التحرر باللغة والتحرر من اللغة – بشير عمري

أدونيس ومسعى العبور بالعربية من الأخلاقي إلى الوضعي
لا تنفك اللغة على كل مستويات إشكالاتها التفاعلية في التاريخ، مع الثقافة، السياسة، الاقتصاد وعناصر بناء هويات وتحطم أخر، عن إثارة النقاش بشأن الإخفاقات التي تلازم مشاريع المجتمعات بشأنها، القومية منها والوطنية، في الصراع الوجودي الحضاري المستعر في عالم اليوم في ما بين الأقطاب وعلى الهوامش الصغرى منها والكبرى.
وفي هذا الإطار تحديداً، عاد أدونيس ليطرح مشكلة اللغة العربية، باعتبارها عرين الثقافة وذروة سنام الهوية وقاعدة العرب الأيديولوجية، بثنائي عنصر أزمتها العصية حسبه، السلطوي والديني، معتبرا أن هذا المركب الثنائي قد أطبق على الانسان من خلال اللغة وضيق عليه، بما ضيقه على هاته الأخيرة، كل سبل التحرر المؤدية إلى الابداع والخروج من أسر الذات وقيودها القديمة.
في الحقيقة تبدو ملاحظات أدونيس حول وضع اللغة العربية في التاريخ ذات أهمية قصوى، ولا ينبغي القط النظر إليها بعين الاسترابة والحذر فقط، كما هو واقع مع بعض التيارات الفكرية والثقافية والسياسية، لا سيما منها ذات المنزع القومي والديني في العالم العربي، واعتبارها منطلقا جدليا من منطلقات مراجعة الذات بغية إدراك مكامن الإفلاس الفكري والثقافي التي حالت ولا تزال تحول دون تحقق أية “نهضة” أو “صحوة” عربية مسلمة برغم كل ما قيل عن مشاريع في هذا الاطار، تساقطت تباعا، بسبب فلربما تزييف أو تحريف أو “تعطيف” في إعمال قوة اللغة العربية خارج الحقائق الدلالية لمفردات ما رُفع بها من مشاريع “تاريخية”.
على أن مثل هذه الدعوة في الانفتاح على خطابات نقدية تنال بسهامها صخرة اللغة العربية، مثلما سدده قوس أدونيس، لا تعني بالضرورة الموافقة المطلقة على ما يستهدفه هذا المفكر من مشروع، وحمل وتبنيه ككتلة واحدة، فالرجل عندما حدد أزمة اللغة العربية بوصفها ذروة سنام أزمة الثقافة العربية والاسلامية من خلال عنصري السلطة والدين، يكون قد اختار له زاوية رؤية أيديولوجية مقابلة لزوايا نظر الاخرين ممن يعارضونه، والذين من خلال زوايهم تلك، هم أيضا يقرؤون بدورهم أسباب التخلف اللغوي والثقافي العربي، لكن وفق إما مشروع نقدي لبراديغم الاخر الذي يرون أن أدونيس ينطلق منه، أو من أفق تأسيسي براديغم إسلامي عربي لا تزال ترنو إليه الثقافة عندنا، وهذا مذ أذن في مسامع أناسها بمشروع النهضة وثم الصحوة ولم ينهض مشروع ولم يصحُ أحد !
لكن واضح هنا أن ما اعتبره أدونيس ضيقا أو بالأحرى تضييقا في اللغة، يلقى بآثاره المباشرة على موقف الانسان العربي مما هو حوله من مستجدات التاريخ، لا يكاد يعثر له على مرجعية دلالية لغوية لتعامل معها بوصفها طارئة على مخياله، منصرمة عما لديه من قواميس الدلالات والتعبيرات، يتقصد به تفكيك ما قد ينعت بعائق الطابو اللغوي الذي يعيد تشكيل، عبر ألية التحجيم والتلجيم السائدة في الخطاب الثقافي العربي، العوالم في العقل والمخيال العربي، وبمعنى أدق أن لا يظل البعد الأخلاقي كمحتوى دلالي عنصرا حاسما في سيرورة اللغة العربية، وهو ما سيجعلها تتحرر، مثلما أشار إليه أدونيس من سلطان الدين.
بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو، هل سياق أزمة الدين في الثقافة العربية هو ذاته في الثقافة التي من خلال أصولها وأدواتها بنى أدونيس نقده للثقافة العربية ومحورية اللغة القابعة تحت القبضة الأيديولوجية للسلطة والدين؟
إن الأسماء والكلمات المتعلقة بالأشياء كانت منطلق قصة الوجود الأولى من المنطوق المرجعي الأول للثقافة العربية الإسلامية وهو القرآن الكريم، في اكتساب آلية تسمية الأشياء “علم آدم الأسماء كلها” كإشارة إلى خصيصة لهذا المخلوق الطارئ على الوجود بوصفه كائن معرفي، فضلا عما استتبع ذلك من إبانة لوسائل استمرار هذا البعد التكويني المعرفي، سواء في تحديد دعامتي اكتساب الثقافة بلفظتي “اقرأ” و”علم بالقلم” وحتى “وما يسطرون”، من هنا يبدو الاشكال يتجاوز مستوى ما قد يعتبر أزمة في المخزون المرجعي بنطاقيه التأسيسي والتراثي إلى مسألة العقل وما علق به من شاكل بنيوية نتجت عن انحباس في التفاعل التاريخي مع تراثه من جهة ومع التاريخ ولربما كان الأول سببا للثاني.
عندما نأتي إلى قصة الوجود التي تقدمت كإطار تحديدي لماهية هذا المخلوق، وعبرت عنه من خلال اختبار سؤال معرفي “انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين” “قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم”، ونجدها قد سبقت التحديد في الماهية للإطار الأخلاقي “ لَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ” ندرك بأن العنصرين متلازمين في السياق القرآني بوصفه أساس تكوين اللغة العربية ذات المشروع الحضاري الجديد، أي الما بعد الجاهلية أو كما تحدد في الخط التاريخي العربي والاسلامي.
كل هذا التأطير المفاهيمي النظري لجدلية اللغة العربية بوصفها قاعدة البناء الوجودي الحضاري للأمة، لا يلغي حقيقة الازمة التاريخية التي ترزح فيها من خلال ظاهرة الانحباس في عديد فروع وصنوف العلم والمعرفة، ففي السياسة، كما أشرنا في عديد مقالاتنا، لا تزال المعرفة فيها مستعصية المراجعة وإعادة التأسيس للعديد من أحكامها السلطانية القديمة، بسبب ملابسات التاريخ الإسلامي ما تداخل فيه من عناصر فقهية قامت على مرويات تصارعية اثنية مذهبية قبلية في مجتمع غاية في التعقيد البدوي، حتى صار الحديث عن تلك الاحكام يؤخذ مأخذ العبث بالمقدس ! لأنها حُملت محمل النص وبالتالي الحقيقة، لكن ذلك يظل من أعراض أمراض العقل العربي والإسلامي ليس غير، أي ليس عنصرا كامنا في بنية النص المفتوح على كل جهد قرائي عبر التاريخ.
كما أن السؤال لينبسط هنا أيضا بقوة، أين هي تلك اللغة غير العربية التي لا تكاد تحمل أو تُحمَّل طابوهات؟
عندما ننظر في خطاب الصراعات الوجودية في العالم اليوم، بما في ذلك في أقطار وأقطاب الحرية فيه، نجد حضورا قويا للممنوعات تشير اليها ملفوظات ومفردات تم عمدا ارساخها في الوعي البشري باعتبارها خطوطا حمراء لا ينبغي تعدِّيها كحدود للتعبير عن الرأي، من مثل “الهلوكوست” أو محرقة اليهود، الحقيقة غير القابلة للتحقيق التاريخي!
وتتسع دائرة الممنوع من التمدد في اللغة إلى ما هو خصوصي الدلالة في سياقات الخطابات التصارعية للكبار، كلفظ الإرهاب، الذي بمأزق ما تم ابقاؤه عليه من تحديدات في التعريف والتعرية الدلالية، استحال وسيلة للعدوان ولتصنيف الدولي بحسب غرض وأهداف القوى المسيطرة على لغة سياسية والاعلام في العالم، فالإرهابي يظهر كذلك فقط بحسب القوى إرادة المالك الحصري لشرعية التصنيف والتحديد، في الزمان والمكان المناسبين والملف المناسب، فالجولاني مثلا، عُذَّ في فترة ما،إرهابيا من الغرب والروس على حد سواء في المسألة السورية، لا يزال اليوم كذلك في الخطاب الإعلامي والسياسي الروسي، بينما تحول إلى رجل دولة وثوري لدى الامريكان والمجموع حكومات الغرب !
خلاصة ما فات من تحليل هو أنه صحيح أن اللغة العربية تحمل في مكنونها أزمة الثقافة العربية والإسلامية، بسبب ما تعيشه من جدلية بنيوية كانت قد أقامت عليها سياقها التاريخي ونموذجها الثقافي الأول، وهي اليوم محل نقاش كبير، من مثل ما يطرحه المفكر السوري أدونيس من أزمة عدم القدرة على الإفصاح الفردي داخل السياق الثقافي الجماعي، بسبب المحذورات والمحظورات التي تأسست في مراحل قيام المشروع الحضاري الأول، والذي لم يعد بتراثيته بقادر على أن يدفع عنه وعن الأمة سيل التاريخ من قوة المعرفة ومعرفة القوة، وهو ما يبطل من المهد كل مبادرات قيام الامة مجددا في تدافعات التاريخ، لكن يظل لزاما التأكيد على أن من أهم عناصر الازمة سواء ضاقت أم اتسعت هو أنها لم تتناول باعتبارها أزمة في سياقها الذاتي الذي ضُرب عنه صفحا في الخطاب الحداثي العربي المسـتأصل لكل أصل والمتأصل في مقولة القطيعة الابستمولوجيا، وإركان التراث في ما هو قائم فيه بأقاصي زوايا الزمن واحتباسه هناك بلا دور يلعبه في إعادة تعريف وبناء الذات، لا يزال أمام العقل العربي الكثير من الجهد، لعبور خطاب التسطح في تناول اشكالاته أولا، عبر معاودة فهمها بعمق، ومن ثم السعي لإنتاج تفسيراته الخاصة للتاريخ من خلال لغة تعتمل بلا أخلقة طابوهاتية مكبلة لجهوده وبلا انفلات من الذات بحسبان ذلك ضرورة منهجية وشرط ابستيمولوجي للنجاة باللغة وللغة العربية.





