مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
الشعر الحر

أسرار الوراقين وقصائد اخرى – ريم البياتي – سوريا

1 2 1


أنبأني أبو نواس عن المجنون
قبيل الصبح تيمم ظلّ النخلةْ
إذ كان النخل وطلع النخل بهيا
كان المجنون يسافر عبر رؤاه
قصيا
يمسح عن وجه مواعيد العشاق
غبار الحربِ
ويجمع من تحت ركام الأعمار
كلاماً
مازال جنيناً في الأفواه
يلملم أمشاطاً سقطت
من شعر امرأة
وضعت أسماء مدينتها الحسنى
حرزاً في القلبِ وراحت
تستنطق كل لغات العطر،
وتسكب في كأس أبي نواس الحبّْ.
أنبأني الصبح عن المجنون
كانت بغداد تعدّ (القيمر)
والكرخيّ يبيع (الكاهي)([1])
للغرباء،
وأهل الله هنالك
يبتاعون شواهدهم،
يا إسماعيل…
أتعرف أين يقيم النقاشون؟
كلّ الأسماء على أضرحة عباد
الله
بلا شفةٍ،
من يحفظ أسماء العشاق
وأين يخبئ حبر الآتي الوراقون؟
يا إسماعيل…
تضيع دروب القلب
إذا ضاعتْ
أسماء العشاق
ومات الوراقون.
في الساحة كان أبو نواس يعاقر
آخر كأس
والأختام ترافق (شبعاد)([2])
و(أنخيدو)([3])
تقلّد عنق الزوراء قصائدها
فتطير حمامات (البيّاع)
وينفر نخل المحموديةْ،
احتار المجنون
ومدّ يديه ليمسك خيط الطائرة
الورقية
لكن الساحة تبكي
وأبو نواس يودع آخر عنقودٍ
يرمق أوداج الإسفلت ويمضي…
لم يبق غير صرير الدبابات
وأنت (التفّاك)([4])
يشدّ الخيط على أفواه
البكّائينْ
يا مطراً يغسل صدر أبي نواس
ويصهل في أوردة الطينْ
من يجرؤ أن يفتح عينيك
المغمضتين
على أسرار الوراقينْ.
¨ ¨ ¨
 
 
برق وشناشيل
 
أفواج حجيج تنهب صدر البيد
وذاك البيت يطوف وحيدا
والليل بهيمٌ يكشف سوءته
تجتاح الرغبة أفواه ذئاب نبتوا
كالشوك
وغطوا وجه القمر العاري.
والعطارون
سعاةٌ بين الموصل والشهباءْ
الموصل خاصرة التاريخِ
مرايا الماءْ
ما بين الموصل والشهباءْ
أسراب قصائد نسر الأوس أبي
تمام
أثواب عرائس فرح النهر
وجبّة قهرْ
مذ كان أبي
يبذر في السفح قصائده
أطبقتُ على المطر العينينْ
وحرثتُ هضاب الموصل والشهباءْ.
***
البصرة أرملة تنسج في الفجر
عباءتها،
وتنقض خيطاناً في الليل،
فيعرى ساق النخل،
وتدمع عين فرات الله هنالك
حيث الدمع بلا عينينْ.
مذ خلع البصري الخاتم
مات عجوز (الحجاج) خجولا،
والبرحيّ يمدّ العنق خجولا،
ونساء البصرة يقتلهنّ الخجلُ
فلا يمشين على الطرقات
ولا يرفعن الصوتْ،
واختنق الموت بحجر الموتْ
مذ خلع البصري الخاتم
صار الموال يجر العاشق
****
البصرة بنت الشام… شقيقتها
لا علم ليَ بأرومات الأنساب
لكنّ الحزن يصير جدودا،
والماء أكان فراتاً،
أم من ملح العين يصير جدوداً!
والغيمة تمطر فوق الشام
الماء المرّ،
وفوق البصرة تمطر دمعاً
أيكون الراعد (أنليل)([5])
قد نام طويلا ذاك العام؟
أم (ننهو)([6])
تطارد (عشتاروت)
وتختصمان لأجل إله؟
في العشق مباحٌ أن تقتتل
الرّبات،
مباحٌ
أن يتناسل من صلب المتعة
(أكرونوس)([7])،
ويلتهم الأبناءْ!
والبصرة ماء القلب وحبر
الوراقين
لا يأتيها الباطل
لا تغلق باباً،
تفرش في البرد عباءتها
فينام الجوع
ويصحو رغيف الخبز على الطرقات!
لكنّ البصرة بنت الشام…
شقيقتها
حسناء تعرض للنخل مفاتنها،
والنهر يغض الطرف،
وتثمل في فمه الكلمات.
الشام قناديل العشاق وخمر
القديسين
تراتيل الأجراس
تخبز ضحكات طفولتنا
لكنْ…
في الليل يُوزّع خبز
الضحكة للغرباء
وتنام الشام بدون عشاء!
وتبيت حمامات البصرة
من غير عشاء،
فيدور (التُمّ)([8])
على أضرحة
الفلاحين،
ويبذر آخر لحنٍ في صدر
الكلماتْ
لتظل البصرة بنت الشام
شقيقتها!
¨ ¨ ¨
 
شقوق ذاكرتي
 
إذا ما النوم مدّ بساطه لليل
يفترس،
تشدّ عرائسُ الأفكار ذاكرتي،
ويمسك خيطَها الحرسُ.
***
غريبان
وهذا البحر، يا (سعدي)،
يفتش في حقائبنا عن السكرْ،
ونحن العائذان بلجة الأمواج
تخذلنا حقائبُنا ولا تصغرْ.
تعبنا نرسم الأفكار،
يشرب رسمَنا الودق
تعلقّنا حبال الوهم
نسقط في تمائمها
وتركض خلفنا الطرق
****
غريبان
نخاتل عريَ ألواح تركناها
تنقّب في شقوق الرمل
عن أسماء من عبروا
خؤون، تسقط الأسماء في أفخاخ
موتاها
***
عجولان
ووجهك يوقظ الأبواب
يفتح في (الخصيب) بيادر العتب
فهل سئِمتْ من الموتى
وعادت فوق سرجٍ سابحٍ
عيناك…
تقتسمان سر الخمر
مع إيماءة العنب!
***
شريدان
وهذا الخوف
لم يُبقِ سوى قمرٍ
يقايض ساقه العرجا
بعشب دروبيَ المنزوعة الحدق
وأيوبَ يبدل صبره الأزليّ
بالخرق
وبضعِ قصائد خرقاء تولمها
على كف الهبوب موائدُ النزق.
¨ ¨ ¨


([1]): القيمر والكاهي من الأطعمة
العراقية.
([2]): شبعاد: ملكة سومرية وجد في
قبرها أختام تحمل اسمها.
([3]): أنخيدو: أميرة أكدية تعد أقدم
شاعرة كتبت للحب.
([4]): التفّاك: الرامي في اللهجة
العراقية.
([5]): أنليل: إله الرياح والهواء
والعواصف في الحضارة السومرية.
([6]): ننهو: إلهة الخصوبة والأرض
عند السومريين.
([7]): أكرونوس: ابن الإله أورانوس
كان يلتهم أبناءه خوفاً من أن يقتلوه ويستولوا على سلطته.
([8]): التُّم: طائر يشبه البجع
حينما يحزن يغرز منقاره في قلبه ويغني لحنه الأخير ويموت.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading