الخاطرة

غياهب حزن – عبدالرحمن يوسف (السودان)

شاب يرتدي قميصاً بنفسجياً ويبتسم، يقف في منطقة خضراء تحيط بها الأشجار.

في صمتٍ كثيفٍ كالغبار، يهبط الحزن على الروح كما يهبط الليل على مدينةٍ بلا قمر. لا يُطرق باب، ولا يُقال وداع. يأتي كغريبٍ مألوف، يجلس على حافة القلب، ويبدأ في سرد القصائد التي نسينا كيف نقرؤها.

الروح، في غياهب الحزن، لا تموت… لكنها لا تحيا. تمشي في دروب الذكرى حافية، تئنّ من شوك الخيبات، وتتعثر بظلال ماضٍ كان يلمع كذهبٍ زائف.
الفرحُ؟ أصبح كطيفِ مسافرٍ لا يرسل حتى بطاقات بريدية.

هناك، تُصبح الدموع لغة، والصمتُ بيانًا. تهمس الأشياء: الساعة، الكرسي، الباب… كلّها تتآمر على الهدوء، فتوقظ في الداخل ضجيجًا لا يُروى.

تشرب النفس من كأس الأسى حتى الثمالة، وتتوه في متاهةٍ لا مفاتيح لها.
لكن… آه من الـ “لكن”!
فهي التي تنقذ النص من الموت، وتعيد للرماد بعض جمرة.

في زاويةٍ صغيرة من القلب، تتبرعم بذرة، خجولة كطفلٍ فقد أمه في السوق.
تقول: ليس كل حزن خلودًا، وليس كل ظلام قبرًا.
وتهمس الحياة من بعيد: “تذكّرني؟ أنا التي غادرتك حين نسيت طعم الدهشة.”

فتنقشع الغياهب قليلًا… لا ضوءٌ ساطع، بل بصيص يكفي لتلمس طريق العودة.
تعود، لا كما كنت، بل كما صرت: مبللًا بالحكمة، مشبعًا بالتجربة، خفيفًا كمن نجا.

غياهب الحزن، وإن طال ليلها، لا تملك مفاتيح الأبد.
فكل غيم، مهما ثقل، سينزف مطرًا،
وكل قلب، مهما أُنهك، سيخفق من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading