الشعر المستعار … القصيدة الباروكية – علي الامارة

هذا الكلام – العنوان – ينطبق على قصيدة النثر اكثر من غيرها من الاشكال الشعرية المعروفة.. فقصيدة النثر التي تطالعنا فيما نقرا من المشهد الشعري استطيع ان اقسمها الى اربعة اقسام.. القسم الاول هو الانثيالات والخواطر والانشائيات والهواجس السائبة التي لا تخلو من بعض الشطحات او التحليقات الشعرية او الجمالية ولكنها لا ترقى الى مستوى تسمية قصيدة النثر من الناحية البنائية والفنية او حتى الدلالية والمضمون احيانا..
ولكن هذا القسم من الكتابة وجد له متنفسا ومجالا للظهور والانتشار من خلال كثرة وسائل الاعلام سواء في الصحف والمجلات او المواقع الالكترونية التي تريد ان تملا المساحات اليومية الواسعة.. كما ان هذه الكتابة دخلت تحت خيمة النص المفتوح او قصيدة النثر او الكتابة الحرة دون أي تصنيف او تحديد ولكن هذا القسم من الكتابة لا يصعب على المتلقي توصيفه ووضعه على رف التلقي الذي يليق به ولا سيما اذا كان هذا المتلقي مختصا او ذا خبرة في التعامل مع الشعر.. حتى وان جاءت هذه الكتابة – القصائد – محصنة بصحيفة او مجلة معروفة او بديوان شعري مطبوع حيث صار طبع الدواوين الشعرية صفة كمالية مثل تبديل الاثاث او الستائر او شراء حاجة معينة و لا سيما امام كثرة دور النشر التي تشجع على اصدار الدواوين مثلما تشجع على طبع كارتات التعريف او بطاقات حفلات الزواج.. على اية حال هذه النوع من الكتابة ليس خطرا ومسيطرا عليه من قبل الذائقة الشعرية والثقافة الادبية ذات التجربة والمعرفة بقيمة الشعر ومنازله.. ولكن هذا القسم هو الاكثر انتشارا تحت مسمى قصيدة النثر واستطيع ان اعطيه نسبة ستين بالمائة مما ينشر.. وهي كتابة بريئة التحقت بركب قصيدة النثر وتعلقت بأذيالها ..
اما القسم الثاني من قصائد النثر فهو القسم غير البريء الذي يصعب على المتلقي التعامل معه لأنه يستفيد من نصوص شعرية اما مترجمة من ثقافات اخرى او من قصائد عربية منشورة في المواقع او الصحف ، وهذا النوع من الكتابة يكون على صفات عدة اما ان يكون النص كما قلنا مستفيدا من نصوص اخرى بطريقة السرقة الغامضة او البعيدة و لا سيما في العصر الراهن بعد ان اصبحت هناك الالاف من النصوص المتاحة بعد ثورة الاتصالات والتواصل المعرفي والثقافي والسرقاتي او يكون مطعما بأفكار علمية او فلسفية او العاب لفظية ولكنها بالنتيجة لا تخلق مستويات جمالية على صعيد الشعرية ..غير ان الاشكالية تكمن في ارباك المتلقي بل احيانا تصل الى حد خديعة بعض النقاد او الذين يكتبون بعض القراءات النقدية فيتناول هكذا نصوص بالتحليل او الدراسة دون ربط هذا التحليل بما يحققه النص من قوة جمالية شعرية كامنة .. لان القدرة على التحليل والدراسة قد تنطبق على كثير من النصوص غير الشعرية اذا لم تخرج باستنتاج واضح يربط تحليله بالخلاصة التي تشير وتشخص قوة الشعرية داخل النص أي ان الاشكالية النقدية هذه شجعت على انتشار هكذا نصوص.. أو أعطتها بعض الشرعية من خلال ادراجها في المدونة النقدية وان كان قسرا .
والصفة الثالثة هي تلك الكتابات التي تعتمد التغميض والتعمية – غير الشعرية طبعا – فضلا عن الافادات التي اشرنا اليها في القسم الثاني وهذا الغموض المفتعل يخدع كثيرا من المتلقين فيشعرهم بان هناك ابعادا واعماقا في النص لم يستطع المتلقي من التوصل اليها وسبر اغوارها او فك طلاسمها في حين ان الغموض الشعري واضح ايضا وان المداخل الشعرية الى هذا الغموض التي يتطلبها البناء الدرامي والتنامي والشعري او الافكار العميقة في النص واضحة ايضا ، أي ان استدعاء الغموض له مسوغ فني ودلالي لا يغيب عن قدرة المتلقي الواعي على الكشف والتقدير ففي بعض قصائد النثر الحقيقية الغامضة تتكشف اغوارها كلما اعدت قراءتها لأنها لاتفتأ تلقي مفاتيحها الشعرية الغورية باستمرار القراءة والمراجعة وليس مثل الغموض الطلسمي المفتعل الذي لا يملك مفاتيحه الشعرية والقرائية ومستوياته الجمالية ..
فبعض القصائد تتطلب عدة قرائية واعمال الفكر وتحريك الخيال لقراءتها مثلما قال اليوت عن شعر بليك بأن (شعره مزعج شأنه شأن أي شعر عظيم ) وكما قال ادونبس عن شعر ابي العلاء المعري ايضا ..
والحقيقة ان هذا القسم من الكتابة القسم الثالث بصفاتها الثلاث يتطلب وقفة تشخيصية وتحليلية لان هذه الكتابة هي التي سحبت قصيدة النثر الى منطقة التلفيق النصي والتوليف امام متلق لم يعد يشكل الشعر عنده تلك الاهمية التي كانت حيث كان الشعر ديوان العرب.. ولكن نحن هنا في هذه المداخلة السريعة نريد ان نشخص هذه الاقسام من الكتابة..
كما يساهم في انتشار هذا النوع من الكتابة التوليفية ان المقياس الفني لقصيدة النثر غير واضح كما هو معروف عن القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة.. وهذا القسم من الكتابة استطيع ان اعطيه نسبة ثلاثين بالمائة مما نقرا من كتابات تحت مسمى قصيدة النثر.
اما القسم الرابع وهو القسم النادر فهو قصيدة النثر الحقيقية الاصيلة التي بررت وفسرت كسرها وتنازلها عن قوانين الشعر الشكلية القافية والوزن وجاءت بالبديل الشعري من داخل النص.. فابتكرت ايقاعها الداخلي وايقاع فكرتها الشعرية كما حققت لغتها الشعرية الخاصة بها.. هذه القصيدة توفرها قليل جدا في ما نطالعه من نصوص محسوبة على قصيدة النثر بل ان نسبة هذه القصيدة عندي بحدود عشرة بالمائة كحد اعلى والباقي من النسبة تطفل عليها وتعلق بأكتافها واستعارة لشعرها – بفتح الشين او كسرها لا فرق هنا – لكي تصبح كل هذه – القصائد – باروكات شعرية تغطي العراء او الصلع الذي تحتها..!
ان قصيدة النثر الحقيقية تلك التي تكد من اجل صنع لغتها الخاصة بها او بشاعرها، فحين تقرا لشاعر قصيدة نثر اصيل تبقى لغته الشعرية عالقة في ذائقتك وذاكرتك ولا سيما حين تقرا له نصوصا عدة او مجموعة شعرية فستجد اللغة نفسها قد تبتعد قليلا عن محورها وصراطها ولكن سحرها كامن فيها و مميز لها ..
اما التجربة الشعرية الملفقة فتجد هذا المحور وهذه اللغة مفقودة وليس لها صراط شعري تسير عليه فهي مرة تحلق بشعرية مستعارة ومرة تسف وتهبط ومرة تنحرف ومرة تعتم وتغمض فتحس بان التوليف سيد النص ..
ولكننا من اجل انصاف بعض النصوص المحسوبة على قصيدة النثر فاننا نستمتع احيانا ببعض هذه النصوص لا لقوة شعريتها وانما لطريقة تعابيرها وصدق تجربتها الانسانية ودفقة الاحساس والهواجس العميقة فيها وغيرها من الصفات التي تستدرجنا لمتابعتها في النص فليس قصيدة النثر وحدها تستحق المتابعة والقراءة.. ولكنني – لا اضع هذه النصوص ضمن خانة قصيدة النثر وذلك لدقة المواصفات والشروط التي اضعها كقارئ وشاعر وناقد يرى في قصيدة النثر خلاصة تجربة تاريخية من الفكر والشعر والرؤى والكد الفني العميق..
من كتابي ( حين ترقص النار )





