بصمة رحلة✍حميد فيخار

في الأول من شهر فبراير سنة 1981، نظّمت مؤسستنا التعليمية رحلةً استكشافية ترفيهية إلى جبال الأطلس، وهي عادة درجت عليها أغلب المؤسسات التعليمية في المملكة، لما لها من أثر تربوي وبيداغوجي مهم في سلوك التلاميذ والتلميذات.حدّدت الإدارة المدرسية موعد الانطلاق بالقرب من الإعدادية التي ندرس بها، فمع بزوغ فجر ذلك اليوم البارد، توقفت الحافلة في المكان الموعود، بينما كان التلاميذ يتوافدون فرادى أو رفقة ذويهم.كان ظلام الفجر لا يزال يحجب ملامح المشاركين، فلم نكن نميّز الوجوه بوضوح، خاصة مع ارتداء الجميع لملابس صوفية ثقيلة تقيهم قساوة البرد، فتداخلت الأشكال خلف القفازات والقبعات في مشهد ضبابي خافت.صعدنا إلى الحافلة وتوزعنا على مقاعدها الباردة، وكانت النوافذ مغلقة، بينما تحولت أنفاسنا إلى مصدر دفء نحتمي به من لسعات البرد. جلستُ إلى جانب صديقي “الطاهر”، ذلك الشاب الهادئ الكتوم، صاحب روح لطيفة ونكتة خفيفة رغم طبيعته الانطوائية. كان قليل الكلام، دائم الابتسامة، كريمًا في تعامله، لا يبخل بشيء على من حوله.يدرس معي في نفس الفصل، وقد جاء من ضواحي المدينة المهمشة ليستكمل دراسته بالقنيطرة، حيث يتكفل به عمه، الجزار المعروف بلقب “القرقوري”، والذي كان يعامله كأحد أفراد أسرته.دوّى صوت محرك الحافلة معلنًا بداية الرحلة، فاهتزّ المكان بزئيره الذي مزق سكون الصباح، وبدأت أصوات التلاميذ تتعالى تدريجيًا، حاملة معها أجواء الفرح والحماس.كانت الحافلة تمتلئ بالحياة، والوجوه لا تزال نصف مخفية في ظلال الصباح، بينما تولّى السائق قيادة الرحلة بثقة وهدوء، رجل وقور يفرض احترامه بأسلوبه اللبق وحرصه على سلامة الجميع.ومع انطلاق الحافلة، بدأ الضوء يتسلل شيئًا فشيئًا، كاشفًا ملامح الوجوه، فتعالت التحيات، وتبادلنا الابتسامات والعناق، وكأننا نلتقي لأول مرة.أما أنا وصديقي “الطاهر”، فكنا في عالمنا الخاص، نميل إلى الهدوء، نشارك الآخرين أفراحهم من بعيد، ونراقب المشهد بنوع من السكينة.كنت أطل من نافذة الحافلة، أستمتع بجمال الطبيعة التي تمتد أمامي، وأغوص في تفاصيلها الساحرة، بينما تحولت الحافلة إلى فضاء مليء بالغناء والضحك، حيث اختلطت الأصوات في تناغم عفوي جميل واستمر الحال كذلك إلى أن أعلن أحد المنظمين عن توقف مؤقت بمدينة سيدي قاسم، لأخذ قسط من الراحة.نزلت بالمدينة كباقي الإخوان والأصدقاء لتناول طعام الفطور بإحدى المقاهي الشعبية وكانت المقهى قد غصت بأفراد الرحلة شبان وشابات وكنت منهم خاصة ونحن كلنا ننتمي إلى نفس الإعدادية التي نظمت إدارتها هذه الرحلة الجميلة نتقارب في السن في المستوى وكذلك رغبتنا في التسلية باختلاف أساليبها جديا وهزليا ؛ صديقي الطاهر دخن من الحشيش الكثيرمما جعله عاجزا عن الحركة وظل جامدا في مكانه لايتحرك ، كانت معي آلة تصوير ، جلست أتناول فطوري وأضحك مع الزملاء حينها طلب مني صديق قديم تعرفت عليه في الدراسة ، أن آخذ له صورة واحتراما لهذه الصداقة لم أرد طلبه هذا فقد كان يتوسط فتاتين رشيقتين جميلتين ينعمان بالمرح والفكاهة ؟ جلست إلى جانبهم بضعة دقائق أحسست فيها بدوران على مستوى الرأس وكان ذلك واضحا لأني تناولت الحشيش بكثرة أتلف وعيي وأثقل تحركي فعدت الى الحافلة متكئا على كتف صديقي ونحن نمرح بكلام لم أدر ما كنت أصنع بحروفه ولما بلغت مقعدي بالحافلة وجدت صديقي يجلس وبجانبه فتاة رشيقة وكانت تجلس في مكاني ونحن الإثنين كنا نعرف هذه الفتاة كانت تدرس معنا في نفس الفصل فطلب مني صديقي برقصة عينه أن أغير المكان فقلت في ضحك إلى الفتاة أريني مكانك أذهب إليه فأجابت بابتسامة حلوة ؛ نعم … نعم ودلتني عليه فتوجهت إليه على التو ، جلست وما هي إلا برهة حتى جلست إلى جانبي فتاة كنت أحترمها وأقدرها في المدرسة احتراما وتقديرا كبيرين وقد جلست من دون أن تنظر جهتي أما أنا فلعنت صديقي الذي كان سببا في جلوسي بهذا المكان وفيما أنا ونفسي في جدال جلست فتاة آخرى بالمكان الشاغر بيني وبين الآنسة الفاضلة فزاد قلقي وتوجسي فكيف بي أن أقبل بهذا بين فتاتين وكيف سأقضي ماتبقى من الرحلة في هذا الوضع المحرج في هذه اللحظة سمعت صوتًا من مساعد السائق ينادي على من تبقى خارج الحافلة معلنا بذلك عن موعد الانطلاق الى مدينة إفران . كل الأفراد في فرح وفي بهجة تسمع هناك أغاني وهناك أحاديث وهناك همس أما أنا فقط انزويت وعيناي تخترقان زجاج الحافلة وتنعم بجمال الطبيعة الساحر ، على هذا الفضاء تُرسم بشكل فاتن لوحة من الجمال المثقن ! كان الجو باردا والسماء اكتست شكلا من السحب تتزاحم وأشعة الشمس هناك سرحت أفكاري في هذا الزخم البديع وبعد أن عدت بنظري الى الآنسة التي تجلس الى جانبي فحدتثتي نفسي أن أُبادرها بالكلام ولكنني لم أفعل ترددت كثيرا فالفتاة كانت تظهر لي بعيدة كل البعد على ان تشاركني الحديث أو ان اشاركها ذلك ، بعد مخاض طويل رميت بنفسي نحوها
- اسمحي لي أن أسألك
- – نعم تفضل اسأل
- أنت صديقة نعيمة ولعلك تدرسين معها في نفس الفصل ؟ أليس كذلك ؟
- نعم وهي كذلك صديقة أختي الكبرى ولا زالت حتى الآن
كان هذا هو مقتطف الحوار الذي دار بيننا لم يتجاوز لحظات خاطفة أحسست حينها بعرق يتصبب من جبيني ورعشة تكويني وكأنني في صراع مع نفسي تناولت سيجارة مفتولة بالحشيش أخذتها من صاحبي “الطاهر ” ثم لويت بوجهي نحو النافدة أنتشي شراب الدخان . بدأت أفرك أصابعي من شدة البرد فإذا بي أسمع صوت الأخت يزمجر في مسمعي - البرد شديد
- فعلا هذا يوم شديد البرودة
- أتريد القفاز ؟
- سأكون لك شاكرا أختي الكريمة
ثم نهضت من مكانها بعد أن استأذنت الفتاة المجاورة لها وبعد دقيقة عادت بالقفاز الصوفي الأزرق وناولتني إياه ، لبستها وبابتسامة خفيفة تترجم شكري لها أرذفت الكلام - وأنت ألى تشعرين بالبرد ؟
- لا ليس هذا بالبرد الذي يتطلب مني ارتداء القفاز !
استمر الحديث بيننا، يتنقل بخفة بين مواضيع متفرقة؛ من تفاصيل الرحلة إلى الدراسة، ثم إلى الميولات الشخصية والهوايات، في حوار بسيط، لكنه حمل في طياته دفئًا خفيًا.لم أشعر بالوقت وهو يمضي، فقد انسابت الكلمات بيننا بانسيابية، حتى خفَتَ الحديث تدريجيًا، وغلبنا التعب.أغمضت عينيها واستسلمت للنوم، ولم تمضِ لحظات حتى مالت برأسها على كتفي، وكأنها وجدت فيه وسادة آمنة. ترددتُ قليلًا: هل أوقظها؟ هل أتحرك؟لكنني عدلت عن ذلك، مفضّلًا أن أبقى ساكنًا حتى لا أزعجها، رغم أن كتفي بدأ يثقل من طول الوضع. خلفي، كان بعض الرفاق لا يزالون يتبادلون الأحاديث والأغاني، بينما كنت أنا غارقًا في صمت مختلف، صمت ممتلئ بشعور جديد لم أعهده من قبل مرّ الوقت ببطء، حتى شعرت بالتعب يتسلل إليّ، فحرّكت جسدي قليلًا، فاستيقظت الفتاة من نومها، واعتدلت في جلستها.اعتذرتُ بابتسامة خفيفة، ثم غادرت مكاني متجهًا نحو المقاعد الخلفية، حيث يجلس صديقي “الطاهر”.وجدته مندمجًا في حديث مطوّل مع الفتاة التي كانت برفقته، فتقدمت نحوهما، وقلت بنبرة مازحة تخفي شيئًا من الضيق:
– يبدو أنكما وجدتما موضوعًا لا ينتهي! اتركا شيئًا لوقت لاحق.
ابتسم “الطاهر” وقال:
– وهل سنجد فرصة كهذه مرة أخرى؟ اذهب أنت إلى مكانك، واستمتع بوقتك.
أجبته بإصرار خفيف:
– بصراحة، أريد العودة إلى مكاني.
لكن الفتاة التي كانت بجانبه تدخلت بلطف، ترجوني أن أترك لها المكان، وعيناها تعكسان رغبة واضحة في البقاء.
لم أجد ما أقوله، فتراجعت بهدوء.
في تلك اللحظة، توقفت الحافلة بمدينة أزرو، فشعرت بشيء من الارتياح؛ فرصة لأتنفس بعيدًا عن هذا الاضطراب الداخلي.
نزلت من الحافلة، أبحث عن بعض الهدوء، وبينما كنت أسير، لمحت الفتاة التي كانت تجلس إلى جانبي.
اقتربت منها، وبادرتها قائلًا:
– هل تودين مرافقتي في جولة قصيرة لاكتشاف المكان؟
ابتسمت، وقالت:
– انتظر قليلًا، سأعود حالًا.
صعدت إلى الحافلة، ثم عادت بعد دقائق، تحمل بعض الأوراق النقدية في يدها، ناولتني إياها قائلة:
– احتفظ بها عندك، من فضلك.
أخذتها وأنا في حيرة من أمري، لكنني لم أعلّق، واكتفيت بمرافقتها.
بدأنا نسير في أزقة المدينة، التي بدت هادئة وجميلة، فيما تفرّق باقي أفراد الرحلة في مجموعات صغيرة.
استوقفتنا بعض المحلات التي تعرض صناعات تقليدية يدوية، كانت القطع المعروضة متقنة وجذابة، تحمل طابعًا خاصًا يميز المكان.
توقفت عند أحد الباعة، وتأملت بعض المعروضات، فقالت لي:
– اختر لي شيئًا يعجبك.
نظرت إليها باستغراب، وقلت:
– وماذا تحبين أنتِ؟
أجابت بثقة:
– أي شيء… المهم أن يكون من اختيارك.
وجدت نفسي أمام موقف غريب، لكنني أشرت إلى مجسم خشبي صغير على شكل غزال، فابتسمت، وأخذت اثنين منه، ثم أضافت عقدًا بسيطًا بلون أحمر جذاب.
دفعت ثمن المشتريات من النقود التي كانت قد أعطتني إياها، بينما كنت أراقب تصرفاتها بنوع من الدهشة.
بعد ذلك، قلت لها:
– يجب أن نعود، قد تنطلق الحافلة في أي لحظة.
نظرت إليّ بابتسامة عريضة وقالت:
– لا تقلق، نحن نعرف ما نفعل.
أثارت كلماتها في داخلي شعورًا بالقلق، فبدأت أزن كلماتي بحذر، وأحاول أن أفهم طبيعة تفكيرها.
رغم ذلك، عدنا معًا إلى الحافلة، واستأنفنا الجلوس في نفس المكان.
بعد دقائق، انطلقت الحافلة من جديد، متجهة نحو مدينة إفران، بينما بدأ بيننا حديث مختلف هذه المرة، أكثر عمقًا وخصوصية.
تطرقنا إلى العائلة، إلى الطفولة، إلى تفاصيل صغيرة لا تُقال عادة بسهولة، وكأن شيئًا ما كان يدفعنا إلى كشف ذواتنا دون تردد.
في تلك الأثناء، لاحظت أن بعض الرفاق ينظرون إليّ باستغراب، ربما لأنني ابتعدت عنهم، بعدما كنت عنصرًا نشيطًا بينهم.
لكنني، بصراحة، لم أعد أشعر بالانتماء إلى تلك الأجواء الصاخبة، فقد كان اهتمامي منصبًا بالكامل على هذا الحوار الجديد الذي بدأ يغيّر شيئًا داخلي.
تدريجيًا، خفتت الأصوات داخل الحافلة، وغلب التعب على الجميع، فسادت حالة من الهدوء، ولم يبقَ سوى همسات خفيفة تتلاشى في الفضاء.
أما نحن، فكنا في عالم آخر، عالم صغير يتشكل بين كلمتين ونظرة، دون حاجة إلى ضجيج.
استمرّ الهدوء داخل الحافلة، وكأن الجميع استسلم لإرهاق الرحلة، فلم يعد يُسمع سوى همسات خافتة وأنفاس متقطعة.
جلستُ إلى جانبها، والمسافة بيننا لم تعد كما كانت في البداية؛ فقد تلاشى ذلك الحاجز الخفي، وحلّ مكانه شعور غامض يصعب تفسيره.
كانت تمسك بيدي أحيانًا في صمت، وتنظر إليّ بنظرات عميقة، كأنها تحاول أن تقول شيئًا لا تسعفه الكلمات.
أما أنا، فكنت أشعر بارتباك داخلي، مزيج من الانجذاب والحذر، وكأنني أخوض تجربة جديدة لم أستوعبها بعد.
حاولت أن أبدو متماسكًا، لكنني في الحقيقة كنت أبحث عن معنى لهذا القرب المفاجئ، وعن تفسير لذلك الشعور الذي بدأ يتسلل إليّ دون استئذان.
تحدثنا قليلًا، ثم صمتنا طويلًا، وكان الصمت بيننا أبلغ من أي كلام.
لم تمضِ سوى لحظات حتى أعلنت الحافلة وصولها إلى مدينة إفران.
توقفت، ونزل الجميع تقريبًا، بينما بدت المدينة وكأنها لوحة بيضاء، مكسوة بالثلج، هادئة إلى حد السحر.
كان الهواء باردًا وقاسيًا، لكن جمال المكان أنسانا قسوته، فكل شيء من حولنا بدا نقيًا، صافيًا، وكأنه خارج الزمن.
نزلتُ برفقتها، واتجهنا معًا نحو المرتفعات القريبة، حيث تمتد الثلوج وتتعانق مع أشجار الصنوبر.
كنا نسير بخطى متثاقلة، تارة نضحك حين تنغرس أقدامنا في الثلج، وتارة نتوقف لالتقاط الأنفاس.
ومع مرور الوقت، بدأ التعب يظهر عليّ، فصرت أتعثر أحيانًا، فتسندني بيدها، وتساعدني على التوازن.
نظرت إليّ مبتسمة، وقالت بنبرة خفيفة:
– يبدو أن التعب غلبك.
أجبت مبتسمًا:
– ربما… أو لعل البرد أقوى مني.
ثم أضافت بنبرة تحمل شيئًا من الجدية:
– ليس البرد وحده… عليك أن تهتم بنفسك أكثر.
فهمت ما تقصده، فأجبتها:
– أعدك أنني سأحاول التغيير.
شدّت على يدي قليلًا، وكأنها تثبّت ذلك الوعد، ثم تابعنا السير.
وصلنا إلى نقطة مرتفعة، حيث بدت الحافلة صغيرة في الأسفل، وبدا العالم من حولنا واسعًا وهادئًا بشكل مدهش.
توقفنا هناك، نلتقط أنفاسنا، ونستمتع بالمشهد.
طلبت مني أن ألتقط لها صورة، ففعلت، ثم التقطت لي صورة أخرى في نفس المكان، كذكرى لتلك اللحظة.
كان كل شيء بسيطًا، لكنه بدا عميقًا في تأثيره.
وقفتُ بالقرب منها، وتبادلنا نظرة طويلة، لم تحمل كلمات، لكنها كانت كافية لتكشف الكثير.
اقتربت قليلًا، ثم تراجعت، وكأنني أتردد في خطوة لا أعرف عواقبها.
شعرتُ بأنها بدورها تعيش نفس التردد، نفس الصراع الصامت.
لم نتحدث، لكن المسافة بيننا بدأت تختصر تدريجيًا، حتى أصبح حضورها قريبًا جدًا، بشكل أربكني أكثر مما توقعت.
في تلك اللحظة، لم يكن هناك صوت سوى الريح، ولا شاهد سوى الطبيعة الممتدة من حولنا.
اختلطت المشاعر، وتداخلت الأحاسيس، ولم أعد قادرًا على التمييز بين ما أفكر فيه وما أشعر به.
ثم فجأة، ابتعدت قليلًا، وكأنها تحاول استعادة توازنها، بينما بقيتُ أنا في مكاني، أحاول فهم ما حدث.
ساد صمت قصير، تخللته نظرات مترددة، قبل أن تبتسم ابتسامة خفيفة، تخفي خلفها شيئًا من الارتباك.
جلستُ على الثلج، ألتقط أنفاسي، بينما كانت تقف غير بعيدة، تنظر إلى الأفق.
شعرت أن تلك اللحظة كانت فاصلة، لحظة غيّرت شيئًا في داخلي، دون أن أستطيع تحديده بدقة.
بعد ذلك، بدأنا النزول ببطء نحو الحافلة، نتبادل كلمات قليلة، لكنها كانت كافية لتُبقي ذلك الخيط الرفيع بيننا حاضرًا.
كنت متعبًا، وهي تساعدني على السير، نمسك بأيدي بعضنا أحيانًا، ونضحك أحيانًا أخرى من صعوبة الطريق.
وعندما اقتربنا من الحافلة، التفتُّ إلى الخلف، نحو المكان الذي كنا فيه، وشعرت وكأننا تركنا هناك شيئًا لا يُرى… لكنه لا يُنسى.
عدنا إلى الحافلة بعد جهدٍ واضح، وقد أثقل التعب خطواتي، بينما كانت هي إلى جانبي، تساندني بين الحين والآخر، كأنها تخشى أن أفلت من توازني.
وقفتُ لحظة قبل الصعود، والتفتُّ نحو المرتفع الذي كنا عليه، فبدا المكان ساكنًا، وكأن شيئًا لم يحدث هناك… لكن داخلي كان يقول العكس تمامًا.
صعدنا، واتخذ كلٌّ منا مكانه، إلا أن المسافة بيننا لم تعد كما كانت من قبل؛ فقد تغيّر شيء خفي، لا يُرى، لكنه يُحسّ بوضوح.
جلست إلى جانبي، وأسندت رأسها قليلًا إلى المقعد الأمامي، بينما كانت يدها لا تزال ممسكة بيدي، وكأنها تخشى أن ينقطع ذلك الخيط الذي تشكّل بيننا.
نظرتُ حولي، فوجدت أغلب الرفاق في حالة سكون، وقد خفَتَت الأصوات التي كانت تملأ الحافلة في الصباح، ولم يبقَ سوى همسات متناثرة وأنفاس متعبة.
انطلقت الحافلة من جديد، وكان الصمت هذه المرة مختلفًا؛ صمت يحمل آثار يوم طويل، مليء بالتفاصيل التي لم تهدأ بعد.
أما نحن، فكنا نعيش حالة خاصة، لا تحتاج إلى كثير من الكلام.
تبادلنا نظرات قصيرة، وكلمات خفيفة، لكنها كانت كافية لتُبقي ذلك الشعور حاضرًا بيننا.
ومع مرور الوقت، بدأت ملامح التعب تغلب الجميع، فسكنت الأجساد في أماكنها، واستسلم كثيرون للنوم.
أما أنا، فكنت أقاوم النعاس، ليس لأنني لا أستطيع النوم، بل لأنني كنت أخشى أن تنتهي هذه اللحظات دون أن أعيها جيدًا.
كانت تقترب مني بين الحين والآخر، ثم تبتعد قليلًا، وكأنها تعيش صراعًا داخليًا بين الرغبة في القرب والحاجة إلى التوازن.
وفي لحظة هدوء، مالت نحوي أكثر، فشعرت بدفء حضورها، وبتلك الطمأنينة الغريبة التي بدأت تتسلل إلى داخلي.
لم نتحدث كثيرًا، لكن ما كان بيننا تجاوز حدود الكلمات.
لاحظتُ أن بعض الرفاق ينظرون إلينا بين الحين والآخر، بنوع من الفضول أو الاستغراب، وربما بشيء من المزاح الصامت، لكنني لم أعد أبالي.
لم أعد أفكر في شيء خارج هذه اللحظة.
توقفت الحافلة لاحقًا في منطقة ميشلفن، حيث نزل أغلب الرفاق للاستمتاع بالمكان، بينما فضّلنا البقاء داخل الحافلة.
كان القرار صامتًا، دون اتفاق صريح، لكنه كان مفهومًا بيننا.
خلت الحافلة تقريبًا، ولم يبقَ سوى عدد قليل من التلاميذ، أغلبهم استسلم للنوم تحت تأثير التعب.
عمّ الهدوء المكان، وبدت الحافلة وكأنها فضاء منفصل عن العالم الخارجي.
تبادلنا الحديث بهدوء، نقترب أحيانًا من مواضيعنا الشخصية، ثم نعود إلى صمت قصير، وكأننا نختبر حدود هذا القرب الجديد.
كانت لحظات هادئة، لكنها عميقة، تحمل نوعًا من الصفاء، بعيدًا عن صخب الآخرين.
شعرتُ بأن الوقت يمرّ بسرعة، وكأننا نحاول أن نسرق منه ما استطعنا قبل أن ينفلت من بين أيدينا.
بعد مدة، بدأ الرفاق يعودون تدريجيًا إلى الحافلة، وعادت معها بعض الأصوات الخافتة، لكن الجو العام بقي هادئًا.
انطلقت الحافلة من جديد، معلنة بداية رحلة العودة.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وقد تلوّنت السماء بألوان دافئة من الأحمر والبرتقالي، في مشهد ساحر شدّ انتباهي للحظات.
تمنيت لو أن الرحلة تطول أكثر، أو أن يتوقف الزمن قليلًا عند هذه اللحظة تحديدًا.
لكن الحافلة كانت تواصل طريقها، تاركة خلفها كل تلك التفاصيل، التي بدأت تتحول تدريجيًا إلى ذكريات.
واصلت الحافلة طريقها في هدوء، بينما كانت ملامح الغروب تزداد عمقًا، والضوء يتلاشى تدريجيًا خلف الجبال.
ساد صمت شبه تام داخل الحافلة، صمت لم يكن مملًا، بل كان ممتلئًا بما عاشه كل واحد منا خلال هذا اليوم الطويل.
جلستُ إلى جانبها، لكن شيئًا ما تغيّر؛ لم يعد الحديث كما كان، ولم تعد النظرات بنفس العفوية.
لم يكن هناك توتر، بل نوع من الهدوء الحذر، وكأن كلًّا منا بدأ يستوعب ما حدث، ويحاول أن يجد له مكانًا داخل نفسه.
كانت تنظر أحيانًا عبر النافذة، وأحيانًا نحوي، ثم تعود إلى صمتها، بينما كنت أنا غارقًا في أفكاري، أستعيد تفاصيل اليوم لحظة بلحظة.
أدركتُ أن ما عشناه لم يكن عابرًا، لكنه في الوقت نفسه لم يكن واضح المعالم.
هل هو مجرد تقارب فرضته ظروف الرحلة؟
أم بداية شيء أعمق؟
تساؤلات كثيرة بدأت تتشكل داخلي، دون أن أجد لها إجابات.
ومع اقترابنا من المدينة، بدأت ملامح التعب تختفي تدريجيًا، وعادت بعض الأصوات الخافتة إلى الحافلة، كأن الجميع يستعد للعودة إلى واقعه.
لم تمضِ دقائق حتى ظهرت أضواء القنيطرة في الأفق، تلمع في الظلام، معلنة نهاية الرحلة.
شعرت بشيء من الانقباض، وكأن هذا الضوء يحمل معه نهاية لحظة كنت أتمنى استمرارها.
توقفت الحافلة في نفس المكان الذي انطلقنا منه صباحًا، وبدأ التلاميذ في النزول تباعًا، كلٌّ يتجه نحو من ينتظره.
وقفتُ للحظة، مترددًا، لا أعرف ماذا يجب أن أقول أو أفعل.
نظرتُ إليها، فوجدتها تحمل حقيبتها، تستعد للنزول، فتقدمت نحوها بخطوة خفيفة.
قلتُ بصوت هادئ:
– يبدو أن الرحلة انتهت بسرعة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
– نعم… أسرع مما توقعت.
ساد صمت قصير بيننا، ثم أضافت:
– سررتُ بالتعرف عليك.
شعرتُ بأن الكلمات قليلة، لا تكفي للتعبير عمّا في داخلي، لكنني اكتفيت بالقول:
– وأنا أيضًا… كانت رحلة مميزة.
ترددتُ للحظة، ثم سألتها:
– هل سنلتقي مجددًا؟
نظرت إليّ بنظرة يصعب تفسيرها، ثم قالت:
– ربما…
لم تكن إجابة واضحة، لكنها لم تكن رفضًا أيضًا.
نزلت من الحافلة، وتبعتها بنظري وهي تبتعد، حتى اختفت وسط الحشود.
بقيت واقفًا للحظات، كأنني أنتظر أن تعود، أو أن يحدث شيء يغيّر نهاية هذا المشهد.
لكن شيئًا لم يحدث.
غادرت المكان ببطء، وأنا أشعر بأنني لم أعد كما كنت في الصباح.
كان هناك شيء جديد داخلي، شيء لم يتشكل بالكامل بعد، لكنه ترك أثره بوضوح.
في تلك الليلة، لم أستطع النوم بسهولة.
كنت أستعيد كل لحظة: الحديث، النظرات، الصمت، وحتى التفاصيل الصغيرة التي بدت عادية في حينها.
أدركت أن الرحلات لا تنتهي عند العودة، بل تبدأ أحيانًا بعد ذلك… داخلنا.
وهكذا، انتهى يوم واحد، لكنه فتح بابًا لتجربة لم أكن أتوقعها
مرّت السنوات، كما تمرّ الأشياء التي لا ننتبه لسرعتها إلا حين نلتفت إلى الوراء.
تغيّرت ملامح كثيرة في حياتي؛ وجوه رحلت، وأخرى جاءت، طرق سلكتها، وأخرى تركتها دون أن ألتفت.
لكن، رغم كل ذلك، ظلّ ذلك اليوم من شتاء سنة 1981 حاضرًا في ذاكرتي، كأنه لم يغادرني يومًا.
لم يكن مجرد رحلة مدرسية عابرة، بل كان لحظة فاصلة، بداية وعي بشيء لم أكن أعرف له اسمًا آنذاك.
كثيرًا ما تساءلت:
ماذا لو لم أجلس في ذلك المقعد؟
ماذا لو لم نتبادل تلك الكلمات الأولى؟
هل كانت حياتي ستسير بنفس الطريقة؟
لا أملك إجابة.
كل ما أعرفه، أن بعض اللحظات لا تُقاس بطولها، بل بعمق أثرها.
بعد سنوات طويلة، وجدت نفسي أعود إلى نفس المكان… إلى إفران، في يوم شتوي يشبه ذلك اليوم البعيد.
كان الثلج يغطي الأرض كما كان، والأشجار واقفة في صمتها المعتاد، وكأن الزمن لم يمرّ من هنا.
سرت ببطء، أستعيد الخطوات، أحاول أن أجد ذلك الأثر الذي تركناه خلفنا، أنا وهي.
وقفت في نفس المرتفع، حيث التقطنا تلك الصور، حيث ساد ذلك الصمت الذي قال كل شيء.
أخرجت من محفظتي صورة قديمة، بهتت ألوانها، لكنها احتفظت بروحها.
تأملتها طويلًا، وابتسمت.
لم أعد أتذكر ملامحها بدقة، ولا صوتها كما كان، لكنني أتذكر جيدًا الشعور الذي تركته في داخلي.
شعور لا يشبه الحب كما يُروى، ولا يشبه الصداقة كما تُعرّف…
بل شيء بينهما، شيء عابر، لكنه صادق.
تساءلت للحظة:
هل تتذكرني؟
هل مرّت من هنا يومًا كما أفعل الآن؟
أم أن تلك الرحلة كانت بالنسبة لها مجرد ذكرى عادية، ذابت مع الزمن؟
لم أحاول البحث عنها، ولم أسعَ لمعرفة مصيرها.
ربما لأن بعض القصص تكون أجمل حين تبقى ناقصة.
وحين تكون الإجابة أقل جمالًا من السؤال.
أعدت الصورة إلى مكانها، ونظرت إلى الأفق، حيث تمتد المساحات البيضاء بلا نهاية.
شعرت براحة غريبة، كأنني أغلقت دائرة ظلّت مفتوحة لسنوات.
أدركت حينها أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا ليبقوا،
بل ليتركوا أثرًا… ثم يمضوا.
وأن بعض اللحظات لا تُنسى،
لأنها كانت حقيقية أكثر مما ينبغي.
غادرت المكان بهدوء، دون أن ألتفت هذه المرة.
لم يكن هناك شيء أبحث عنه بعد الآن.
فقط ذكرى…وامتنان.





