خارج نطاق الرؤية – أ.جهاد جحزر – اليمن

نصبوا مراصدهم العملاقة، وبأحداقٍ مجهدة التصقوا بالعدسات الباردة، يفتشون في أحشاء الغسق عن خيط ضوء. كان الشفق فوق خريطتهم مكفهراً، تتلبد فيه انقساماتهم قبل سحبه السوداء، في سباقٍ محموم لاقتناص السبق، وتصدير أماني الرخاء المغلّفة ببريق الشاشات.
حين لمع الهلال، ضجّ الأثير بمظاهر الاحتفاء؛ فوانيس ذهبية تتلألأ، وتلاواتٌ تنساب خلف كوافٍ مزخرفة ومسابح تطقطق في أيدٍ غارقة في السكينة. غرقوا في ليلتهم بانتظار الخيط الأبيض، بينما كان المسحراتي يطرق الأبواب.. لكن صوته هذه المرة لم يكن بشراً، كان صدىً جارحاً يرتد من بين الركام:
تسحروا بما اشتهت أنفسكم.. أما سحورنا فالتراب الممزوج بالثلج والفزع. فوانيسكم زينة، وفوانيسنا قنابل التنوير التي تسبق الموت. مائدتكم عامرة، ومائدتنا طازجة بدمنا المسفوح. رمضانكم شهرٌ معدود، وصيامنا دهرٌ ممدود.
أيها الصائمون، لا ترهقوا مراصدكم في تتبع الأفق؛ اخلعوا نظاراتكم المقعرة، والتفتوا قليلاً.. نحن لسنا في السماء، نحن هنا تحت خيام الوجع، نُرى بالعين المجردة وبكل وضوح.. نحن أقرب إليكم من عدسات تليسكوباتكم الباردة، فهل تبصرون؟





