حين يصبح الحب هلوسة/ عارف عبد الرحمن

أضناني هذا الحبّ الذي لا يكفّ عن ردّي إليك، كلّما انكفأتَ إلى عزلتك، كأنّ الحنين قدرٌ يعرف الطريق إليك أكثر ممّا أعرفه أنا. أُصارع هاوية البُعد لأُنقذ ما تبقّى منّي، وأتشبّث بهذا التدفّق الذي يفيض من الحبّ، كأنّه مؤامرةٌ وجوديّة ضدّ الفناء، أو وعدٌ خفيّ بأنّ الأرواح لا تُهزم ما دامت قادرةً على المحبّة. فلا تُمعن في وحدتك، ولا تجعل انكسارك جدارًا يفصل روحك عن روحي، بل تعال واتّحد بي، ولو لمرّةٍ واحدة، قبل أن يسبقنا الغياب.
ليس بُعدك ما يفتك بي، بل طريقتك في الاختباء منه. ذلك الانغلاق المُحكم الذي تُحسن تشييده حول قلبك، حتى لا يترك لي شقًّا واحدًا أعبر منه إليك. أراك حاضرًا بغيابك، وأظلّ أطرق أبوابك بصمتٍ يعرف سلفًا أنّه لن يُفتح له باب، ومع ذلك لا يتوقّف عن الطَّرْق.
أقف عند حدودك كما يقف الضوء على حافة العتمة، ألوذ بك كفتيلٍ يرتجف خوفًا من انطفائه، لا لأنّه يخشى الظلام، بل لأنّه خُلق ليضيء من أجلك. أخاف انطفاءك أكثر ممّا أخاف احتراق أيّامي التي تمضي عبثًا في انتظارك. وكلّما مددتُ يدي إليك، دفعتني إلى خارج عالمك، حتى بدا قلبك وكأنّه لم يعد يتّسع لي إلا بوصف حضوري احتمالًا عابرًا، أو فصلًا مؤقّتًا في حياةٍ لا تنوي الاحتفاظ بي فيها.
تنزعني منك عنوةً، كأنّ يدي لم تحفظ يومًا ملامح هذا الحبّ، وكأنّ قلبي لم يتعلّم اسمك إلا ليُمحى منه. وكلّ ما أردته أن أكون الملاذ الذي تعود إليه حين تُثقلك الحياة، لا الوجه الذي تنساه كلّما هدأت عاصفتك. أردت أن أكون البيت الذي يفتح نوافذه لانهيارك، لا الذكرى التي تُسقطها من قلبك كلّما ضاقت بك الأيّام.
ومع ذلك، أعود إليك في كلّ مرّة. يدفعني مدارٌ لا أملك الفكاك منه، كأنّ روحي تدور حول روحك كما تدور الكواكب حول شمسٍ تعرف أنّها قد تحرقها، لكنها لا تعرف سوى الدوران. أعود لأنّني ما زلت أؤمن أنّ في أعماق عزلتك مكانًا لم يمت بعد، ينتظرني وإن أنكرني.
وأُدرك، بوجعٍ يزداد صفاءً، أنّني أحبّك على نحوٍ يجعلني أشفق على نفسي. أحبّك إلى الحدّ الذي تصبح فيه خسارتي لنفسي أهون من احتمالي لخسارتك. ولهذا تمتدّ يدي إليك، حتى في اللحظة التي تنأى فيها عنّي، ويظلّ في داخلي صوتٌ خافت، عنيد، لا يتوقّف عن مناداتك، كأنّك الوطن الوحيد الذي لم تتعلّم روحي كيف تنساه، وكأنّ الحبّ، مهما أثقله الخذلان، يظلّ آخر ما يغادر الإنسان.





