طقوس الموت في الثقافة السودانية/صابر هارون محمد

تختلف مفاهيم الموت وطقوسه عند الإنسان باختلاف الثقافة التي يعيش في ظلها. والصحيح أن الموت حدث إنساني عام ينطبق على جميع البشر، غير أن ردود الفعل إزاءه تختلف من ثقافة لأخرى، وداخل الثقافة نفسها تختلف من حقبة تاريخية لأخرى. فظاهرة الموت لم تتغير منذ أن وُجد الإنسان على الأرض، إنما الذي تغير هو الوعي بالموت.
مفاهيم وطقوس الموت في السودان
قضية البحث في الخلود تغلغلت في الوعي السوداني منذ عصور ضاربة في القدم. فقد كان أهل حضارة النوبة في شمال السودان يعتقدون أن الروح تعود إلى الجسد الميت من حين لآخر. وكان الميت يوضع على سرير من الخشب والجلد، وتوجد في القبر أماكن لإقامة الطقوس الدينية للميت.
وملحوظ أن سرير الخشب المصنوع من الجلد عادة موجودة في كل أنحاء السودان لدفن الموتى، لكنها تطورت من سرير مصنوع من الحبال. وكانت طريقة الدفن عندهم تتم بوضع الميت في حفرة بيضاوية أو مستطيلة.
كما توجد مقابر في عصر مملكة كرمة، وفي غرب السودان مقابر “أوي” في سلطنة دارفور. ويُضاف لتلك الحفرة حفرة أخرى بجانبها، ويتم الدفن على عمق قد يبلغ قرابة المتر والنصف. ويرقد الميت في وضعية القرفصاء. وهذه الوضعية قديمة وُجدت في مقابر الحضور القديمة في السودان، حيث يرقد الميت على جانبه الأيمن، على أن يكون الرأس في الناحية الشرقية، اتجاه شروق الشمس، رمزاً للبحث عن الحياة في ديانات تلك الفترة. وترمز وضعية القرفصاء التي تشبه وضعية الجنين في الرحم إلى أن النوم هو الصورة الثانية للموت.
وفي حضارة كرمة تعتمد ضخامة القبر على المكانة الاجتماعية للميت. ويدفن صاحب القبر على سرير من الخشب، وتوجد في القبر أماكن لإقامة الطقوس، مثل صلاة الجنازة وذبح البهيمة وتسمى “كرامة للميت”. ويأكل الناس بعد دفن الميت ويشربون الشاي. ومن العادة أن يُكتب اسم الميت على القبر، فقد وُجدت أسماء: كاشتا، وبعانخي، وشبكو، والملك سنا كامن، بين أنقاض المدينة الملكية.
الموت في اللهجة السودانية
تعدد أسماء الموت تحت مظلة الثقافة. فكثرة الأسماء تدل على عظمة المسمى:
. *اتوفى*: وتُستخدم غالباً في حالة الاحترام أو في السياق الديني تجاه الميت.
. *ولدت ورجعت إلى الوراء*: تُستخدم للأطفال كنوع من التلطيف.
. *جاتو المنية*: تعبير شعبي بمعنى “أتاه الموت”.
. *جاهو النحب*: تعبير شعبي قديم بمعنى “أتاه الموت”.
الاستجابة الشخصية المقهورة وطقوسها
حزننا حاد عند مواجهة الموت، واستجابتنا بالبكاء على الميت عميقة وقوية الشدة. فقسوة الطبيعة وصعوبة الحياة ومرارتها: المجاعات والحروب والأوبئة والاستبداد والغزوات والاستعمار والقهر السلطوي، كل هذا يخلق في ثقافاتنا شخصيات مقهورة. وفي مواجهة تكرار الأحزان لابد من تفتيش وتفريغ مخزون الحزن والإحباط في طقس أو موقف مقبول اجتماعياً، وهو “المأتم” الذي نجد فيه السند الاجتماعي الآخر.
أما البكاء فيختلف من وسط السودان إلى شماله وغربه. فالبكاء هو التجمع في بيت الميت، ولكن في الوسط ليس بصوت عالٍ. أما في شمال السودان فلديهم البكاء بصوت مرتفع. وفي جبال النوبة توجد رقصة الموت الوثنية التي ما زالت تُمارس عند قبيلة اللاتوكا في الجنوب، وعند النوبة في غرب السودان.
ويعقب ذلك طقس “المناحة” وهو النواح، أي البكاء بصوت مرتفع مع ضرب “القرع” أو “القدح” داخل إناء ممتلئ بالماء، ويصاحب ذلك ترديد لون من الشعر يُسمى “المناحة” وهو ما كان من القول في تعداد محاسن الميت.
والمرأة في قبائل شمال كردفان والعديد من القبائل الأخرى لها زي خاص كجزء من طقوس الحداد، فمن أفعالها أن تنام على “برش” أو “عنقريب” من الخشب مقلوب، وفي بعض الأحيان على عنقريب مصنوع من الجلد والهيكل من الخشب.
وتُعد “يوم البرودة” طقساً حيث يغتسل الناس بالماء إشارة إلى انقضاء المأتم. وبعد دفن الميت، عادة في اليوم الثالث، يتجمع الناس فيما يسمى “الصدقة” أو “كرامة الثالث”. وفي اليوم السابع أيضاً “رفع الفراش”. وفي الأربعين يتجمع الناس فيما يسمى “الأربعين”.
وقد انتقلت إلينا عادة ذكرى الأربعين للميت من أسطورة أوزوريس، إذ قام أخوه “ست” بحقد عليه وقتله ووزع جثته إلى أربعين جزءاً وطرح أشلاءه في أقاليم مصر، وكان عددها في ذلك الوقت أربعين مقاطعة. وقد قامت زوجة أوزوريس بتجميع أشلائه ودفنه مؤقتاً لتبعثه عقبها مباشرة، وهي عقيدة البعث والخلود. وصار بعدها إلهاً للموت، وقد أُقيم له أربعون قبراً لكل جزء من جسمه.
وفي طقس “الريق” عند قبائل شمال كردفان والفور، يُجدل جزء من شعر المرأة التي مات زوجها إلى سبع ضفائر كبيرة بواسطة امرأة متوفى زوجها أيضاً. وتُضاف ضفيرة أخرى في كل يوم جمعة حتى تنتهي فترة “الحبس”، ثم يُترك.
الخاتمة
مرت طقوس الموت في السودان عبر العصور، ويوجد فيها طقوس وثنية ومسيحية وإسلامية. ولها ميزة خاصة في غرب السودان، حيث لابد بعد دفن الميت من عمل “كرامة” للميت: الأولى يوم دفنه، وأحياناً لثلاثة أيام. وتوجد كرامة كبيرة ما تسمى “التعزية” في غرب السودان، ذات أهمية ككرامة للميت ولها دور في الترابط المجتمعي وتقوية صلة الرحم. ورغم التراكم الزمني، لا زالت التعزية للميت مستمرة في غرب السودان، وإذا دُفن الميت ولم تُقم التعزية، في نظر المجتمع يوصف أهل الميت بالجبن ومخالفة أعراف وتقاليد المجتمع.
قائمة المراجع
1. مركزية الموت في الثقافة السودانية، وليد المنسي، ص 62.





