«الإنسان العربي بين اغتراب الذات وتشظي المكان: قراءة سوسيولوجية-جمالية في خطاب اللوحة» كمال المصطفى*

تقدم هذه اللوحة للفنان التشكيلي علي نفنوف خطابًا بصريًا كثيفًا لا ينزع إلى تمثيل الواقع تمثيلًا فوتوغرافيًا، بل يعيد إنتاجه عبر لغة تشكيلية تجريدية-تعبيرية، تجعل من اللون والخط والكتلة رموزًا لسردية اجتماعية وثقافية تعكس أزمة الإنسان العربي في علاقته بذاته ومحيطه. فاللوحة لا تقدم مشهدًا محددًا، وإنما تؤسس لنص بصري مفتوح على التأويل، تتقاطع فيه الدلالات الرمزية مع البعد الجمالي والاستعاري لتنتج رؤية نقدية للواقع.
من الناحية الرمزية، تتصدر الكتل البشرية فضاء اللوحة في هيئة أجساد مختزلة ووجوه بلا ملامح واضحة، وهو ما يحيل إلى فقدان الفرد خصوصيته داخل الجماعة، حيث تتحول الذات إلى كيان مجهول يذوب في كتلة اجتماعية تعيش الاغتراب. إن غياب الملامح ليس نقصًا تشكيليًا، بل هو استراتيجية دلالية ترمز إلى محو الهوية الفردية تحت وطأة القهر السياسي والاجتماعي والثقافي. كما أن تكرار الرؤوس واتجاهاتها المختلفة يعكس تعدد الأصوات والرؤى، لكنه في الوقت نفسه يكشف غياب التواصل الحقيقي بينها، وكأن الجميع يعيشون عزلة مشتركة داخل فضاء واحد.
أما الخلفية الزرقاء الواسعة فتتجاوز بعدها اللوني لتصبح استعارة للفراغ الوجودي، أو لذاكرة جمعية مثقلة بالحلم المؤجل. فاللون الأزرق، رغم ارتباطه تقليديًا بالسكينة، يتحول هنا إلى فضاء بارد يحتضن شخصيات مثقلة بالقلق والانتظار، بينما تتخلل اللوحة بقع حمراء وسوداء وبنية تشكل علامات على الألم والعنف والاحتراق الداخلي. إن هذا التضاد اللوني يعيد إنتاج جدلية الحياة والموت، والأمل والانكسار، التي تطبع التجربة العربية المعاصرة.
وتبرز في يمين اللوحة أشكال هندسية عمودية تشبه الأبنية أو الكتل العمرانية، لكنها تبدو جامدة ومنفصلة عن الكائنات البشرية. وهنا تتجسد استعارة المدينة العربية الحديثة التي اتسعت عمرانياً لكنها ضاقت إنسانياً. فالمدينة، بدلاً من أن تكون فضاءً للاندماج الاجتماعي، تتحول إلى بنية صامتة تراقب الإنسان وهو يفقد علاقته بالمكان. إن هذا الانفصال بين الكتلة البشرية والكتلة العمرانية يعكس أزمة المجال العام، حيث تتراجع الروابط الاجتماعية أمام هيمنة البناء المادي.
جماليًا، تعتمد اللوحة على تفكيك الشكل الواقعي لصالح بناء تعبيري يقوم على التشويه المقصود، وهو ما ينسجم مع فلسفة الفن التعبيري الذي يرى أن الحقيقة لا تكمن في نقل الواقع كما هو، بل في الكشف عن توتراته الداخلية. فالخطوط السوداء السميكة لا تحدد الأشكال فحسب، وإنما تخلق إحساسًا بالاختناق والانغلاق، بينما تمنح ضربات الفرشاة الحرة اللوحة إيقاعًا حركيًا يجعل المشهد وكأنه يعيش حالة اضطراب دائم.
أما البعد الاستعاري فيتجلى في تحويل الجسد الإنساني إلى علامة اجتماعية. فالجسد هنا ليس موضوعًا تشكيليًا، وإنما استعارة للمجتمع العربي ذاته؛ مجتمع يحمل آثار الانقسام والهجرة والخوف والانتظار. كذلك فإن تداخل الأجساد دون حدود فاصلة يوحي بذوبان المصائر الفردية في مصير جماعي واحد، حيث تصبح معاناة الفرد امتدادًا لمعاناة الجماعة.
ومن منظور سوسيولوجيا الفن، لا يمكن فصل هذا النص البصري عن سياقه الاجتماعي. فاللوحة تعكس بنية مجتمع يعيش تحولات عميقة؛ من صراعات الهوية، وتآكل الروابط الاجتماعية، إلى آثار الحروب والهجرة والتفاوت الطبقي. ووفقًا للتصور السوسيولوجي للفن، فإن العمل الفني لا يمثل الواقع بصورة مباشرة، بل يعيد تشكيله داخل نسق رمزي يكشف ما تخفيه البنى الاجتماعية. لذلك تصبح الشخصيات المجهولة تمثيلًا للفاعل الاجتماعي الذي فقد قدرته على التأثير، بينما تتحول المدينة إلى رمز لبنية اجتماعية تنتج التهميش بدل الاندماج.
إن العلاقة بين النص والواقع العربي ليست علاقة محاكاة، بل علاقة إعادة تأويل. فاللوحة لا توثق حدثًا بعينه، وإنما تختزل خبرة تاريخية عربية اتسمت بالاغتراب، والاستبداد، والهجرة، والانقسام، والتطلع الدائم إلى الخلاص. ولذلك تغدو اللوحة وثيقة جمالية تحمل في بنيتها الرمزية نقدًا اجتماعيًا عميقًا، حيث يتداخل الذاتي بالجماعي، والوجودي بالسياسي، والفردي بالتاريخي.
وفي المحصلة، ينجح هذا النص التشكيلي في تحويل اللون والخط والفراغ إلى لغة سوسيولوجية تكشف هشاشة الإنسان العربي داخل فضاء اجتماعي مأزوم. فالقيمة الجمالية للعمل لا تنبع من جمال الشكل وحده، وإنما من قدرته على إنتاج المعنى، وتحويل التجربة الاجتماعية إلى استعارة بصرية مفتوحة، تجعل المتلقي شريكًا في إعادة بناء الدلالة، لا مجرد مشاهد سلبي أمام اللوحة. ومن ثم، يغدو العمل الفني خطابًا نقديًا حول الإنسان والسلطة والمدينة والهوية، بقدر ما هو تجربة جمالية تنتمي إلى الفن التعبيري المعاصر.
*ناقد وتشكيلي_ المغرب





