حين يلتقي الغياب على الورق-هدى حجاجي

حين يلتقي الغياب على الورق
لم يكن الفراق قرارًا،
كان حركةً صغيرة من القدر،
كمن يقلب صفحة قبل أن تكتمل الجملة.
افترقا دون خصام،
ودون وعدٍ بالعودة،
ترك كلٌّ منهما الآخر معلّقًا
في فراغٍ يشبه نهاية فصلٍ لم يُراجع.
منذ ذلك اليوم
لم يجمعهما مكان،
ولا موعد،
ولا حتى حلمٌ واضح.
جمعهما الورق فقط.
كان يكتب لها في دفاتر لا يقرؤها أحد،
يضع اسمها عنوانًا وهميًّا،
ويترك المسافات تقوم بدور الفواصل.
كل كتابٍ قرأه كان محاولة للعثور عليها
بين سطرين،
بين فكرةٍ وأخرى،
كأنها احتمت بالحبر
هربًا من الغياب.
أما هي،
فكانت تقرأ لتنجو.
كلما ضاقت الحياة
فتحت كتابًا،
وكأنها تفتح نافذة تطلّ على صوته.
لم تكن تعرف أين هو،
لكنها كانت تعرف أنه
هناك…
في الجملة التي لم تكتمل.
ستّ سنواتٍ مرّت،
كبر فيها الصمت،
ونضج فيها الحنين حتى صار عبئًا.
تعلم فيها أن الغياب لا يُنسى،
بل يُدار.
وحين عادت،
لم تسأل عنه،
القلوب حين تعود لا تسأل،
تتّجه مباشرة إلى موضع الوجع.
وجدته في مكتبةٍ قديمة،
واقفًا أمام رفٍّ يعرفه جيّدًا،
كأنه لم يغادره منذ سنوات.
لم يلتفت فورًا،
لكنها عرفت ظهره،
الزمن قد يغيّر الوجوه
ولا يفلح في إخفاء الذكريات.
حين استدار،
تأخّر صوته عن عينيه.
نظر إليها طويلًا،
كمن يعثر على شيءٍ فقده
ثم يتذكّر فجأة
لماذا توقّف عن البحث.
لم يتقدّم.
ولم تتراجع.
اللحظات بينهما
كانت أثقل من الحركة.
كان يبحث عنها، نعم،
لكن قلبه لم يعد كما كان.
صار يعرف الخسارة قبل وقوعها،
ويخاف الفرح
إن جاء متأخرًا.
نظرت إليه،
فرأت في عينيه ستّ سنواتٍ كاملة،
لم تمرّ…
بل استقرّت.
لم تطلب تفسيرًا،
ولا عودة،
قالت فقط بصوتٍ مرتجف:
«لا أطلب إلا
نظرةً منك
تشبه ارتباك اليد
حين تلمس كنزًا
لم تكن تبحث عنه
لكنّه وُجد
ليغيّر معنى الرحلة…»
نظر إليها…
ثم أدار وجهه قليلًا،
كأن النظر الكامل
سيهدم ما تبقّى من اتّزانه.
قال بهدوءٍ موجع:
«بحثتُ عنكِ طويلًا…
حتى تعبتُ من إيجادك في كل شيء
إلا الحياة.»
سقط الصمت بينهما،
ليس صمت اللقاء،
بل صمت الفهم المتأخّر.
أدركت حينها
أن الحب لا يموت،
لكنه يشيخ،
وحين يشيخ
يصير عاجزًا عن البدء من جديد.
استدار ليغادر،
خطواته كانت بطيئة،
كمن يترك جزءًا من نفسه خلفه
ولا يلتفت.
لم تناده.
بعض الوداع لا يُقال
لأن قوله خيانة لما كان.
بقيت وحدها،
فتحت كتابًا قريبًا منها،
وقرأت سطرًا كانت قد علّمت عليه قديمًا.
ابتسمت بوجع
وقالت في سرّها:
«ها نحن نلتقي أخيرًا…
لكن في الصفحة الخطأ من العمر.»
أغلقت الكتاب.
هذه المرّة
لم تترك علامة.





