Editor-in-Chief : Dr.Azher S Saleh


Almanar Cultural Journal

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

سنة 2026 : امتحان الحضارة وسؤال معنى الإنسان-هشام فرجي

رسم توضيحي لرجل يرتدي بدلة رسمية ونظارات، يظهر بتعبير جدي، في خلفية بسيطة.

هناك لحظات في التاريخ تُعلن عن نفسها بالصمت الثقيل الذي يسبق الانكسار أو الولادة. وسنة 2026

تعد عبورٌ من صورة الإنسان التي ألفناها إلى صورة لم تتضح معالمها بعد. فنحن نستقبل سنة جديدة ونقف على عتبة سؤال نُطرحه بعمق: هل ما نسميه حضارةً هو ذروة النضج الإنساني، أم آخر تجليات الوهم العظيم؟ حيث يبدو العالم في أوج قوته، غير أنّ شيئاً في داخله يتداعى ببطء: المعنى… البوصلة… الثقة في الفكرة التي سمّيناها «التقدم». ومن هذه النقطة يبدأ الكلام.

تدخل سنة 2026 كمنعطف وجودي تقف عنده الحضارة المعاصرة لتتأمل صورتها في مرآة التاريخ: حضارة بلغت من السيطرة التقنية ما لم تبلغه حضارة من قبل، لكنها في الوقت نفسه بلغت من التيه الروحي ما لم تعرفه العصور المظلمة. لم يعد سؤال التقدّم مطروحاً من زاوية القدرة، وإنما من زاوية الغاية: إلى أين يتجه هذا الإنسان وهو يمتلك مفاتيح الكون لكنه يفقد مفاتيح ذاته؟ وأي حضارة هذه التي تتسع فيها الإمكانات حتى التخمة بينما يضيق فيها المعنى حتى الاختناق؟

وفي المنظور الخلدوني، نحن لم نعد نعيش دورة صعود أو أفول لدولة أو منظومة سياسية، إننا نعيش لحظة تصدّع في البنية العميقة للعمران البشري نفسه. فالعصبيات التي تحكم عالم اليوم لم تعد عصبيات دم ولا قبائل ولا جيوش، أصبحت عصبيات خفية: رأس المال المعولم، والسوق الرقمية، والخوارزميات التي تعيد صياغة الوعي، والإعلام الذي يصنع الرأي كما تُصنع السلع. غير أن هذه العصبيات، رغم عنف سطوتها، تفتقد العنصر الذي به تقوم الحضارات وتستمر: الإيمان بمعنى مشترك، ورسالة تتجاوز المنفعة الآنية إلى أفق أخلاقي وإنساني شامل. ومن هنا تبدو الحضارة الحديثة، في منطق التاريخ، حضارة قوة بلا روح، وتمدّن بلا عمران قيمي، وازدهار بلا طمأنينة.

ولو استنطقنا التراث العربي-الإسلامي في هذه اللحظة المفصلية، لوجدناه يقف موقف الشاهد والحاكم معاً. فهذه الأمة التي شيّدت حضارتها الكبرى يوم جعلت الإنسان خليفة في الأرض وليس آلة في السوق، ورسالة بدل رقم في الإحصاء، حيث تعلمنا أن العمران لا يقوم على استقامة المقاصد لا على وفرة الأدوات ، وأن الحضارة تُقاس بعمق المعنى لا بارتفاع البنيان. ولقد أدرك فلاسفتنا، من الفارابي إلى ابن رشد، ومن الغزالي إلى ابن خلدون، أن فساد العمران يبدأ حين تنفصل المعرفة عن الحكمة، وحين يتحول العقل من أداة تحرير إلى أداة تبرير، وحين تُختزل الغاية الإنسانية في اللذة والمنفعة والقوة.

وفي 2026 يبلغ هذا الانفصال ذروته: عالم أكثر اتصالاً لكنه أشد اغتراباً، وأكثر علماً لكنه أقل فهماً، وأكثر معرفة لكنه أفقر حكمة. حيث أصبح الإنسان محاطا بذكاء صناعي، لكنه يعاني من فقر في الذكاء الوجودي؛ ويمتلك أدوات خارقة، لكنه يفتقد البوصلة التي تهديه كيف يستخدمها دون أن تهلكه. هنا تصبح الأزمة أزمة معنى قبل أن تكون أزمة نظام، وأزمة رؤية قبل أن تكون أزمة سياسة، وأزمة إنسان قبل أن تكون أزمة مؤسسات.

وإن الحضارة العربية-الإسلامية، بما راكمته من تجربة تاريخية طويلة، تعلمنا أن الأمم لا تنهار حين تُهزم عسكرياً، فهي تنهار حين تنهزم أخلاقياً، وحين تفقد ثقتها بذاتها ورسالتها في الوجود. والتاريخ المعاصر يعيد إنتاج هذه الحقيقة على نطاق كوني: حضارة عالمية تتقدم في السيطرة على المادة، وتتقهقر في السيطرة على شهواتها، وتشيّد عالماً مذهلاً في صورته، مهدَّداً في جوهره.

ومن هنا فإن سنة 2026 هي سنة للمساءلة الحضارية الكبرى: أي إنسان نريد؟ وأي عالم نبني؟ وأي معنى نُورث؟ فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى يقظة إنسانية شاملة تعيد الاعتبار للقيم، وتوازن بين العقل والتقنية، وبين الحرية والمسؤولية، وبين القوة والعدل، أو تستمر الحضارة المعاصرة في مسارها الانحداري الهادئ، فتتقدّم في أدواتها حتى تبلغ قمة العجز عن إنقاذ ذاتها.

ومنه فإن ما ينتظر الإنسانية في 2026 هو مصير يُعاد تشكيله في عمق الوعي. فإما أن يتصالح الإنسان مع جوهره، ويستعيد دوره كفاعل أخلاقي في الكون، وإما أن يستمر في السقوط البطيء داخل حضارة تعرف كيف تصنع كل شيء…إلا المعنى الذي من أجله صُنِع كل شيء. ولقد علّمنا التاريخ أن الحضارات لا تموت فجأة، فهي تموت حين تفقد إيمانها بذاتها، وحين يعجز العقل عن توجيه القوة، وتعجز القيم عن كبح الغرائز، ويصبح الإنسان أداةً في عالم صنعه بيديه ثم عجز عن حكمه.

2026 ليست محطة عابرة، إنها لحظة مكاشفة كبرى بين الإنسان ونفسه، ومحكمة مفتوحة للحضارة الحديثة: إما أن تُنقذ روحها قبل أن يبتلعها إنجازها، أو أن تواصل التقدّم بخطى واثقة…نحو فراغٍ لا رجعة منه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading