الهايكو: بين حزن الفناء وبهجة الوجود✍تغريد نديم عمران

يرى بعض الباحثين في شؤون الهايكو أنه – في عمقه – لا يخرج عن التعبير عن حقيقتين متلازمتين في التجربة البشرية. #الأولى هي حزن الإنسان الهادئ أمام حتمية زواله… ليس حزنًا صاخباً ولا مأساوياً، بل حزنٌ رصين يتسم بالقبول.
ومن أجمل ما يجسد هذا المعنى قول الشاعر ديمتري افيرينوس:
وهي تصلي عند القبر
لامستْ ضفيرتُها
العشب الندي
في هذا الهايكو تتجاور إشارتان متقابلتان: القبر بوصفه رمزًا للنهاية، والعشب الندي بوصفه علامة حياة متجددة. الضفيرة التي تلامس الندى تربط الجسد الحي بالأرض التي تضمّ الراحلين، فينشأ شعور هادئ بأن الموت ليس قطيعة مطلقة، بل امتداد داخل دورة الطبيعة. الحزن هنا شفيف، لا صراخ فيه، وكأنه صلاة أخرى موازية للصلاة المعلنة.
ويقترب من هذا الإحساس، ولكن بنبرة أكثر شفافية وتأملًا، هايكو الشاعر بكاي كطباش:
فُقاعة الصابون
ببطءٍ، ببطءٍ تنحدر
نحو التلاشي
الفقاعة في جمالها الهش تختصر الوجود الإنساني كله: لحظة لمعان قصيرة تسبق الاختفاء. التكرار في كلمة “ببطء” يمدّ الزمن، كأن الشاعر يدعونا إلى تأمل لحظة الزوال بدل الهروب منها. هنا لا يبدو التلاشي مأساة، بل قانونا طبيعيا يُرى بصفاء.
ويقترب من هذا الإحساس أيضاً هايكو الشاعر أسامة أسعد:
لو كان لي جناحان
لرحلتُ أيضاً
يا سنونوة
بنية النص ايجيبوتسو و الكيغو هو الربيع و كأن الشاعر يقول : ما أحزنني وسط هذا الربيع .
التمني بامتلاك جناحين يكشف وعياً خفياً بحدود الإنسان؛الذي يغبط الطيور على قدرتها على التحليق و المضي حيث تشاء. في هذا التطلع مسحة شجن رقيق،سببه إدراك المسافة بين الرغبة والإمكانية.
أما الحقيقة الثانية فهي الامتنان العميق لهبة الحياة. فالهايكو، رغم إدراكه لحدود الوجود، لا يغرق في العدمية، بل يحتفي باللحظة العابرة احتفاءً صامتاً.
نلمس هذا المعنى في هايكو الشاعر علي القيسي:
مخاض؛
الزهرة التي تتفتح
غارقة بالندى
المخاض لحظة ألم وولادة في آنٍ واحد، والزهرة المتفتحة صورة اكتمال بعد عناء. أما الندى فيمنح المشهد طراوة البداية ونقاءها. إنه احتفال خفي بانبثاق الحياة، حيث يتحول الألم إلى جمال، والانتظار إلى تفتح.
ويتجلى هذا الفيض الحيوي بوضوح في هايكو بكاي كطباش:
زهرة بعد زهرة
تمتلئ الأغصان
بالنحلات
المشهد هنا مفعم بالحركة والتكاثر؛ الزهور تتوالى، والنحل يتجمع، والطبيعة تعمل في صمت لإدامة الحياة. إنه تصوير لدينامية الوجود، حيث لا شيء ساكن، وكل عنصر يسهم في استمرار الدورة الكبرى. البهجة لا تُقال صراحة، لكنها تتولد من الإحساس بالخصب والامتلاء.
ونلمس هذا الاحتفاء بالحياة كذلك في هايكو الشاعر شفيق درويش:
شلالات نياجارا
الماء يستمر
بالسقوط
قد يبدو المشهد بسيطاً، لكنه يحمل إحساساُ بالقوة والاستمرار. فالماء لا يتوقف، والحركة لا تنقطع، كأن الحياة نفسها تتجدد بلا كلل. أمام هذا التدفق الهائل يشعر القارئ بنوع من الامتنان الخفي لكونه شاهداً على هذا الامتلاء الكوني.
غير أن الهايكو الفذ هو الذي لا يكتفي بالتعبير عن أحد هذين البعدين، بل يجمعهما في لحظة واحدة، وبالقوة ذاتها. ويتجلى هذا التوازن بوضوح في نص آخر لشفيق درويش:
مختبر الأحياء الدقيقة –
بارد وصامت
هذا الجليد
المختبر مكان مكرّس لدراسة الحياة في أدق أشكالها، لكن الصورة التي تواجهنا هي البرودة والصمت والجليد. هنا تتجاور الحياة مع ما يشبه السكون النهائي. فالعلم يسعى إلى فهم الكائنات الحية، غير أن المشهد مغمور بإحساس عزلة يكاد يكون وجودياً. إننا أمام مفارقة دقيقة: البحث عن الحياة داخل فضاء يوحي بالتجمّد. وهكذا يحضر الامتنان لمعجزة الحياة ضمناً، لكن عبر وعي هشاشتها وإمكان انطفائها.
تعود هذه الرؤية المزدوجة إلى الخلفية الروحية التي نشأ فيها الهايكو، ولا سيما تأثره برؤى ترى العالم في حالة تغير دائم، وتدعو إلى يقظة كاملة تجاه اللحظة الحاضرة. فالإقامة في “الآن” تعني الاعتراف بأن كل شيء عابر، لكنها تعني أيضاً الانفتاح على امتلاء التجربة.
في النهاية، يمكن النظر إلى الهايكو بوصفه تمريناً على رؤية العالم بعين مزدوجة: عين تدرك أن كل شيء إلى زوال، وأخرى تندهش لأن كل شيء موجود الآن. وبين هاتين العينين تولد الحكمة الشعرية. فالإنسان لا يصير أكثر إنسانية حين يختار بين الحزن والفرح، بل حين يتعلم أن يحتملهما معاً.





