حكايات الطريق – مي عطاف
عند خروجي للعمل الصباحي ، أغلق الباب ورائي ، أضع السماعة و أقيس المسافة بين البيت والمدرسة بالأغاني ، اليوم مثلاً احتجت أربع أغاني للوصول
“موعود بعيونك أنا “
” يمّا الحلو ناسي الهوى يمّا “.
أتعمد في هذا الصباح السير ببطء أنا التي رتم سيري سريع عادة، أردد كلما خلا الطريق من المارة بصوت عالي
” لفني الوجد وأضناني الهوى
كفراشٍ ليس يدري ما به “
امرأة تسبقني بأمتار ، تبدو كعصفور دوري للتو خرج من بيضته ، امرأة عجوز بظهر محني تتوهم أنها تخطو مسرعة ، ترتدي بنطالاً وجاكيتاً أسوداً وتضع إشارباً كما ممثلات زمن السبعينات قصير و ملون ، ربما تعمدت نسيانه على رأسها لتخبر عن صباها الجميل ، تتأبط كيس الخبز ، وبكل يد كيسين أسودين تميل بهما يساراً ويميناً مع رجّة جسد واضحة .
يسقط كيس الخبز بنايلونه الشفاف من تحت ذراعها ..تتوقف ترخي حمولة يدها اليمنى ، تعيد الخبز و تعود بحملها للسير .
أسرعت إذ أدركت أن ثقل ما تحمل قد يعادل وزنها .. صرت وراءها وتعمدت الغناء بصوت عالي
” لمّني من وحشة العمر كما
لمت النسمة عطر النرجس “
صرت بجانبها ، دفعها صوتي لتلتفت إلي ، فالتقت نظراتنا ، ابتسمتُ لها ، سحبت سماعة الأذن وقلت : صباح الخير
ردت بحياد : صباح الخير
وضعت الأغاني بصوت عالي ، صرنا أنا وهي والأغاني نسير على الطريق .
قلت : خليني احمل معك، يمكن طريقنا واحد .
ردت بصوت متعب : ما بدي عذبك .
قلت مبتسمة : رح أخد أجرة العتلة .
فأمسكت بثقلها متمنعة ، ربما صرفت أخر ليرة لديها ، و مالت عني .
عدت وقلت : هاتي عنك وأجرتي شغلة واحدة اعطيني حكاية بتحبيها وما بتنسيها .
وقفت ، ناولتني كيسي اليسار فأخذت عنها اليمين أيضاً وظل الخبز تحمله كطفل إلى صدرها .
سألتني : ليش تاركة شعرك شايب ؟
فقلت مازحة : إذا عندك عريس بصبغه ؟
ابتسمت كطفل مشاغب وفيروز تردد أغنيتها الرابعة
” بكرا انت وجاي
بركض بلاقيك
وسطوح المنازل كلها شبابيك
وانت تدل عليِّ تدل
وتمسحلي جبيني بالسنابل
بكرا أنت وجاي
انت وجاي يا حبيبي ” .






