الذكاء الاصطناعي يغنّي قصيدة النثر/وارد بدر السالم

من قصيدة نثر غناها الذكاء الاصطناعي:
ما اقبحك ايها الطين
وانت تتأرجح بين هزيمة واخرى
تعوي كذئبٍ خجولٍ
رميتُ أحذيتي كلّها
أغلقتُ بابَ الرحيل
البارحةُ فقط
قالت لي المرآة:
ما أقبحكَ أيها الطين
(لميس حسون – شاعرة من لبنان)
(1)
شاعت في الآونة الأخيرة أغنيات عربية جديدة تعتمد قصيدة النثر أو الخواطر الرومانسية أو حتى الكلام الأدبي العادي في أداءٍ غنائي لافت، وكلها مشغولة بالذكاء الاصطناعي. فلا ملحّن لها ولا مطرب بالرغم من وجود صوت نسائي أو رجالي لها.
قد تكون هذه (أعجوبة) إلكترونية أدخلتْنا في أجواء غريبة، ما بعد الواقع الفني. فنطازيا العصر الجديد. في صيرورة علينا أن نتعامل معها بواقعية افتراضية، هي واقعية العصر الجديد الذي لم يُستهلك بعد؛ بل انبثق من دون مقدمات تاريخية، ليقول للحاضر الكثير من المعطيات التي تستغني عن الكثير من التحضيرات الاستثنائية. بمعنى أدخلَنا الذكاء الاصطناعي الى عصر التأليف الموسيقي واللحن الذي يناسب قصيدة النثر، من دون التقيد بأوزان ونهايات حروف متشابهة.
سنتعامل مع هذا اللون الإلكتروني كفكرة جديدة بأن لا تُعتمد القصائد الموزونة ذات القافية الواحدة، ولا القصائد المسجوعة ذات الإيقاع المتشابه، بل اختصرت الطريق الى التلقي العام من دون تهويل وتخطيط استثنائي. وبالرغم من جدية هذه المحاولات في اللحن الذي لا يعتمد على حرف روي واحد في آخر الأبيات الشعرية، والصوت الذي عليه أن يكابد لتشظية الاستماع والتركيز على فكرة الغناء وتسلسل الكلمات، وإبراز فكرة النصوص النثرية المُغنّاة.
الصوت هو وليد الفكرة كما هو اللحن. وأخبرتني شاعرة عربية بأنه لا يوجد صوت ولا لحن لقصيدتها، مع إن الصوت يُسمع بشكل واضح، واللحن تسلسلي، ينفعل ويصدح ويتعالى متماشياً مع أجواء القصيدة النثرية يفسّر القصيدة على نحوٍ مباشر؛ حتى الموسيقى لها دور في الصعود والتوتر والانخفاض مما يتطلبه الموقف الشعري. أي إن كل ذلك يتم بإدخال القصيدة الى “عقل” الذكاء الاصطناعي فهو القادر على تشغيل “حواسّه” الفنية بشكل ملائم جداً.
(2)
لم تنجح سابقاً فكرة غناء قصيدة الشعر الحر. ولم تجد لها جمهورها الشعري الذي يتناغم معها. بسبب النسق الجديد الذي لم يُجرّب من قبل، وعُدّت مثل تلك المحاولات وقتاً ضائعاً في الغناء، بالرغم من أهمية التجربة وغناها الثري والمعنوي، لذلك لم تسجل نجاحاً كبيراً مع جمهور خارج من أجواء أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة وغيرهم من أساطين الطرب العربي. حتى استحوذت قصائد الراحل نزار قباني على شريحة واسعة من الشباب الرومانسيين؛ وهي قصائد بسيطة إن لم نقل إن معظمها ساذج يحاكي الغرائز والمشاعر الفطرية.
(3)
الشاعر بدر شاكر السياب غُنّيتْ قصيدته (أنشودة المطر) التي لحّنها وغناها المطرب السعودي محمد عبده، التي حاول من خلالها تطويع الشعر الحر الى اللحن الغنائي، وبالرغم من نجاح الأغنية؛ ثقافياً؛ إلا إنها لم تلق صدىً جماهيرياً وإعلامياً يُذكر. لا بد أن نذكر تجربة الفنان سعدون جابر في أغنية (غريب على الخليج) للسياب ذاته والتي لحنها طالب القره غولي، والتي غناها أيضا فؤاد سالم. فتشعر في هذه المحاولات البكر بأن المغنين يمطّون بالكلمات والجُمل مطاً غريباً. حتى الموسيقى تتعثر معها، ويبدو مغنو قصيدة الشعر الحر كما لو إنهم خرجوا من عالم الجمال الى عالَم لا علاقة له بالجمال والطرب. إنهم يؤدون القصيدة إداء عادياً. يهتمون بالكلمات ولا يهتمون باللحن. فيضيع المعنى واللحن وتتشتت الموسيقى ويبقى وجه المطرب تائهاً بين الكلمات واللحن، لذلك لا نجد صدى ثقافياً لتلك المحاولات. أي – برأينا- إن التفاعل كان مع كلمات القصيدة وهيبتها، لا مع النص اللحني والموسيقي.
(4)
معطيات العلم والتكنولوجيا الإلكترونية مثيرة وفريدة جداً، والذكاء الاصطناعي شكّل ويشكّل مستويات من الفضاءات الفنية قد لا يشكلها الواقع الفني الموضوعي.
هذا (التجاوز) الصريح هو ما منحه العلم وتكنولوجيا الإلكترونيات للنصوص الشعرية التي نفرت من الوزن والقافية وذهبت الى التلحين الإلكتروني ومنه الى الغناء المجهول الذي يتعامل مع الكلمات بجدّية بالغة، كمن يفسر المعاني الباطنية فيها بطريقة الامتلاء الفني والفكري الذي نجده في الكثير من الأغنيات الإلكترونية التي سمعناها وتركت فينا انطباعاً غريباً، كما لو إن مستتراً مجهولاً له قدرة (الفهم) العميق للنص.
إن تلحين كلمات بصوت رجالي عميق مثل:
أنا الآن أمحو حدودَ المكانٍ والصحو
كأني ولدتُ قبيلَ انفجارٍ اللغة.
هو انفجار لحني يهيئ جمال الكلمات التي لم يستطع كاتب أن يضع (انفجار اللغة) في نص مغنّى. وهذا يؤكد قدرة الذكاء الصناعي الإلكترونية المعبّأة سلفاً، لقراءة مزاج الكلمة ومعناها وصوتها الشخصي، لتشخيصها معنىً وأيقونة صوتية.
نقول إن هذا النوع الغنائي الذي أخذ ينتشر، بعد هبوط هذا الفن في واقعيته في مختلف البلاد العربية، وغياب الأصوات التي كان لها جمهورها الطربي الواسع، هو (بديل) لا يبدو مؤقتاً، لكن سينتشر بصورة فيها الكثير من الأسف على انتهاء أدوار الغناء العربي الحقيقي.
(5)
حبيبتي اشربي شيئاً من الحلم معي
.. اشربي شيئاً من الفوضى معي
هنا صوت تعتمده قصيدة النثر التي تخرج عن الواقع لتعيد صداه شعراً منثوراً، وصوراً غير قابلة للتطبيق الفعلي، لكن الاداء الإلكتروني يقرّبها كثيراً من الواقع الافتراضي ويجعل منها لحناً.
ومن تلك الفوضى اللغوية الجمالية النثرية الجميلة الى هدوء الأنغام وصخبها أيضاً:
عندما تمرّين في الطريق
يُغنّي لك النثرُ والشعرُ
وتسقط حروف الهجاء تحت قدميك.
و
أقول أنكَ أحببتني
وكأنني كنتُ أعرفَ ذلك
وكأنكَ قلتَها يوماً
كنتَ تنظر الي بعينيكَ الممتلئتين بالعتب
ثم ترحل..
و
أقسم إنّ القلوب إذا أحبّت
لا تعود كما كانت
و
كنتُ أنتظرُ خطوةً منكَ
لا قصيدة جديدة
…
هذه عيّنات من الغناء الإلكتروني الجديد. هذا فضاء واسع للتجارب الغنائية في ذكاء استحدثته تكنولوجيا عابرة للبث النفسي، كأنها تريد أن تسحب الزمن الماضي الى هذا الزمن وتلغي تياراته الفنية والشعرية؛ بدعوى التجديد، وهذا ما يتطلبه العصر الإلكتروني، الذي ابتعد كثيراً عن مشاعر التجنيس ودخل في عالمه الشخصي المنتشر بصورة كبيرة، لأجل أن يختصر طريقة الغناء في التحضير وتجنّب الخطأ المحتمل حينما يكون مباشراً مع جمهور متلقٍ. إنه صوت مقبل من امتزاج كلمات في إلكترونيات متاحة
للجميع.
عندها يغيب اسم المطرب واسم الملحن. ويبقى النص، مثلما تبقى الأصوات تطارد الناس برومانسيات قد تكون ضعيفة وقد تكون عكسها. بمعنى إن (الجن) الإلكتروني هو الذي سيتسيد الواقع الغنائي العربي…!





