قانون ماعت – محمد فتحي السباعي

قانون ماعت… فجر الضمير وروح مصر الخالدة ٤٢ قانونا يتلوها الميت فى العالم الأخر تمثل نبع الأديان والأخلاق
وموسوعة سليم حسن… أيقونة الكنانة الخالدة
لم تكن مصر القديمة مجرد حضارة من حجرٍ ونقوشٍ صامتة، بل كانت حضارة ضميرٍ وإنسانيةٍ وعدالةٍ روحية.
ومن بين أجنحة التاريخ، ترفرف “ماعت”، الإلهة التي جسّدت عند المصريين الحقّ والنظام والعدل والصدق.
لقد آمن المصري القديم بأن الكون لا يقوم إلا على ميزانٍ دقيق، هو ميزان ماعت، الذي يُحاكَم فيه القلب أمام ريشة الحقّ في العالم الآخر.
ومن هذا المفهوم العميق، بزغ فجر الضمير الإنساني الأول، الذي سبق الشرائع المكتوبة بألفياتٍ من السنين.
كانت ماعت رمزًا للاتزان بين الخير والشر، بين القول والفعل، بين الحاكم والمحكوم.
لم تكن قانونًا جامدًا، بل قيمة أخلاقية شاملة؛ من يعيش وفقها يعيش في انسجامٍ مع الكون، ومن يخالفها يختل توازنه وتختل الحياة من حوله.
هكذا كانت مصر، روح العدالة الأولى، ومهد القوانين السماوية في صورتها الأرضية.
وفي العصر الحديث، نهض الدكتور سليم حسن (1893–1961م)، ليعيد إلى الوعي المصري والعالمي ذلك الوجه المشرق من تراثنا الخالد.
كان عالمًا فذًّا في علم المصريات، وصاحب “موسوعة مصر القديمة” التي تعدّ من أضخم وأعمق ما كُتب في تاريخ الحضارة المصرية بلغةٍ عربية علميةٍ راقية.
لم يكتفِ سليم حسن بالبحث والتنقيب عن الآثار، بل كشف عن فلسفة الحياة المصرية القديمة، وربط بين النصوص الدينية والأخلاقية وبين القيم الإنسانية التي ما زالت حية في وجدان المصري حتى اليوم.
في مؤلفاته نرى أن ماعت ليست مجرد أسطورة، بل نظام حياةٍ متكامل قام عليه المجتمع المصري عبر آلاف السنين:
الصدق في القول، الإخلاص في العمل، احترام القانون، تقديس الحقّ، الرحمة بالضعيف، والإيمان بأن العدل أساس الملك.
ومن خلال رؤيته العميقة، بيّن سليم حسن أن الضمير الإنساني العالمي قد وُلِد على ضفاف النيل، حيث عاشت مصر دائمًا وهي تضع قلبها في كفةٍ وريشةَ ماعت في الكفة الأخرى.
لقد جسّد قانون ماعت أسمى ما وصلت إليه الحضارة من أخلاقٍ وعدالة،
وجسّد سليم حسن أمانة الباحث الذي حمل شعلة هذا القانون من عمق التاريخ إلى حاضر الأمة.
فماعت كانت الميزان الأول، وسليم حسن كان الشارح الأمين له، وكلاهما يرمزان إلى روح مصر التي لا تموت:
روح العدل والنور والحقّ والضمير.
قانون ماعت هو أول إعلان إنساني للضمير والعدل في التاريخ،
وسليم حسن هو المُعيد لقراءة هذا الضمير في ضوء العلم والعقل،
لتظل مصر، كما كانت دومًا، أيقونة الإنسانية ومهد العدالة الأزلية.





