مقالات اجتماعية

حين يصنع المجتمع خطيئة الإنسان ثم يدينه بها …حيدر كاظم الحسيناوي

شخص يجلس في مكتبة، محاط برفوف تحتوي على كتب، يرتدي بدلة ويتسم بمظهر جاد.

لا يولد الإنسان شريرًا، ولا يستيقظ ذات صباح ليختار الخطأ بوصفه قدره.

في كثير من الأحيان، يضيّق المجتمع عليه طرق الفهم، ويطالبه بأن يكون مستقيمًا، ويغلق أمامه أبواب التصحيح، ثم يحاسبه لأنه لم يُصلح نفسه.

يجد الإنسان نفسه محاصرًا بسلسلة من التوقعات الصارمة، والأحكام المسبقة، والنظرات التي لا ترى فيه إلا صورته الأسوأ. لا أحد يسأله: كيف تشكّلت؟ كيف فهمت العالم؟ ما البيئة التي صنعت إدراكه؟ بل يُطلب منه أن يكون “صحيحًا” وفق معيار واحد، كأن البشر خُلقوا بنفوس متطابقة وعقول متشابهة.

المجتمع، في كثير من تجلياته، يمارس سياسة أخلاقية مزدوجة:

من جهة “غفور رحيم” مع من يشبهه، ومع من أخطاؤه مقبولة أو قابلة للتبرير،

ومن جهة أخرى “شديد العقاب” مع من خرج عن الصورة المألوفة، أو أخطأ بطريقة لا تُرضي الذائقة العامة.

وهكذا تتحول الأخلاق من قيمة إنسانية تهدف إلى الإصلاح، إلى أداة فرز وإدانة.

وحين لا يجد الإنسان فرصة للفهم، ولا مساحة للاعتراف، ولا يدًا تمتد قبل السقوط، يبدأ بالبحث عن بدائل للبقاء. في هذه اللحظة، لا يصبح الكذب رذيلة أخلاقية بقدر ما يغدو وسيلة دفاع، ولا يتحول الشر إلى اختيار واعٍ بقدر ما يصير نتيجة انسداد كامل في الأفق. فالإنسان الذي يُحاصر ويُدان قبل أن يُفهم، سيتعلم أن يختبئ، لا أن يتغيّر.

الإنسان لا يكون مثالياً إلا حين يُختبر. كثيرًا ما نتهم شخصًا بالكذب، دون أن نتساءل: لو كنا في نفس الموقف، هل كنا سنكذب أم لا؟ ربما نقول بلا، لكننا لم نخضع للاختبار بعد. الواقع يضع الإنسان أمام لحظة حقيقية، لحظة يغرق فيها ولا يرى سوى قشة تنقذه، حينها يُكشف ما في الداخل حقًا. ومن يراقب من بعيد، يفكر تفكيرًا مختلفًا، يحكم بعقله لا بقلبه المعرّض للغرق. وهكذا، الفهم النظري للإنسان وحده لا يكفي، ولا يمكن أن يثبت حكمًا على فعله، فالإنسان الحقيقي يظهر فقط حين يواجه الاختبار، حين تُختبر قيمه في لحظة الحياة المشتعلة.

والحديث عن دور المجتمع هنا لا يعني نفي الفروق الداخلية بين البشر؛ فالقابلية للخير والشر تختلف من إنسان إلى آخر، لكن المجتمع هو من يحوّل هذه القابلية إلى مسار، ويمنحها إما فرصة الإصلاح أو ذريعة السقوط.

المشكلة الأعمق أن المجتمع يتعامل مع الخطأ بوصفه لحظة منفصلة، لا حصيلة تراكمات. يتناسى أن كل إنسان يقف في موضعه الحالي بعد تاريخ طويل من التجارب، والتربية، والحرمان، والتشويه أحيانًا. يتناسى أن الإدراك ليس واحدًا، وأن القدرة على الفهم والتصحيح تختلف من شخص إلى آخر، بحسب ما مُنح له من أدوات، وما فُتح أمامه من أبواب.

وحين يُحاكم الإنسان على فعله فقط، دون النظر إلى السياق الذي صنع هذا الفعل، يصبح الحكم قاسيًا حتى لو لبس ثوب العدالة. فليس كل من أخطأ فهم، وليس كل من فهم امتلك القدرة على التصحيح، وليس كل من صمت كان راضيًا. هناك من أخطأ لأنه لم يُعلَّم، ومن انحرف لأنه لم يُحتوَ، ومن كذب لأنه لم يُسمَح له أن يقول الحقيقة دون أن يُسحق.

الأخطر من ذلك أن المجتمع، بعد أن يساهم في صناعة الخطيئة، يقف متبرئًا منها، ويُحمّل الفرد كامل المسؤولية، كأنه لم يكن جزءًا من المعادلة. يطالب الإنسان بأن يكون قويًا في بيئة لا ترحم الضعف، وصادقًا في فضاء يعاقب الصدق، ومستقيمًا في طرق ملتوية منذ البداية.

إن إصلاح الإنسان لا يبدأ بالإدانة، بل بالفهم. ولا يتحقق بالعقاب وحده، بل بفتح مسارات للوعي والتصحيح. فالمجتمع الذي لا يمنح أبناءه فرصة النجاة الأخلاقية، لا يملك الحق الكامل في محاكمتهم حين يسقطون.

وحين يصنع المجتمع خطيئة الإنسان ثم يدينه بها، فإنه لا يدافع عن الفضيلة، بل يكرّس دائرة الخطأ، ويعيد إنتاج ما يدّعي محاربته.

فالإنسان لا يحتاج إلى قاضٍ إضافي بقدر ما يحتاج إلى بيئة عادلة، ترى فيه كائنًا قابلًا للفهم قبل أن يكون قابلًا للحكم.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading