جميل بثينة – أ. د. لطفي منصور

قَصِيدَةٌ مِنَ الشِّعْرِ
الْحِوارِيِّ الْقَصَصِيِّ لِجَمِيلِ بنِ مَعْمَرٍ الْعُذْرِيِّ صاحِبِ
بُثَيْنَةَ. بِالرَّغْمِ أَنَّ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ مُثْبَتَةٌ في دِيوانِ جَمِيلٍ
، إلّا أَنَّ الْكَثِيرِينَ لَمْ يُولُوها أَهَمِّيَّةً، وَلَمْ يَفْطَنُوا
لِقِيمَتِها الشِّعْرِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ.
رَجَعْتُ إلى مَصْدَرِ
الْقَصِيدَةِ لِأَقُولَ إنَّ دِيوانَ الشَّاعِرِ جَمِيلٍ الْمَطْبوعَ طِباعَةً
رَديئَةً قَدْ جُمِعَ جَمْعًا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ مَخْطُوطَةٍ ، وَلَمْ يُشِرِ
النّاشِرُ إلَى مَصادِرِ قَصائِدِهِ.
وَجَدْتُ الْقَصِيدَةَ في
كِتابِ الْأَمالِي لِأَبِي عَلِيٍّ الْقالِي (٢: ٨٢-٨٣) حَدَّثَهُ بِها شَيْخُهُ
أبو بُكْرِ بنُ دُرَيْدٍ (ت ٣٢١ هج) صاحِبُ كِتابِ جَمْهَرَةِ اللُّغَةِ وغَيْرِهِ
مِنَ الْكُتُبِ. الَْصِيدَةُ مِنَ الْوافِرِ
– وَقُلْتُ لَها
اعْتَلَلْتِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ
وَشَرُّ النّاسِ ذّو
الْعِلَلِ الْبَخِيلُ
(الِاعْتِلالُ: اخْتِلاقُ
السَّبَبِ. الْعِلَلُ: الْأَسْبابُ وَالْأَعْذارُ)
– فَفاتِينِي إلى حَكَمٍ
مِنَ اهْلِي
وَأَهْلِكِ لا يَحِيفُ
وَلا يّمِيلُ
(يُقالُ إنَّ بُثَيْنَةَ
قَدْ وَعَدَتْ جَمِيلًا بِشَيْءٍ ثُمَّ أَخْلَفَتْ وَلَمْ تُنْجِزْ. فاتِينِي
أَفْتِينِي، الْحَكَمُ: الْحاكِمُ، نَقُولُ: حَكَمُ عُكاظٍ. فَعَرَضَ عَلَيْها
الْحُكُومَةَ كما جاءَ في الْقُرْآنِ (سورة النِّساءِ آية ٣٥) فَقَبِلَتْ. وِفي
هذا يَقُولُ نُزارٌ:
أَأُعاتِبُ امْرَأَةً
عَلى نِسْيانِها وَمَتَى اسْتَقامَ مَعَ
النِّساءُ)
– فَقالَتْ أَبْتَغِي
حَكَمًا مِنَ اهْلِي
وَلا يَدْرِي بِنا
الْواشِي الْمَحُولُ
(الْمَحُولُ: الْماكِرُ،
صاحِبُ الْمَكْرِ. اُنْظُرُوا إلىهَذا الْحِوارِ الظَّرِيفِ)
– فَوَلَّيْنا
الْحُكُومَةَ ذا سُجُوفٍ
أخا دُنْيا لَهُ طَرْفٌ
كَلِيلُ
(السُّجُوف: السّتائِر
أيْ الْبَيْتُ مَسْتُورٌ، أخا دُنْيا: يُحِبُّ الْحَياةَ غَيْرُ مُتَزَمِّتٍ،
الطَّرْفُ: الْعَيْنُ، كَلِيلٌ: ضَعِيفُ الْبَصَرِ)
– فَقُلْنا ماقَضَيْتَ
بِهِ رَضِينا
وَأَنْتَ بِما قَضَيْتَ
بِهِ كَفِيلُ
(تابِعُوا الْحَدَثَ
وَصُعُودَهُ، الشّاعِرُ يَشُدُّنا إلَيْهِ، الْقَصِيدَةُ مُتَرابِطَةٌ)
– قَضاؤُكَ نافِذٌ
فَاحْكُمْ عَلَيْنا
بِما تَهْوَى وَرَأْيُكَ
لا يَفِيلُ
(يَفِيلُ: يخِيبُ)
– فَقُلْتُ لَهُ قُتِلْتُ
بِغَيْرِ جُرْمٍ
وَغِبُّ الظُّلْمُ
مَرْتَعُهُ وَبِيلُ
(غِبُّ الشَّيْءِ:
نِهايَتُهُ، عاقِبَتُهُ)
– فَسَلْ هَذِي مَتَى
تُقْضَى دُيُونِي
وَهَلْ يَقْضِيكَ ذُو
الْعِلَلِ الْمَطُولِ
(الْمَطُولِ : مِن مَطِلَ
الدّائِنَ أجَّلَ الدَّفْعَ بِوُعُودٍ كاذِبَةٍ)
– فَقالَتْ إنَّ ذا
كَذِبٌ وَبُطْلٌ
وَشَرٌّ مِنْ خُصُومَتِهِ
طَوِيلُ
– أَأَقْتُلُهُ وَمالِي
مِنْ سِلاحٍ
وَما بِي لَوْ أُقاتِلُهُ
حَوِيلُ
(الْحَوِيلّ: الطّاقَةُ
والْقُوَّةُ)
– وَلَمْ آخُذْ لَهُ
مالًا فَيُلْقَى
لَهُ دَيْنٌ عَلَيَّ كَما
يَقُولُ
– وَعِنْدَ أَمِيرِنَا
حُكْمٌ وَعَدْلٌ
وَرَأْيٌ بَعْد ذَلِكُمُ
أَصِيلُ
– فَقالَ أَمِيرُنا
هَاتُوا شُهُودًا
فَقُلْتُ شَهِيدُنا
الْمَلِكُ الْجَلِيلُ
– فَقالَ يَمِينُها
وَبِذاكَ أَقْضِي
وَكُلُّ قَضائِهِ حَسَنٌ
جَمِيلُ
(هُوَ قَضاءُ الْفاروقِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْبَيِّنَةُ عَلى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلى مَنْ
أَنْكَرَ)
– فَبَتَّتْ حَلْفَةً: ما
لِي لَدَيْها
نَقِيرٌ أَدَّعِيهِ وَلا
فَتِيلُ
(بَتَّ الشَّيْءَ:
قَطَعَهُ، النَّقِيرُ: النُّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، الْفَتِيلُ: ما يَكُونُ
في شَقِّ النَّواةُ. أَيْ لا شَيَْ.
– فَقُلْتُ لَها وَقَدْ
غَلَبَ التَّعَزِّي
أَما يُقْضَى لَنا يا
بَثْنُ سُولُ؟
(السُّولُ: الْحاجِةُ)
– فَقالَتْ ثُمَّ زَجَّتْ
حاجِبَيْها
أَطَلْتَ وَلَسْتَ في
شَيْءٍ تَطُولُ
(لَيْسَتْ إطالَةُ
الْحَدِيثِ مِنْ طَبْعِكَ)
– فَلا يَجِدْكَ
الْأَعْداءُ عِنْدِي
فَتَثْكَلَني وَيّاكَ
الثُّكُولُ
(هَذا التَّمَنُّعُ
لِتُحافِظَ عَلى حَياتِهِ وَحَياتِها مِنَ الأَعْداءِ)
وَبَعْدُ،
قِصَّةٌ مِنْ قِصَصِ
الْعُذْرُيِّينَ الرّائِعَةِ في قالَبٍ شِعْرِيٍّ رائِعٍ . كَأَنَّها
مَسْرَحِيَّةٌ مُثِّلَتْ في مًَسْرَحِ
الحياةِ. حَكَمٌ وَخُصُومٌ وَحُجَجٌ وَمَنْطِقٌ وَقَضاءٌ. فَلْيَبْقَ
الْأَدَبُ وَلْيَعِشِ الْأُدَباءُ.





