كتابات حرة

أدب الرحلات:ابراهيم سليمان نادر نموذجاً✍محمدسامي عبد الكريم

رسم توضيحي لرجل في منتصف العمر، يظهر بتعبير تفكيري، مع خلفية ملونة.

ليس أدب الرحلات مجرّد وصف لطريق قُطع ، ولا تدوين لأمكنة عفا عنها الزمن ؛ بل هو فنّ رفيع يُعيد صياغة العالم بلغة الدهشة قبل لغة الجغرافيا ، هو ذلك اللون الأدبي الذي لا يكتفي بأن يقول لنا أين ذهب الكاتب ، بل يخبرنا كيف تغيّر وهو يذهب ، وكيف عاد وهو يحمل في داخله أكثر مما حمل في حقائبه .

في أدب الرحلات ، تتكلم المدن كالاحياء ، لها نبض وأمزجة ، وتغدو الشعوب كصفحات كتاب ، تقرأها العين كما يقرأها القلب ، لا تُقاس الرحلة فيه بالمسافات ، بل بعمق الدهشة ، ولا تُوزن بقيمة ما شوهد فقط ، بل بما أُعيد اكتشافه من الذات ، إنه أدب المقارنة الخفية بين ( أنا ) و( الآخر ) ، حيث لا يعود الآخر غريبا ، بل مرآة تُعيد تشكيل ملامحنا .

ولعلّ أجمل ما في هذا الأدب أنه يحرر المكان من صمته فيجعله يتكلم بلسان الكاتب ، ويمنح الزمن ذاكرة لا تنسى ، فالرحالة الحقيقي لا يمرّ بالأمكنة مرور العابرين ، بل ينصت إلى همساتها ، ويجمع شظايا حكاياتها ، ثم يعيد نسجها بخيوط من التأمل والدهشة .

وفي هذا السياق ، يبرز الأستاذ إبراهيم سليمان نادر بوصفه نموذجا متفردا لمن فهموا أدب الرحلات لا كرحلة الى الخارج فحسب ، بل كرحلة الى الداخل أيضا. لم يكن الاستاذ ابراهيم نادر رحّالة يجمع الصور ، بل كان جامعا للمعاني ، صيّادا للحظات الإنسانية التي لا تُرى إلا بعينٍ تمرّنت على التأمل .

أسلوبه الأخّاذ لا يكمن في فصاحة العبارة وحدها ، بل في قدرته على جعل القارئ شريكا في الرحلة ، لا متفرجا عليها ، يكتب وكأنه يمسك بيد قارئه ، ويقوده بين الأزقة ، ويوقفه عند وجوه الناس ، ويهمس له : ( انظر… هنا يكمن سرّ المكان ) .

الاستاذ ابراهيم لا يكتفي بوصف العادات والتقاليد ، بل يغوص في عمقها ، باحثا عن جذورها ، عن ذلك الخيط الخفي الذي يربط الإنسان بأرضه ، وتاريخه ، ومخاوفه ، وأحلامه ، لم تكن رحلاته استعراضا للغرابة ، بل محاولة لفهمها ، وتفكيكها ، وإعادة تقديمها بلغة إنسانية تُقرب البعيد وتؤنس المختلف .

رجل مسن يرتدي قميصًا مخططًا يجلس على درابزين بجانب البحر، ممسكًا بكاميرا.

والاستاذ ابراهيم إضافة لكتاباته التي تدهش وتشد القاريء متحدث جيد يجعلنا نتحلق حوله نصغي بشغف ودهشة وهو يسرد علينا تجاربه ويقص خفايا مشاهداته من أوابد وشواهد معمارية أو أثرية أو تاريخية ، ولا انسى ابدا التفاصيل الدقيقة التي كان يسردها وهو يحدثنا عن تمثال عملاق في احدى الدول أوربية ، جعلنا نعيش لحظات مع التمثال حتى كدنا نتحسس معدنه.

وحين يتكلم عن شعب ما يحدثنا عن تجربة حية وكأنه واحد منهم ، شاركهم خبزهم ، وأصغي إلى صمتهم ، وقرأ ما بين سطور يومياتهم ، لذلك ، جاءت نصوصه نابضة بالحياة ، مشبعة بروح المكان ودلالاته .

الأستاذ إبراهيم سليمان نادر لم يكن مجرّد رحّالة يكتب ، بل كان شاهدا على الإنسان في تعدّده ، ومترجما لدهشة اللقاء الأول بين ثقافة وأخرى.

ولمن لا يعرف فأن للاستاذ ابراهيم( ٣٥)مؤلفا منها( هذا اليم من انسجتي ، مرفأ لا يتسع للحب ، سندريلا بلون الشقائق ، نهر الاباطرة ، اغصان متكسرة ، فانجي ، طليق مثل وجه الحمام ، انثى من دخان ، الشهوان……الخ).

بعضها فازت بجوائز وتحدث عنها النقاد ، وإضافة لكل ما تقدم يتصف الاستاذ ابراهيم بخلق عال ، يحترم الآخرين ، محب ، متعاون ، كريم ، وحضوره يضفي ألقا وبهجة .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading