين الذين ينهرون أطفالهم، وينتقد من يتضجر منهم. بعضهم قد يقع في براثن الخوف من الفشل ويتصرف بتوتر طوال اليوم وكل يوم.

قد يبدأ في قراءة كتب التربية، ويفكر في الانتقال إلى سكن أوسع. سيبدأ في التخطيط لتأثيث غرفة الطفل، وستلفت انتباهه ملابس الأطفال في واجهة المحلات. سيتوقف مليًّا أمام الأحذية والجوارب الصغيرة ويشعر بالتأثر والرغبة في البكاء. وربما سيشعر بالرغبة في تناول المزيد من الطعام، وسيشتهي أنواعًا معينة ويكره أخرى. سيلحظ زيادة في الوزن لا يعرف سببها، وسيشعر بالخمول المفاجئ، وبعصبية غير مبررة. سيتعلم إعداد زجاجات الحليب، وأسرع طريقة لتهدئة الطفل لينام، وأفضل نوع حفاضات لبشرة الأطفال. وقبل أن يدرك ما الذي حدث، سيشعر أنّه فقد جزءًا مهمًّا من هويته الفردية كرجل ويقع في صراع الاختيار والموازنة بين ما يعرفه عن نفسه سابقًا كرجل وما هو بحاجة إليه الآن للتصرف كأب.

هل يستشعر القارئ مبالغة في الوصف أو يؤكد صحتَه كجزء من رحلة التحول من رجل إلى أب؟

التحول الأكثر وضوحًا

هذا التحول لا يمسّ المرأة وحدها، بل يبدو ظاهرًا أكثر عليها بسبب تجربة الحمل والولادة. وهذا قد يتسبب في إهمال التحول الذي يطرأ على الرجل خلال الحمل والولادة وخلال نمو الأطفال، أو يختار بعضٌ تهميشه مقارنة بالآلام والمشاق الخاصة بالمرأة. لكن هذا لا يعني أن التحول ليس مهمًّا للطرفين، بل يعني أنّ الضوء مسلط على تحول هوية المرأة إلى أم لأنه التحول الأكثر وضوحًا.

وربما أسهم في تهميش الرحلة النفسية للتحول إلى أب ما فرضته الحياة الاجتماعية فيما مضى بخلفيتها الاقتصادية على الزوجين في كيفية عيش الحياة. فلما كان الاقتصاد قائمًا على عمل الرجل، كان أمرًا بديهيًّا أن يتولى مهام الكسب في مجملها وبالتالي يحظى بالمكانة الاجتماعية، ويتحمل توقعات غير واقعية لسلوكه المحاط بهالة من التعظيم مقابل خسارة التعاطف مع إمكانياته وسيكولوجيته كإنسان. فالرجل في الموروث الاجتماعي أقرب إلى القداسة لكونه العائل ماديًّا والمسؤول عن الحماية لتولي المرأة مسؤولية التربية والانشغال بالإدارة داخل المنزل. وإن كان للمرأة في الماضي دور لا غنى عنه في إعالة العائلة فهو دور مسكوت عنه؛ لأنه الأقل وضوحًا في الصورة العامة للحياة الاجتماعية.

وبما أنّ أي تغيير في الإطار الاجتماعي للعلاقات الإنسانية يرتبط بشكل وثيق بالبنية الاقتصادية للمجتمع، فالمشاهدات الملاحظة الآن من إشراك الرجل بنسبة أكبر في عملية التربية أو تدبير شؤون المنزل لهي دلالة لإشراك المرأة بنسبة أكبر في التنمية الاقتصادية. وهذا في حد ذاته تطور استلزم ردحًا من الزمن والمفاوضات على مستوى العالم لتحظى المرأة بحق الاختيار للوسائل والسبل التي تعينها على العيش، سواء بالاستمرار في الشكل التقليدي السائد بتولي دور التربية وحدها والاعتماد المادي على الرجل، أو بمشاركة الواجبات بينها وبين الرجل في التربية والكسب على حد سواء.

تأسيس العائلة

قد يشعر الرجل أن المجتمع المعاصر يتوقع منه التنازل عن نسبة من رجولته ليتكيف مع الشكل الجديد للمجتمع، ويغيب عن ذهنه أن ما تغير هو الميكانيكية الاقتصادية للمجتمع وليست الهوية الجندرية للرجل والمرأة. فرحلة التحول في الهوية الملازمة للإنجاب ما زالت تحدث للطرفين إلا أن أبعادها صارت أكثر تعقيدًا. فهو الآن يحظى بأهمية كبرى في تأسيس العائلة داخل المنزل، كما تحظى المرأة بأهمية كبرى في تأسيس المجتمع. وهذا الاتجاه لموازنة المسؤوليات وثقلها بين الطرفين كنتيجة لمنح المرأة حقوقًا اجتماعية وواجبات اقتصادية مساوية للرجل، تدعو في حقيقتها لإعادة النظر إلى الرجل كإنسان يشعر ويتعب ويمرض ويبدي ردود أفعال تجاه تحولات الحياة، بعد أن كان تمثالًا مهيبًا يكدّ ويشقى لتوفير الحياة الكريمة، وتهتز أركان المنزل إذا لم يستطع لسبب أو لآخر الوفاء ببعض واجباته.

وقد يكون ما يحتاجه الرجل الآن هو الاستفادة من هذه الفرصة ليتحرر من ثقل القداسة، ويبدأ في تأسيس قيمة حقيقية لنفسه تحظى بما يستحق من تعاطف، وتلازمها توقعات واقعية أكثر تساعده على خوض التجارب الإنسانية بوعي أكثر عمقًا وتصالح أكثر مع شريكته في الحياة.


الأمومة: حق‭ ‬واختيار مقاربة‭ ‬سيكواجتماعية
%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81 %D8%AE%D9%84%D9%88%D8%AF %D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%B9%D9%8A

خلود‭ ‬السباعي‭ – ‬باحثة‭ ‬مغربية

عرفت أوضاع النساء في السنوات الأخيرة تحولات مهمة غيرت من ظروف عيشهن كما غيرت من علاقتهن بذواتهن، وأساليب تحقيقهن لوجودهن وتعيينهن لهويتهن، ومن بين أبرز المؤشرات الدالة على ذلك، علاقتهن بالأمومة. فبعد أن كانت الأمومة محددًا أساسيًّا لهوية النساء، ومرادفًا أساسيًّا للأنوثة وصورة الجسد، أصبحت اليوم بفعل التحولات الاجتماعية وتطور تقنيات الإنجاب، موضع اختيار وقرارًا شخصيًّا بالنسبة إلى عدد مهم منهن. إلا أن السؤال الذي يطرح هو، ما أبعاد ودلالات هذه التحولات؟ هل يتعلق الأمر باختيار حر أم باستلاب وعنف ضد الحق في الأمومة؟

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading