مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
الشعر الحر

أسرار القصبة – ريم البياتي – سورية

1 3



بهلولُ
عاد من زمانه
محملا
بالغيم والسنابل
من
نجمة
كهوفها
ضياءٌ
وفي
تخومها
كخاتم
العروس
يحيط قلب النبع
بالجداول.
بهلول
من مدينة جرارها قديمة
وخمرها
معتقٌ لا يفسدُ
يصب
في جديدها
فتزهر
الجرار لا تُبدّد
يظل
في مداره
جوهره
مؤبدُ
بهلول
من مدينة
أبوابها
عصيّةٌ
لكنها
لا تُوصدُ
***
 
وقال
حينما استراح في مدينتي الصغيرةْ
يا
أيها الذين تعبرون
لا
تغلقوا أبوابكم
ما
بينكم والماء خطوتان
فأسرجوا
حروفكم لتدركوا الجواب
يا
أيها الذين تصمتون
تلفّتوا…
أمامكم
مطاحن الحصى
وخلفكم
يقهقه الترابْ
***
وحينما
تحلقوا،
وأخرج
الجرابْ
تقاطرت
أفواههم
ومُجّت
الحصى
تنادوا:
يا
بهلول
يا
نبوءة السؤالْ
يا حاملاً موائد الفطام
في جرابه
وزمزم
الأرواح في قرابه
بهلول
يا (ديوجينْ)([1])
أتحمل
المصباح، والنهارْ
يفيق
ملء عينْ؟
فأشرقت
في ثغره وضاءة الإيمانْ
ودار
في المكان والزمانْ
وأنشدت
أزمانه تقولْ:
يا
أيها السؤولْ،
يا
أيها المحبوس في غمامة
تعاند
الهطولْ.
لفيفة
الكتمانِ
في
سرّة البيانِ
وبينكم
مصباحيَ القديم
ينقّب
النهار عن إنسانْ.
***
أتينا من التيه يوماً
وأحصينا
حول النخيل قروناً
تمدّ
ذراعيها للخاصرةْ
ففرّ
النخيل
وغارت
خطانا على درب أحلامنا الحاسرةْ،
فكيف
سنشدو
وذاك
الوثاق يشد اللسان بخيط السرابْ
يقول
المتيم:
في
دار ليلى مراود كحل
وبابُ
إيابْ.
***
 
أوّاه، يا بهلولْ
يا
نطفة البروقِ
يا
وليدها الرسولْ
يا
أيها المبلولْ
بالطين
والفصولْ.
“حملق
البهلول في جرابه
وأغلق
العينينْ
تكوّر
الزمان في قبابه
ودار
دورتين
فدارت
السهول والجبال
وعانقت
“تموزها”([2])
الغلال،
في
رهبة تبتل الدعاء
وأنجبت
أسماءها الأسماءْ.
يا
سيداً، تنام في جرابه الأسرارْ
يا
قابضاً في كفه مواسم
الرياح
والأمطارْ
وفي
سلاله البذارْ.

يا أيّها الذي رأى الأعماق”
تعال،
يا صديقيَ العتيقْ
نسابق
النهارْ
وحينما
يحار في مسارنا الطريقْ
سنخرج
الثمارْ
تهيئوا…
وأخرجوا
من قبوها الدنانْ
ولتخرج
الظباء والفهودْ.
وينضج
العنقودْ
ليعزف
المزمارْ
تفيق
من سباتها عشتارْ([3])
ويغزل
الراعي([4])
لها
من
أغنيات نايه
محابس
النوّارْ.
تجمعوا،
فأورق المكانْ
توشحت
رداءها الأشجارْ
وطافت
السهول بالحشائش النضارْ
وحينما
تلاقت الأصول والفروعْ
وظلّلت
بسعفها الجموعْ
أطلّت
الأطيار
تدور
في مسارها
مغلقة
مدارها
وأينع
الكلامْ
تعال،
يا قيثارةٌ أوتارها
مشدودة
بشهقة الحقبْ،
في
قصبة البهلول من أنغامها
ما
يُذهل العجبْ
تحلقوا…
تحلقوا
سيفتح
الجراب
فأنصتوا…
لتبلغوا الأربْ.
***
                                                                         وقبل
أن يقولْ
وقبل
أن تصبّ في جرارها
سلافة
العقولْ
تململت
أكوانها الثقاتْ
ومرّغت
أقلامها الرواةْ
في
لجّة مدادها صوابْ
سؤالها
في كنهه جوابْ
فطار
من جَنانها صداحْ
يا
أيها الذين في قصاعكم
عجينة
الحياة
تجمعوا…
سيمسح
البهلول عن وجوهكم
غشاوةً…
وينجلي
الصباحْ
***
 
خرجتْ…
ويا
سعد اللذين تجمعوا
ورأوا
النقاب يُزاح عن أخت القمرْ
عن
بعض روح أودعت في روحه
وعن
استدارة وجهها
تلك
التي أخذت تمام وضوحه
وعن
انحناءة خصرها
تلك
التي ورثت تضاريس الهلالْ
أزح
النقاب الآن، يا بهلولْ
عن
سرّ السلالْ
وانظر…
بعين
العاشقين إلى براقعها الثقالْ
لا
مثل” أكتيون”([5])
يهتك ستر ربات الجمالْ
هي
منه في بعض الخصالْ
في
سرّ قوتها
وسحر
غموضها
وتقلّبات
مزاجها
ووعودها
في
ضوئها الوهاج
يشرق
في
غمار صدودها
أهو
اتفاقٌ
أن
يكون لعمره ولخصبها
نفس
العددْ
أتكون
والدة الولدْ؟
دارت
بنا الأرجاء يا بهلول
من
مركز القطبِ
لخصر
الدائرةْ
يا
أيها القطب العصيّ على الأفولْ
هات
الرقائق من تخوم الذاكرة
قال
الذين تجمعوا:
من
قبل أن تتفتح الكلمات في شفة المدادِ
كنا
هناك
ندور
في الرحم المقدس
تسبح
الأنوار في فلك عتيمْ
كنا
ندور
وكل
شيء في البداية والنهاية دائرة
الأرض
أنثى
في
رحابة رحمها
ترسو
النواة
وكنه
قطب الدائرةْ
والأم
مثل الأرض
ميزاب
الوجود
وأول
الخطوات في قوس
سيغدو
دائرةْ
قال
الذين تجمعوا:
من
نقطة نغدو
لنكمل
دورة
ونعود
نهجع في
سكون
الدائرةْ.
***
 
يجري
بنا نهر السكون فلا نعودْ
و”الآن”
حيرى
والدقائق
سافرةْ
متوجّسات
الخطو
لكنّ
السدودْ
تلقي
بها في بطن بئر غائرةْ
قال
الذين تجمعوا
تتناسل
الأزمان من رحم الخلودْ
لكنّ
ألواح المصائر
 صاغرةْ
***
–  يا أيها الذين تركضونْ
أقدامكم
مكانس الطريق
وخلفكم…
على
الحرير يعبرونْ
يا
أيها الذين توقدون
سراجكمْ…
وزيته
المنونْ
ما
بينكم وبينهمْ
ألواح
من صوّانْ
في
خدّها نقوشكم
وقيدهم
كتمانْ
وذا
تنتال([6])
تنتالوس
يولمكم
على صخرةْ
ويصنع
من لحومكم لآلهة الضباب
موائد
النكتار
يا
تنتال… لم يهنوا
وظل
الصوت يا أبتاه
مشدوداً
إلى كفيك
قيد
الجوع
والأرباب
ما جمعوا
سوى
عينين مطفأتين
بعضَ
الجلد
صاروا
بلادك العمياء
تسعى
في مناكبها
وأنت
تنام في حفرة.


 


([1]): ديوجين: فيلسوف يوناني كان يحمل المصباح نهاراً.
([2]): تموز: إله الخصب عند القدماء.
([3]): عشتار: آلهة الحب والحرب في الحضارات القديمة.
([4]): الراعي: الإله الراعي كان ينافس تموز في حب عشتار.
([5]): أكتيون: أراد أن يكشف أسرار
الإلهة عشتار فمسخته
.
([6]):
تنتالوس:
تروي الأساطير أنه ملك ذبح ابنه وصنع منه طعاما وقدمه إلى الآلهة كي يحرجها ويقال إنها
تأكل لحوم البشر، ولكنهم اكتشفوا فعلته، وحينما حاولوا اعادة
الصبي إلى الحياة وجدوا أن أحد
الآلهة أكل جزءاً من
كتفه، فجعلوا الكتف من الرخام. وعاقبوا تنتالوس أن وضعوه في حفرة وجعلوا
الماء والشراب يتدلى إليه وحينما يصل إليه ويكاد يلمسه يرفعوه ثانية وظل أسير
الجوع في حفرته.


زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading