عنقود الأخشاب -رانيا أقلعي

كان آسر يقف أمام لوحته الأخيرة، ريشته تجفّ في يده كغصن يابس… الغرفة تضج بصمت ثقيل، صمت يشبه “مطر القطرات” التي لا يسمعها سواه، اللوحة لم تكن مجرد ألوان، كانت عاصفة من الخوالج تتوسطها حمامة بجناح مكسور، يغيم فوقها سديم رمادي، وكأنها تشتهي غيثا يعيد لها القدرة على التحليق.
في زاوية المرسم، كان هناك قفص حقيقي، بابه مفتوح على مصراعيه، لكن اليمام القابع فيه لا يتحرك، كان “الوحل المترصب” في قاعه يحكي قصة قيد لم يعد معدنيا، بل أصبح جزءا من الكيان.
صدح صوت مسجل قديم بألحان تعزف الذكريات، لكن الشدو كان جائرا، يحرث في جراح آسر ولا يواسيها.
نظر إلى يده، كانت ملطخة بـعنقود أخضاب أحمر قان، لم يدر هل هو طلاء سقط منه، أم نزيف من روحه الهشيشة.
فجأة، بدأت الجدران تضيق، شعر آسر باستفهام مر يعلق في زوره، يمنعه من التنفس، لماذا لا يطير اليمام والباب مفتوح؟ سأل نفسه، ليرتطم بعلامة تعجب، وقفت حائلا بين أفكاره، تهدم جبال المعتقدات التي بناها لسنوات حول الحرية.
أدرك في تلك اللحظة أن الذات لم تطر لأن الكبت أصبح هو اللبنة التي تبني كيانه، حاول أن يرمم جناح الحمامة في اللوحة، لكنه وجد نفسه كفزاعة ألبستها الرياح مخلفات التراب، تهوي وسط ركام من المتلاشيات النفسية.
في ذروة الهذيان، لم يجد آسر رحمة إلا في تلك الجدران التي كان يظنها سجنا، بدأ يقرأ لغة الخلوة التي تترجمها الأمواج المتلاطمة في خياله، كانت شمسه معجمة لا تبين، لكن الظلمة كانت ملهمة، تمنحه الوضوح الذي عجز عنه الضوء.
بيد ترتجف، لم يخرج آسر إلى الضوء، بل تراجع إلى الخلف، وبدلا من تحرير اليمام، اقترب من الباب وبسط يده ليغلقه بقوة، سقطت اللوحة، وتناثرت الألوان كدماء باردة.
أغلق الباب على نفسه، وعلى ذكرياته، وعلى أمنياته غزيرة الإملاق، ورغم أن الباب أُقفل، إلا أن الجراح ظلت مشرعة، تنزف صمتا في عتمة المرسم الذي صار وطنا أبديا.




