مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

جوهر الإنسانية وسرّ السموّ.. الدكتور عبد السلام فزازي : فاس المغربية

صورة لرجل يجلس ويده على ذقنه، يرتدي قميصًا مخططًا بألوان مختلفة.

نعيش فعلا في عالم غريب وعجيب ففي حياة كلّ إنسان ليس لحظة فارقة واحدة بقدر ما فيها فوارق شتى قد تبدو واحدة منها فاعلة ومنفعلة في حياتنا الخاصة، فيها وعبرها قد ندعي بل غالبا ما ندعي فع لا الى أننا نقدم أشياء لغيرنا على حساب حياتنا الخاصة.. ما هم هذا الادعاء كائنا من كان، فليكن مثلا وعلى سبيل المثال تضحية بوقتنا من أجل هذا الآخر الذي لا يحفل ولا يقدر هذه التضحية والحال أن عامل الوقت عنده لا يعني شيئا، وجميعنا ندرك أن هذا الوقت يعتبر عدونا وضعفنا في الحياة اليومية خلافا لبقية العالم الذين يسعون جاهدين ربح الوقت اقرارا بالنجاح الذي يحقق لا من أجلنا نحن فقط بل من أجل حاجيات العالم الذي لم يعد يتحمل معشر الكسالى والحقيقة أنهم غدوا يعتبرون مجرد دودة زائدة علينا استئصالها توا قبل أن تأتي على الجسم كله فنكون أمام موت محقق.. ولعل التاريخ كفيل به مرجعا أظهر لنا الكثير من زلات الانسان على حساب الانسان ذاته فأعطى لنا أمثلة حول التضحيات التي بقيت بل لا زالت تمثل عنوانا، لأعظم القصص والأحداث حول موضوع أصبح جديرا أن نشرحه لأجيالنا حتى لا يقعوا فريسة أمام ما يمثل جوهرا للاإنسانية بل وسر تقدم أمة على أخرى لتكتسب في آخر المطاف سر سمو النفس فينا؛ فمن منا من لم يعش سيرة الام التي نذرت حياتها كل حياتها ساهرة على راحة أبنائها منذ عنعنتهم مرورا بعنفوانهم وصولا ربما إلى غرغرتهم.. ولعل الشعوب ليس من حقها أن تنكر على جنودها الذين جعلوا حياتهم كل حياتهم فداء للوطن وهم يقتصون من حياتهم أجمل ما فيها مقابل استقرار الوطن ولو على حساب أرواحهم وأسرهم، إلى الجندي الذي يفدي وطنه، وهذا ما يجعلنا كذلك نلقي نظرة عميقة ونحن نستعرض سيرة عامل بسيط وهو يكدّ ويتعب ليصنع مستقبلًا أفضل لأسرته التي لا يجمعه بها إلا الليل أسواء كان طويلا أم قصيرا ما هم ما دام يقتص من الوقت.

وهكذا نكتشف ونحن نتدبر سير حياة الانسان في مجال التضحية التي لم تكن يوما مجرد فعل، بقدر ما هو موقف داخلي ينبع من الإيمان بشيء أعظم من الذات. إنها صورة انعكاسية تترجم صمتا قد لا يدركه الا من تدبروا تفاصيل سيرة صامتة للحب، ودليل أيضا على عمق الانتماء للحياة الحقيقية التي لا نحقق فيها ذواتها بضربة لازب كما يعتقد جل الناس وخاصتهم، وحين نتكلم على ما نسميه الانتماء فلا نفرق في هذا الموقف بين انتماءات شتى سواء كان ذلك انتماءً لدين، أو وطن، أو فكرة، أو إنسان آخر علمنا سرا من أسرار الحياة العجيبة والغريبة كما سبق أن تساءلنا حول ماهيتها الغرائبية.

كلنا أو جلنا ما هم التوصيف وفي المجتمعات المتقدمة، نلاحظ أنها تُقدَّر وتقدس التضحيات بل وتخلدها، والحال أنها لا تبنى على ربوات هشة بل لأنها تُبنى عليها على نهضة من النهضات التي بنيت بنيانا مرصوصا. بينما في بعض المجتمعات مثل مجتمعاتنا وهذا ليس جلدا للذات بقدر ما هو اعتراف لحالنا الذي تبكيه البواكي، حيث كل شيء قابل للنسيان والتناسلي، أو على أقل تقدير لا نحسن قراءة وبناء المعادلات التي لا تبقل العشوائية في كل شيء، تُنسى أو يُساء فهمها، وحتى الاستغلال للوقت لا يكون أصلا في موضعه، وتمر بنا الحياة على ايقاعات الضعف والهوان والذل والمسكنة سيما حين تكشف عرواتنا أمام عالم لم يعد يرحم معشر أناس كان موتهم أفضل بكثير من حياتهم.

وما دام الشيء بالشيء يذكر لا ينبغي أن نفهم التضحية فهما سطحيا دون الإبحار في عالمها العميق الى درجة نصبح فعلا من طينة من ينكرون التضحية تعد إنكارا للذات أو بالأحرى إذلالا للنفس، بل الأمر هنا يتعلق بالوعي القصدي هي للمسؤولية، بل الانسان الواعي هذا يكون قد اختار اختيارا نابعا من الحرية..

وعود على بدء، فإننا وفي واضحة النهار نعلم وندرك أننا نعيش حقا في زمن تتقاذف فيه المصالح الأفراد، ويعلو فيه صوت الأنانية، ولهذا بات الحديث عن التضحية حديثًا عن الفضائل المنسية والأخلاق التي لم نعهد لها مقاما. وأصبحنا نتوق فرادى وجماعات على محاولة إعادة بصيص من القيم التي ضاعت منا ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف، احيائها أولا في بيوتنا، ومجتمعاتنا، ومؤسساتنا، علما أن مجتمعًا بلا تضحية، هو مجتمع بلا روابط، بلا قيم، بلا معنى.

والآن والأمور غدت واضحة للعيان أليس من الذين يجب عليهم إعادة النظر في مفهوم التضحية. عسانا نجعلها ثانية نبراسًا للحبّ المسؤول، والعطاء الهادف، لا مجرد شعارًات نرفعها حين نتوخى منها استغلال الآخرين وتبلديهم تماما مثلما تفعل أحزابنا السياسية أثناء الاستحقاقات الانتخابية وبدون خجل..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading