مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

أسبازيا مُعلِّمة الخطابة – إمام عبد الفتاح إمام

خامسًا: حجتان ضد «مينكسينوس»

لكنَّ هناك مشكلتين يثيرهما بعض الباحثين على النحو التالي:

  • المشكلة الأولى: أن هذا الخطاب الذي أورده سقراط على لسان أسبازيا ليست له أهمية فلسفية، فهو مجرد ضرب من البلاغة، أو البيان، أو الفصاحة اللغوية دون أن ينطوي على أية أفكار فلسفية بالمعنى الدقيق لهذا اللفظ.
  • المشكلة الثانية: أنه على الرغم من أن أفلاطون هو الذي كتب محاورة مينكسينوس، وعلى الرغم من أن وجهة النظر التي نسبها إلى أسبازيا صحيحة، وهي خاصة بها فعلًا، فإن أفلاطون كان يسخر من الخطابة والخطباء، حتى إن المحاورة بأسرها يمكن أن تُعَد — في نظر البعض — قطعةً من أدب «السخرية والتهكم»، ومن ثَم فإن أفلاطون لم يكن جادًّا عندما كتب هذه المحاورة!

أما بالنسبة للمشكلة الأولى فإن أصحاب الرأي الذي يقول إن الخطاب ليست له أهمية فلسفية مطالبون بالرد على الأسئلة الآتية:

  • (١)كيف يتفق ذلك مع القول بأن أفلاطون هو صاحب المحاورة؟ وبعبارة أخرى: كيف نفسر كتابة أفلاطون لهذه المحاورة رغم طابعها اللافلسفي الظاهر؟ كيف يمكن أن نقول إن هذه المحاورة هي العمل الوحيد «اللافلسفي» لأفلاطون؟ وكيف تستقيم مع بقية محاوراته؟
  • (٢)ومن ناحية أخرى ألم يكن «فن الخطابة» فرعًا من الفلسفة؟ ألم يفرق أفلاطون نفسه في محاورة جورجياس بين نوعين من الخطابة أحدهما يعتمد على النفاق والتملق وهو نوع رديء ومرفوض، والآخر وحده جميل ومطلوب وهو الذي يعمل على جعل نفوس المواطنين أفضل.٢٨
  • (٣)ألم يكتب أرسطو كتابًا مستقلًّا عن الخطابة، ويشير فيه بالفعل إلى «الخطاب الجنائزي» الذي ذكره سقراط على لسان أسبازيا ليقول بعد ذلك — في لمحة ذكية بارعة: «ليس من الصعب أن نمتدح الأثينيين ونحن بين ظَهرانَيهم، لكن المشكلة حقًّا أن نمتدح الأثيني في اسبرطة.»٢٩ عدوة أثينا اللدود! ومن المحتمل أن أرسطو كان يقرر صدق محاورة مينكسينوس، كما أنه كان يتابع تراث الأكاديمية المبكر، وهو يزودنا بمِفتاح لتفسير المحاورة.٣٠
  • (٤)ألم تكن الخطابة من بين المجموعة الثلاثية Trivium — طَوال العصور الوسطى — التي كانت تضم فقه اللغة، والخطابة، والمنطق، وكانت تسمى ﺑ «العلوم العقلية»؛ لأنها تتناول أفعال العقل، ما يدل على الوضع «العقلي»، ومن ثَم الفلسفي، للخطابة عند اليونان وفي العصور الوسطى؟

والمشكلة الثانية: هي أن أفلاطون لم يكن جادًّا، بل إن محاورة مينكسينوس ليست سوى قطعة من أدب السخرية والتهكم. فالخطابة في عصر أفلاطون بصفة خاصة كانت جزءًا من الفلسفة السوفِسطائية. ولم تكن شخصية أسبازيا شخصية أدبية أو خرافية خلقها أفلاطون، بل إن العكس هو الصحيح، فقد تمتعت هذه المرأة بشهرة عريضة؛ ولهذا فإن الأدنى إلى الصواب أن نقول إن أفلاطون كان يضع في ذهنه أسبازيا مُعلمة الخطابة السوفِسطائية، وأنها ساهمت مع غيرها في نمو الحركة السوفِسطائية، كما أسهمت إسهاماتٍ ملحوظةً في تطور فن الخطابة، وأنها كانت رسولًا لهذا الفكر الجديد الذي كان يعتقد أفلاطون أن له نتائجَ سلبيةً على أثينا.

ومعنى ذلك أن «محاورة مينكسينوس» كُتبت لنقد أسبازيا السوفِسطائية، وللسخرية مما تقول، والتهكم من فن الخطابة حتى مع اعتراف أفلاطون أن هذا الفن فرع من الفلسفة، ومع تسليمه بأن أسبازيا فيلسوفة، لكنها فيلسوفة سوفِسطائية تستحق التهكم والنقد كغيرها من السوفِسطائيين في عصره. وعلى الرغم من أننا في هذه الحالة نكون قد وصلنا إلى النتيجة التي نريد إثباتها، وهي قدرة «أسبازيا» — والمرأة بصفة عامة — على التفلسف، حتى بغض النظر عن نوع هذه الفلسفة، فإننا نود أن نقف قليلًا عند «النتائج السلبية» التي كانت في ذهن أفلاطون.

سادسًا: أسبازيا وحركة الخطابة السوفِسطائية

ما هي النتائج السلبية التي كانت في ذهن أفلاطون عندما أراد نقد حركة الخطابة السوفِسطائية؟

لا شك أن أفلاطون كان في ذهنه، عندما كتب محاورة «مينكسينوس»، الانتقادات التي سوف يوجهها بعد ذلك إلى النظام الديمقراطي في محاورة «الجمهورية». ولقد سبق أن رأيناه يجعل النظام الأرستقراطي هو الأفضل، حتى على لسان أسبازيا زوجة بركليس رائد الديمقراطية الأثينية. ولا شك أيضًا أن كراهية أفلاطون للديمقراطية جاءت من أنه تصوَّرها ضربًا من الفوضى يكون فيه الإنسان حرًّا لا يقيده قيد، ولا يخضع لسيد … إلخ.٣١ ففي الكتاب الثامن من «الجمهورية» يعتقد أن سِمة الديمقراطية الإفراطُ في كل شيء؛ في الحرية الفاسدة، والمساواة الفاسدة: «إذ يغدو العبيد الذين يُشترَون بالمال متساوِين في حريتهم مع مُلَّاكهم الذين اشترَوهم.»٣٢ وفي محاورة القوانين يقول: «إن الحرية التامَّة والمطلقة من قيود جميع أنواع السلطة هي شيء أسوأ بكثير من الخضوع لحاكم محدود القوى …».٣٣ فليس ثمة تحرر كامل من كل نوع من أنواع السلطة.

لكن ما عَلاقة ذلك بأسبازيا؟ وماذا نقول في أمر أسبازيا مُعلِّمة فن الخطابة؟

نقول إن أفلاطون تعلم منها الكثير من «فن الخطابة» على نحو ما تعلم سقراط، ولكن ربما كان ما تعلمه أفلاطون هو الأضرار أو الآثار السيئة التي ينطوي عليها فن الخطابة كفرع من أفرع الفلسفة؛ ذلك لأن الفلسفة عنده نظام من المعرفة يسعى للكشف عن الحقيقة، كما يسعى لتنوير أذهان الناس. لكن الفلسفة، من ناحية أخرى، لديها القدرة على إقناع الناس بأشياء غير صحيحة، أو قُل إن لديها القدرةَ على طمس الحقيقة، ولا سيما إذا لم يكن المستمع على قدر كافٍ من الذكاء — مثل سقراط أو أفلاطون — يمكِّنه من اكتشاف ذلك، ومن هنا تأتي أهمية نقد «الخطاب الجنائزي» الذي حفظه سقراط عن أسبازيا، وما فيه من ادعاءات وتزييف للتاريخ، وألوان من البلاغة تدغدغ مشاعر الناس بغير حق. ولعل هذا هو ما جعل أفلاطون يبدأ المحاورة بافتتاحية تنطوي على سخرية من نفاق الخطباء الذين يمتدحون المواطن بخلال ليست فيه حتى «يُمسي مسحورًا بهذه الكلمات»، وقد يتصور نفسه وقد أصبح إنسانًا عظيمًا!

ومن هنا فإننا نستطيع أن نقول إن ما حفظه سقراط هو «فن الخطابة السوفِسطائية» وذلك يعني قوة التأثير في الجماهير، والحديث في أمور من شأنها أن تجعل الشعب ينخدع فيظن في نفسه شيئًا آخر غير ما يعرف!

إننا إذا ما وضعنا في أذهاننا صورة أثينا عام ٣٨٦ق.م.، فلا ينبغي علينا أن نقول إن هذا «التشويه للتاريخ» نابع من تعظيم الديمقراطية الأثينية؛ فقد أدان الأثينيون أنفسُهم هذه الديمقراطية. غير أن الموضوع الأول الذي ينبغي إدانته — وهو المصدر الرئيسي للخطابة — هو أسبازيا: هذه الأيونية «المستنيرة» التي كانت العضو النسائي الوحيد في حلقة بركليس.٣٤ على ما يقول أحد أنصار هذه الوجهة من النظر: إدموند بلودو Edmund Bloedow.

الخاتمة

إننا إذا ما أخذنا بوجهة النظر التي تقول إن أفلاطون كتب محاورة «مينكسينوس» للسخرية والتهكم من أسبازيا، وما تمثله من فن الخطابة السوفِسطائي — وهذا أمر جائز — فسوف يترتب على ذلك عدة أمور هامة على النحو التالي:

  • (١)سوف يعني ذلك بوضوح أن أسبازيا كانت واحدة من المثقفين اللامعين، والمفكرين المؤثرين في حياة أثينا، وأنها صاحبة عقل لماح في الموضوعات السياسية التي تهم الشعب، فضلًا عن اهتمامها بفن الخطابة.
  • (٢)إن معنى ذلك أن نأخذ بجِديةٍ واقعةَ أنها تعاونت مع بركليس في كتابة خطابه الجنائزي الشهير.
  • (٣)أن أسبازيا كانت في ذلك الوقت في مركز الحلقة الفلسفية السوفِسطائية، وهي حلقة كرَّست نفسها لتحليل البيان وشرح وكتابة فن الخطابة.
  • (٤)معناه أيضًا أن أفلاطون نظر إليها على أنها مصدر تهديد، وليس تهديدًا شخصيًّا، بل تهديد سياسي وعقلي في الحياة الثقافية الأثينية.
  • (٥)يبدو أن أفلاطون اعتبرها ممثلةً لسوء استخدام الفلسفة، بل وسوء استخدام الحكمة والحقيقة من خلال سيطرتها على البيان، وموهبتها في فن الخطابة.
  • (٦)يبدو أن تهمة الإلحاد التي وُجهت إليها، والتي حوكمت بسببها أمام ألف وخمسمائة من القضاة، كانت دليلًا آخر على أن الآخرين كانوا يعتبرونها أيضًا مصدر تهديد، يضاف إلى ذلك تخليد ذكراها في لوحة الجص المرسومة على بوابة مكتبة الجامعة، والتي تدل على تقدير الأثينيين لها كمفكرة أثينية في دولة المدينة.

١  وِل ديورانت: «قصة الحضارة»، المجلد السابع، ترجمة الأستاذ محمد بدران، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ص١٨.

٢  المرجع السابق، ص١٩.

٣  James Donaldson: Women: “Her Position and Her Influence in Ancient Greece and Rome”, N.Y. 1973. p. 61.

٤  المرجع السابق نفسه؛ وانظر أيضًا: د. إمام عبد الفتاح إمام، «أفلاطون والمرأة»، ص٤٠-٤١، مكتبة مدبولي بالقاهرة.

٥  وِل ديورانت: «قصة الحضارة»، المجلد السابع، ص١٩.

٦  وِل ديورانت: المرجع السابق، ص٥؛ وانظر كتاب ماري إلين ويث: «تاريخ الفلاسفة من النساء»، المجلد الأول، ص٧٥.

٧  Plato: Menexenus: 235C–236B.

٨  أقنع بركليس الجمعية الوطنية في أثينا بصرف الأموال اللازمة لبناء أسوار لا يقل طولها عن ثمانية أمتار سُميت «بالأسوار الطويلة» تصل أثينا وبيريه. ونظرت اسبرطة إلى هذا العمل على أنه عدائي، فسيرت جيشًا هزم الأثينيين عند تنجارا Tangara رغم ما أصاب الفريقين من خسائر فادحة. انظر:
Thucydides: History of the Peloponnesian War, p. 98 Eng. Trans. by Rex Warner, 1954. Penguin Classics.

٩  قبل الاحتفال بثلاثة أيام يقيم الأثينيون — على نفقة الدولة — خيمة يضعون تحتها عظام الشهداء، وفي أثناء الجنازة توضع العظام في توابيت مصنوعة من خشب السَّرْو وتُحمل على نعش، كما أنهم يحملون نعشًا فارغًا تغطيه سُجُف ويرمز إلى القتلى من الجنود الذين لم يُعثرْ على جثثهم بعد المعركة. ويسير في موكب الجنازة من يشاء من الناس، سواء أكان مواطنًا أم أجنبيًّا يعيش بينهم. ويوجد القبر الرسمي في أجمل بقعة خارج الأسوار، وفيه تُدفن عظام شهداء الحرب. وعندما يتم دفن بقايا الموتى في الأرض يقوم رجل مرموق معظم في أعين الناس تنتخبه المدينة ليلقي خطبة يؤبِّن فيها الشهداء، وبعد ذلك يتفرق الجمهور. وقد اختارت أثينا «بركليس» ليكون خطيب الاحتفال بذكرى الشهداء الأول الذين وقفوا في ساحة المعركة. راجِع في ذلك: تشارلز ألكسندر روبنصن (الابن): «أثينا في عهد بركليس»، ترجمة الدكتور أنيس فريحة، مكتبة لبنان، عام ١٩٦٦م، ص٧٢-٧٣.

١٠  Thucydides: History of the Peloponnesian War, p. 144.

١١  Ibid., p. 145.

١٢  Thucydides: Ibid., pp. 147-148.

١٣  Thucydides: Ibid., p. 149.

١٤  The Dialogues of Plato, vol. I. Trans. by R. E. Allen, Yale University Press, 1984, p. 319.

١٥  أفلاطون: محاورة مينكسينوس، ٢٣٥أ-ب؛ وانظر أيضًا الشرح الذي قدمت به «إلين» لترجمتها لهذه المحاورة في كتاب «محاورات أفلاطون» السالف الذكر، ص٣١٩.

١٦  Plato: Menexenus, 236B.

١٧  Ibid., 230C.

١٨  Plato: Menexenus, 236D.

١٩  Ibid..

٢٠  هنا نجد إشارة إلى أسطورة النزاع بين الآلهة — ولا سيما الإله بوسيدون إله البحر والإلهة أثينا إلهة الحكمة — على هذه المدينة. وتضيف أسبازيا: «كيف يمكن للمدينة (أو الدولة) التي يتنازع حولها الآلهة ألا يمتدحها الجنس البشري بأكمله؟» محاورة مينكسينوس، ٢٣٧ﺟ.

٢١  Plato: Menexenus: 237D, 238B.

٢٢  هذا هو رأي أفلاطون الذي كان يعتقد أن الديمقراطية مرادفة للفوضى ولحكم الغوغاء. أما النظام الأمثل للحكم، في نظره، فهو النظام الأرستقراطي. قارِن د. إمام عبد الفتاح إمام: «الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي»، ص١٠١ وما بعدها.

٢٣  أفلاطون: محاورة مينكسينوس، ٢٣٨ﺟ.

٢٤  الماراثون Marathon: سهل في الجزء الشرقي من وسط بلاد اليونان على بُعد ٣٩كم إلى الشمال الشرقي من أثينا. فيه هَزم الأثينيون (سبتمبر ٤٩٠ق.م.) القوات الغازية، وأرسلوا أحد الجنود يعدو إلى أثينا ليبلغهم نبأ النصر، وظل يجري إلى أن وصل وأبلغهم، ثم سقط ميتًا! وكانوا يحتفلون كل عام «بسباق الجري» باسم سباق الماراثون تخليدًا لذكرى ذلك الجندي البطل!

٢٥  سلاميس Salamis: جزيرة تقع على خليج سارونيك إلى الغرب من العاصمة أثينا. دارت على مقربة منها عام ٤٨٠ق.م. المعركة الحاسمة التي أعلنت انتصار اليونان نهائيًّا على الفرس.

٢٦  أفلاطون: محاورة مينكسينوس، ٢٤١أ-ب.

٢٧  أفلاطون: محاورة مينكسينوس، ٢٤٥أ.

٢٨  Plato: Gorgias 503A.

٢٩  أرسطو: «الخطابة»، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، عام ١٩٨٦م، ص٦٧.

٣٠  The Dialogues of Plato. Trans. by R. E. Allen: p. 319.

٣١  د. إمام عبد الفتاح إمام: «الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي»، ص١٠٦.

٣٢  أفلاطون: محاورة «الجمهورية»، ٥٦٣، (قارِن ترجمة د. فؤاد زكريا، ص٤٨٤-٤٨٥).

٣٣  أفلاطون: محاورة القوانين، ٦٩٨أ.

٣٤  Quoted by: Mary Ellen Waithe: op. cit. p. 79.

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading