مقالات اجتماعية

توسيع مفهوم غض البصر من المحور الجنسي إلى مبدأ أخلاقي عام ✍️د.وائل كريم

رجل يرتدي نظارات ويشير بإصبعه أثناء حديثه، خلفية حمراء.

قراءة وجوديّة–تشخيصية في قوله تعالى:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾**

مقدّمة:

تأتي هذه الآية ضمن سياق سورة النور، التي تُعنى ببناء منظومة قيمية–اجتماعية تحفظ كرامة الإنسان وتهذّب تفاعلاته. وقد أُولِيَت هذه الآية عبر التاريخ فهمًا فقهيًا ضيّقًا، حصرها في العلاقة بين الجنسين، بينما هي في بنيتها اللغوية والوجودية تحمل قانونًا تربويًا واسعًا يُهذّب أولى بوابات الوعي: العين، ثم يُتمّ البناء بحفظ مخرجات الوعي عبر اللسان.

أولًا: في معنى الغَضّ… تلطيفٌ لا منع

فالفعل غَضَّ في العربية لا يعني الغلق، ولا الكفّ التامّ، بل التخفيض والتلطيف والتنقية.

فالقرآن لم يقل: يغضّوا أبصارهم، بل قال: «مِنْ أَبْصَارِهِم»، أي ليأخذوا من رؤيتهم ما يناسب الوعي النقي، ويطرحوا ما يجرّ إلى الانفعال أو الأذى.

والغُصن الغَضّ هو الغصن الطريّ اللطيف، فكأن المطلوب من الإنسان:

أن يكون ردّ فعله على ما يراه طريًّا لطيفًا، غير جارح، ولا مندفع، ولا قاسٍ.

ثانيًا: البصر مرحلة ما بعد النظر

القرآن يفرّق بدقة بين:

• النظر: فعل العين.

• البصر: فعل الوعي.

فالنظر يلتقط الصورة، والبصر يفسّرها ويُنتِج ردّ الفعل.

ومن هنا جاء الأمر الإلهي موجّهًا إلى البصر لا إلى النظر:

«يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ»

أي ليهذّبوا الاستجابة الداخلية، ويلطفوا تفاعلهم مع الصوره المرئيّة.

وهذا المفهوم يُحوّل الآية من حكم فقهي إلى قانون تربوي شامل.

ثالثًا: امتداد الغضّ إلى كل ما نراه

وبهذا الفهم، فإن كلّ ما تقع عليه العين يدخل في مجال الآية:

1. إذا رأيت جمالًا، فالغضّ يحوّله إلى إطراءٍ لطيف لا إلى حسدٍ أو مقارنة مؤذية.

2. وإذا رأيت ما هو أقلّ جمالًا، فالغضّ يمنع النفور، والملامح التي تُشعر الآخر بالدونية.

3. وإذا رأيت عاجزًا أو فقيرًا، فالغضّ يجعلك تستر ضعفه لا أن تجعل منه مادة للشفقة المهينة.

4. وإذا رأيت خطأً أو عيبًا، فالغضّ يمنعك من تحويله إلى سخرية أو تشهير.

إنه قانون نُبل إنساني يبدأ من العين وينتهي عند القلب.

رابعًا: «وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»… إعادة اكتشاف المعنى اللغوي

حُصرَ “الفرج” في الفهم الفقهي بما بين الفخذين ، لكنه في اللغة أوسع بكثير؛ ففي “لسان العرب”:

• الفرج: كلُّ منفذ ومخرج.

• ويُطلق على الفم لأنه منفذ الكلام.

• ويُطلق على موضع السرّ.

يقال رجل فرج اي لا يحفظ السر

وبهذا يصبح معنى حفظ الفرج شاملًا لـ:

1. حفظ الفم:

• من الذمّ،

• من كشف الأسرار،

• من السخرية،

• من الانتقاص،

• من الفضيحة.

2. حفظ الكلام:

أن يكون صادقًا، لينًا، نقيًا، ممهورًا بالخير.

فتأتي الآية لتربط بين غضّ البصر (تهذيب الإدراك)، وحفظ الفرج (تهذيب التعبير):

ما تهذّب في الداخل يجب أن يتهذّب عند الخروج.

خامسًا: العلاقة الوجودية بين العين واللسان

تتحوّل الصورة التي تراها العين إلى:

حُكم داخلي → شعور → كلمة.

فإن لم يُهذَّب الإدراك: خرج الكلام جارحًا.

وإن لُطّف الإدراك: خرج الكلام رحيمًا، ساترًا، بانيًا للقلوب.

وهكذا يتحول معنى الآية إلى مبدأ أخلاقي عظيم:

نقِّل ما يدخل إلى قلبك عبر العين، ثم احفظ ما يخرج منه عبر لسانك.

سادسًا: «ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ»… النتيجة النهائية

الزكاة هنا ليست طهارة جسد، بل طهارة وعي.

إنها عملية متكاملة:

• تهذيب العين

• تهذيب القلب

• تهذيب اللسان

فيكون الإنسان القرآنيّ:

لا يفضح، لا يسخر، لا يهين، لا يحتقر، لا ينفر…

بل يرى بنور، ويتفاعل بلطف، ويتكلم بخير.

خاتمة:

بهذا الفهم الوجوديّ الواسع، تصبح آية النور (30) دستورًا أخلاقيًا لبناء وعي الإنسان.

إنه انتقال من ظاهر الأحكام إلى جوهر السلوك، ومن فقه الشكل إلى فقه الإنسان.

فغضّ البصر ليس إغلاق العين، بل فتح القلب على معنى الرحمة.

وحفظ الفرج ليس كبت الغريزة، بل حفظ اللسان من كل ما يهتك الإنسانية.

و«ذلك أزكى لهم» ليس وصفًا سلوكيًا، بل وعدٌ بالارتقاء النفسيّ والوجوديّ.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading