فنون تشكيلية

لوحة (فمن يعمل مثقال) للفنان عباس الطائي – قراءة تحليلية

حجم اللوحة: 50/ 70سم

تاريخ الانجاز: 1429ه/ 2008م

    اختار الفنان عباس شكل المستطيل المستقـر عموديًا لهذه اللوحة، وتكوينًا مقسّمًا على قسمين أُفـقـيين يضمّان (3) عناصر تكوينية هي:

  1/ الكتلة الرئيسة الخطيّـة الأُولى المتمثلة بالآية القرآنية الكريمة المرقومة (7) من سورة الزلزلة، وتنصّ على (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)، بخط جلي الديواني، والكتلة الخطيّـة الرئيسة الثانية المتمثلة بالآية القرآنية الكريمة المرقومة (8) من السورة نفسها، والتي تنصُّ على (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، والمخطوط بالخط نفسه.

2/ الكتلة الثانوية وهي التشكيلات التزيينية التي تتمثّـل بالحروف الايضاحية والحلية والصرف.

3/ خلفية أو أرضية اللوحة.

     تشير دلالة الآيتين الكريمتين الى الجزاء أو الثواب الذي يُـجزى به فاعل الخير أو فاعل الشر، ومنها استوحى الفنان عباس هيأة التكوين أو البناء العام لهذه اللوحة؛ ليكشف عن قصديته في تحقيق بُـعدها الدلالي، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا ببعدها القيمي القائم على روحانية وقدسية الآيات القرآنية الكريمة التي تخاطب روح الانسان وتشاغل عقله، فتعمل بالتالي على تعزيز إيمانه بالله سبحانه وتعالى، وهذا ما يتبيّـن للمتأمل في هذا التكوين الذي عمد فيه الفنان عباس الى تقسيم مساحته على قسمين غير متساويين، فالقسم الأول العلوي شغل ثلثي مساحتها؛ لأنّـه يشير الى الخير دلاليًا، أمّـا القسم الثاني السفلي فقد شغل الثلث الباقي منها؛ لأنّـه يشير الى الشر دلاليًا فله القيمة الدنيا.

  واختار التكوين الايقوني الذي يوحي بشكل الكمثرى الوهمي، ويبدو أنّ هذا الشكل كان قصديًا؛ لكونه مرتبطًا بدلالة الآيتين الكريمتين، فالكمثرى من الفواكه الطبيعية، وهو في هذه اللوحة رمز لخيرات الجنّـة؛ ولهذا عالجه الفنان عباس فنيّـا بإخراجه بشكل مجـرّد ومحـوّر عن شكله الأصلي، ووهمي لأنّـه غير محدد بإطار، فأصبح يوحي بشكل الكمثرى دون أن يتطابق معه، ومن حيث نوعية الخط اعتمد على خط جلي الديواني؛ لتميّـز حروفه بالمرونة والطواعية على التشكيل من حيث خصائصها المتمثّـلة بالتراكب والتقاطع والتنصيل والاختزال، وكثرة التشكيلات التزيينية التي تمنحه مظهرًا جميلا وحيويًا، ورغم أنّـه يُـعدّ من الخطوط الصعبة تنفيذًا وقراءةً ولا يبدع فيه إلاّ الفنان المتمرّس الذي يمتلك مهارة عالية، إلاّ انّـه في الوقت ذاته من أجمل الخطوط العربية، وفي المقابل يمنح المتأمل فيه متعة بصرية وتذوقًا فريدًا وثقافة خطيّـة متجددة.

   اعتمد الفنان عباس على التركيب الثقيل ذي المستويات المتعددة، التي لا تتبع التسلسل السطري القرائي لخطِّ كلمات الكتلتين، ففي الآية الأُولى بدأ بكلمة (فمن) من الأسفل وتتابعت بقية الكلمات صعودًا الى الأعلى، وعمد الى خاصية الرفع المكاني لحرف الفاء بحيث تقارب مع حرف الياء من كلمة (يعمل)، واتبع في إخراجه قواعد خط جلي الديواني ليكون مطموس العين، وارتفعت نقطته فوقه متخذةً شكل متوازي المستطيلات، وعالج حرف الميم فنيًا بإخراجه منخفضًا مكانيًا أيضًا، ومتخذًا موقعه في جهة يمين الكتلة ومطموس العين، وبشكل أقرب الى المستطيل المائل، وبذلك أسهم مع حرف الفاء ونقطته في تحقيق الاغلاق الشكلي لجزء من الإطار الوهمي لشكل الكمثرى، وأفاد من خاصية التنصيل التي يتيحها الخط نفسه في تنصيل تقويسة حرف النون بحركة اتجاهية نحو جهة يسار الكتلة، فأسهم في الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكمثرى من الأسفل، كما أفاد من هذه الخاصية في تراكب وتقاطع حرف النون مع حرف الثاء من كلمة (مثقال)، ومع النقطة الأولى لحرف القاف من الكلمة نفسها، فحقق بذلك ايهامًا بالبُـعد الثالث في الحالتين، وحركة ضمنية وهمية أيضًا.

    استثمر الفنان عباس خاصيتي الرفع المكاني والتنصيل لكلمة (فمن) ليتخذ منها قاعدة يرفع عليها كلمة (يعمل) التي منحها حركة اتجاهية مائلة نحو الأسفل، وعالج حرف الياء منها فنيًا بترويسة صغيرة رفيعة ودقيقة من جهة اليسار، ثم تقويسة لطيفة تبدأ ثخينة ثم ترقّ وتكتمل ثخينة، لتتصل بحرف العين، فمنحها بذلك حيوية وحركية ناتجة عن التباين في ثخن الحروف ورقّـتها، واختار الإبعاد المكاني لتوضيع نقطتيها حيث شغل المساحة المتاحة تحت حرف النون من كلمة (فمن) بهما، وخطّـهما بشكل متوازي المستطيلات الأُفـقـي حسب قاعدة خط الديواني الجلي، فأحدث بذلك حركة لطيفة تشغل الرؤية البصرية للمتأمّـل في هذا الجزء من اللوحة.

   وأخرج حرف العين الوسطية من الكلمة نفسها بشكل أقرب ما يكون الى شكل العين المعقودة مع تصرّف تمثّـل في خط الجزء الأيمن منه على شكل مثلث، وخط الجزء الأيسر منه بشكلٍ مستقيم مائل قليلا الى جهة يسار الكتلة، محققًا بذلك خاصية التضاد الشكلي بينهما، وفي الوقت ذاته جعله مطموسًا تحقيقًا لقواعد خط جلي الديواني، فأحدث بذلك حركة لافتة وحيوية تمثّـلت أيضًا في خاصية الخفض المكاني لحرف الميم من الكلمة نفسها، والذي أخرجه بالأسلوب نفسه في كلمة (فمن)، محققًا بذلك خاصية التكرار الشكلي، واتخذ حرف اللام شكله القائم مع ميلان بسيط نحو جهة يمين الكتلة، وتنتهي تقويسته باتصال مع تشكيل تزييني هو الفاصلة محققًا بذلك خاصية التأليف من جهة، وبُـعدًا جماليًا وحركيًا من جهة مقابلة.       

    في الإخراج الفني لكلمة (مثقال) عمد الى منحها حركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل، ورفعها مكانيًا؛ لتصبح حروف الميم واللام من كلمة (يعمل)، والنون من كلمة (فمن) قاعدة لها، وأفاد من خاصية التكرار الشكلي في خطّـه لحرف الميم منها فنيّـا فأخرجه بالشكل ذاته الذي أخرجه به في كلمة (فمن)، كما أفاد من خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف اللام من كلمة (يعمل) ليحقق الأيهام بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، وعالج حرف الثاء حسب خاصية المد النازل الى الأسفل فمنح شكله حيوية لافتة لنظر المشاهد، وحقق الأيهام بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية من خلال تراكبه وتقاطعه مع حرف اللام من كلمة (يعمل) وحرف النون من كلمة (فمن)، واختار بدايته المنحنية ليرفع فوقها نقاطها الثلاث التي خطّـها بإبعادها مكانيًا، وكان حقها أن تتخذ مكانًا وسطاً فوق امتدادها، فأكسبها بذلك حركية لطيفة، ومنحها شكل متوازي المستطيلات، فاثنتان متجاورتان أُفـقـيًا والأخرى فوقهما، وعالج حرف القاف من الكلمة نفسها بمنحه شكلا مستديرًا، وأفاد من خاصية التخريق أي غير مطموس العين في إخراجه، كما أفاد أيضًا من خاصية الإبعاد المكاني في خطّ نقطتيه، فلم يخطّـهما فوقه بل بجواره ليشغل الفراغ الناتج عن امتداد حرف الثاء، ويحقق في الوقت نفسه خاصيتي التراكب والتقاطع التي أشرتُ إليها سابقًا.

    إنَّ الوصول الى الإغلاق الوهمي للشكل يتطلّـب من الفنان ترتيب عناصر الكتلة حروفاً وتشكيلات تزيينية؛ ولهذا يلجأ الى استغلال المساحات المتاحة لتنفيذه، وهذا ما فعله الفنان عباس في إخراج تقويسة حرف القاف بحيث تكون جزءاً من هذا الإغلاق، أمّـا حرف الألف فقد كرر شكله كما ورد في الجزء القائم من حرف اللام من كلمة (يعمل)، كما افاد من خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف اللام من الكلمة نفسها، وحرف الراء من كلمة (ذرة) وحرف الراء من كلمة (خيرا)، فحقق بذلك ايهامًا بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، وتعامل مع حرف اللام بخطّـه بترويسة لطيفة في القسم العلوي وفي جهة اليسار.

    يسهم تلاعب الفنان في مواضع الحروف والكلمات في تظهير حركيتها وحيويتها؛ وذلك لأنَّ عين المتأمّـل فيها ستلاحق حروفها بلهفة ومتعة فتكسبها تذوقًا وثقافة خطيّـة في الآن ذاته، ولهذا اشتغل الفنان عباس باتجاه رفع حرف الذال من كلمة (ذرة) مكانيًا بحيث أصبح حرف القاف قاعدة له، وخطّـه بتقويسة تبدأ ثخينة ثم تنحف تدريجيًا الى أن تصل الى نهاية مرسلة تتراكب وتتقاطع مع حرفي اللام في كلمة (مثقال) والراء في كلمة (ذرة)، فحقق ايهامًا بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، أمّا حرف الراء فأخرجه ببداية ثخينة ثم ينحف قليلاً ثم امتداد ثخين، لينتهي نهاية مرسلة تسهم في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى، ويتراكب ويتقاطع مع حرفي الألف واللام من كلمة (مثقال) محققًا ايهامًا بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، وفي تعامله الفني مع حرف التاء خطّـه مدوّرًا ومائلا الى جهة اليمين في قسمه العلوي، ومضغوطًا في جانبيه الأيمن والأيسر فأكسبه بذلك بُـعدًا جماليًا، واختار رفعه مكانيًا بحيث استقر قرب نهاية حرف اللام من كلمة (مثقال) من الجهة اليسرى، أمّـا النقطتان فأخرجهما بشكل متعامد بحيث تقعان فوق الحرف نفسه، فحقق بموقع النقطة الأُولى جزءاً من الاغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى، كما حقق خاصية التضاد مع شكل النقاط الأُخرى في الآية الكريمة نفسها، والتي اتخذت شكلاً أُفـقـيًا.

    في تعامله الفني مع كلمة (خيرا) عمد الى رفعها مكانيًا، بحيث أصبحت الكلمات (يعمل، مثقال، ذرة) قاعدة لها، وخطَّ حرف الخاء منها بالتفافة رفيعة ولطيفة من جهة اليسار، ومنحه ثخنًا في جهة اليمين التي أخرجها ممدودة، ووضع نقطته في موضع وسطي فوقه، ومنحها شكل متوازي المستطيلات حسب قواعد خط جلي الديواني، وعالج حرف الياء معالجة لطيفة تمثّـلت بتحدبٍ شكليّ، واعتمد على خاصية التنويع الشكلي لنقطتيها، فأخرجهما بشكل دائري متعامد فحقق خاصية التضاد الشكلي مع أشكال النقاط الأُخرى في الآية الكريمة، كما عمد الى تحريف مكانهما الى جهة اليمين، واختار شكل الراء المرسل الذي تراكب وتقاطع مع حرف اللام من كلمة (مثقال)، وحرف الألف من الكلمة نفسها؛ لينتج ايهامًا بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، أمّـا حرف الألف فقد اعتمد على رفعه وتحريفه مكانياً فبدلا من أن يكون آخر حرف في الكلمة حسب تسلسل حروفها القرائي اختار الفنان عباس موقعه بحيث ينصّف ويتراكب ويتقاطع مع حرف الراء من كلمة (يره) في موضعين، ومع حرف الياء من كلمة (خيرا) فأنتج بذلك ايهامًا بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، فضلا عن إخراجه بترويسة تتطابق وتتكرر مع ترويسة حرف اللام من كلمة (مثقال)، وتصرّف في شكله ليحقق التنويع الشكلي، والتضاد مع شكل الحرف نفسه في كلمة (مثقال) فمنح مظهره رقّـة ورشاقة وتقويسة لافتة، لينتهي مرسلا ومتصلا بنقطة تقاطع حرفي اللام من كلمة (مثقال) والذال من كلمة (ذرة) محققًا الايهام بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.

     ترتبط الألوان في اللوحة الخطيّـة ارتباطًا وثيقًا بدلالة النص، ولهذا لا يكون اختيارها عشوائيًا بل قصديًا غالبًا، وهذا ما نلاحظه في هذه اللوحة حيث اختار الفنان عباس اللون الأخضر لخطِّ كلمة (خيرا)، ليحقق أهدافًا متعددة، فعلى صعيد التضاد اللوني حقق تضادًا مع اللون الأسود الذي خط به بقيّـة كلمات الكتلة، وعلى صعيد الدلالة فإنَّ اللون الأسود يدلّ في بعض دلالاته الايجابية على الفخامة والرقيّ، ولهذا اختاره الفنانون لتنفيذ لوحاتهم الخطيّـة، ولكنَّ اللون الأخضر هو لون الطبيعة الذي يدلُّ في بعض دلالاته على النمو والاستمرار والتجدد، فهو إذًا يرتبط بدلالة الآية الكريمة؛ لأنَّ الثواب الناتج عن عمل الخير متجدد ومستمر أيضًا، وهذا ما سيعمل على بثّ طاقة ايجابية وحيوية ليس للكتلة فقط بل في نفس المتأمّـل فيها كذلك، وفي نفس الفنان الذي اختاره.

    يؤدي الاختزال الخطّيّ دورًا كبيرًا في منح هيأة الكلمة حيوية تحقق بُـعدها الجمالي، وهذا ما دفع بالفنان عباس الى اختزال حرفي الياء والراء في كلمة (يره)، حيث أنَّ انحناء حرف الياء وشكل حرف الراء الرحماني أكسبهما رشاقة، تبثُّ احساساً بالهدوء والرقّـة في نفس المتأمّـل فيهما، فضلا عن أنَّ موقع كلمة (يره) في أعلى الكتلة جعل من الكلمات الواقعة تحتها قاعدة ترتفع عليها، ويبدو أنَّ دلالة الآية الكريمة كانت هي الحافز للفنان لاختيار هذا الموقع؛ لأنَّ عمل الخير يوصل الى الجزاء والثواب بالخير الذي سيراه ويحصل عليه فاعله، فيمكن بالتالي للمتأمّـل استنتاج مدى خبرة الفنان عباس وحرصه على الربط بين الدلالات من جهة، والتعامل مع المساحات المتاحة للخط وللألوان من جهة مقابلة.

    إنَّ خاصية التكرار تلعب دورًا واضحًا في إكساب اللوحة ايقاعًا لافتًا، يشعر معه المتأمّـل فيها بموسيقى خفية تسري بين الحروف والكلمات؛ ولهذا اختار الفنان خطّ حرف الهاء من كلمة (يره) بتكرار شكله مع شكل حرف التاء في كلمة (ذرة) فأخرجه بشكل دائري مضغوط من الجانبين الأيمن والأيسر، وأسهم شكله الذي كان ثخينًا من الأعلى والأسفل، ورفيعًا من الجانبين وميلانه من الأعلى الى جهة اليمين في منحه بُـعدًا جماليًا، فضلا عن أنَّ رفعه مكانيًا بحيث استقر فوق تقويسة حرف الراء من الكلمة ذاتها، ويجاورها من جهة اليسار الجزء العمودي لحرف الألف من كلمة (خيرا) أسهم في منح هذا الجزء من اللوحة حركية لطيفة. 

    تشغل الرصانة فكر الفنان؛ لأنّـها لا تعتمد على العلاقات التشكيلية بين الحروف والكلمات ومظهرها وتوزيعها واتصالها مع بعضها، وانفصالها وثقلها وخفّـتها فقط بل تشمل التشكيلات التزيينية أيضًا، ولهذا يشتغل الفنان المتمرّس باتجاه توزيعها توزيعًا يخدم بُعدها الجمالي، ويكمل مع الحروف الأُخرى الإغلاق الشكلي الوهمي للكتلة، وهذا ما فعله الفنان عباس عند تزيين هذه اللوحة بها حيث اختار شكل حرف الألف الخنجرية بوصفه حرفًا ايضاحيًا، وتمثيلا رمزيًا للفرع النباتي الطبيعي الذي يحملها، فأكسبها بذلك تقريبًا لشكلها الطبيعي، ورفع هذا الشكل فوق الكتلة الأُولى، فأضفى عليها حيوية لافتة اكتملت بتآزر شكلها القوسي اللطيف مع ألوانها، التي تمثّـلت باللون الأحمر المتداخل والمتدرّج بين الدرجتين الفاتحة والغامقة، واللون الأزرق السماوي المتدرّج والمتداخل مع اللون الأبيض، وهذا ما أسهم في ترصين روحانية هذه الكتلة.

    ومن أنواع التشكيلات التزيينية التي اعتمد عليها أيضًا الصرف، الذي تمثّـل بوضع حركتي السكون والضمّـة، وكذلك الحلية التي تمثّـلت بالمـدّة والشدّة والفاصلة والرقم سبعة.

    في تكوينه للكتلة الثانية عمد الفنان عباس الى خطّـها بالقلم نفسه، ولكنّـه منحها حجمًا أصغر من حجم الكتلة الأُولى؛ لأنّ دلالة الآية القرآنية الكريمة المخطوطة فيها محمّـلة بدلالة الشر، ولم يعتمد على التسلسل القرائي لها أيضًا، وابتدأ بكلمة (ومن) حيث أخرج حرف الواو بتصرّف في شكله الذي جعله أقرب ما يكون الى حرف الفاء أو القاف مطموس العين، وهذا ما أكسبه جمالا لافتًا؛ لأنَّ تقويسته بدأت رفيعة ثم ثخينة، لتنتهي رفيعة ومرتفعة عن بدايته، فأسهمت في تحقيق الإغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى، وأتاحت خاصية خفضه مكانيًا مساحة وافية لرفع واستقرار حرف الميم من الكلمة نفسها فوقه فأصبحت قاعدة له، وأخرج حرف الميم بشكل أقرب ما يكون الى المستطيل ومطموس العين، ومنحه تقويسة لطيفة في حركته الاتجاهية نحو اليسار، ليتصل بحرف النون الذي منحه امتدادًا لافتًا للنظر، فبدأ ثخينًا وانتهى رفيعًا ودقيقًا ومرتفعًا مكانيًا، ولذلك تراكب وتقاطع مع تقويسة حرف الميم من كلمة (مثقال) فحقق ايهامًا بالبُعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، واتصلت نهايته مع حرف اللام من كلمة (يعمل) من جهة اليسار، محققًا بذلك خاصية التأليف وكان حقه الانفصال عنه.

    أتاحت خاصية التنصيل في حرف النون مساحة وافية لرفع كلمة (يعمل) فوقها بحيث أصبحت قاعدة لها، واتخذت تقويسته حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل ومائلة باتجاه جهة يسار الكتلة، وعالج الفنان عباس حروف الياء والعين والميم منها بخاصية التكرار مع أشكالها التي وردت في الآية الأُولى، لكنّـه رفع حرف اللام مكانيًا بحيث يستقر على نهاية تقويسة حرف الميم فأكسبها بذلك بُـعدً جماليًا، فضلا عن اخراجها اللافت للنظر والمتمثّـل في ترويسة لطيفة في جهة اليسار من الأعلى، وتقويسة رشيقة في جهة اليمين ثم تقويسة ثخينة تنتهي نهاية رفيعة، فحققت خاصية التضاد مع شكل الحرف نفسه من كلمة (يعمل) الواردة في الآية الأُولى، وتطابقًا تكراريًا مع ترويسة الحرف نفسه في كلمة (مثقال) في الآية ذاتها، ومع الحرف نفسه والكلمة نفسها في الآية الأُولى، ومع حرف الألف من كلمة (خيراً) في الآية الأولى.

    منحَ الرفع المكاني لحرف اللام وتقويسته مساحة وافية لخطّ حرف الميم من كلمة (مثقال) داخلها؛ ليحقق خاصيتي التراكب والتقاطع بينهما، فأنتج بذلك ايهامًا بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، وقد أخرجها بالشكل ذاته الذي وردت فيه في الآية ذاتها وفي الآية الأُولى أيضًا، ليحقق خاصية التكرار الشكلي الايقاعي، وعالج حرف الثاء بخطّـه بتقويسة صغيرة، محققًا خاصية التضاد الحجمي بينها وبين بقية حروف الكلمة نفسها، أمّـا نقاطها فقد اعتمد في خطها على خاصية التكرار، فأخرجها بحيث تتطابق مع نقاط الحرف نفسه من الكلمة نفسها التي وردت في الآية الكريمة الأُولى، لكنّـه اعتمد على تحريفها مكانيًا بحيث أزاحها عن موقعها الأصلي فوق الحرف، ليخطّـها في الفراغ الواقع بين تقويسة حرف اللام من كلمة (يعمل)، وحرف الألف من كلمة (شرا)، فأنتج بذلك حيوية لافتة وانسجامًا شكليًا ناتجًا عن تعدد حركات الحروف والاستغلال الأمثل للمساحة المتاحة   

    واعتمادًا على قدرته في التصرّف بأشكال الحروف، خطَّ الفنان عباس حرف القاف مطموس العين؛ ليحقق خاصية التضاد الشكلي مع الحرف ذاته من الكلمة ذاتها في الآية الأولى التي أخرجها مُـخـرّقة العين، لكنّـه خط حرف الألف من الكلمة نفسها بالشكل نفسه الذي خطّـه به في الكلمة ذاتها التي وردت في الآية الأُولى، واعتمد على خاصية التحريف المكاني لحرف اللام، فأزاحه ليستقر فوق حرف الألف من الكلمة ذاتها محققاً خاصيتي التراكب والتقاطع فأوجد بذلك ايهامًا بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.

   في معالجته الفنية لكلمة (ذرة) عمد الى خطّـها بحركة اتجاهية مائلة الى يسار النص، ونازلة الى الأسفل بحيث يسهم حرفا الدال والراء في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى، واعتمد على خاصية التكرار في شكل حروفها مع شكل حروف الكلمة نفسها التي وردت في الآية الكريمة الأُولى، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع في حرف الراء مع حرف الذال لينتج ايهامًا بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، أمّـا نقطة حرف الذال فقد اعتمد على خاصية التحريف ليحرفها عن موضعها الأصلي، والذي يكون فوقها لكنّـه خطّـها داخل تقويسة حرف الواو التي أصبحت حاضنة لها، واختار موقعها في جهة اليمين، ومنحها شكلا دائريًا صغيرًا قياسًا الى أحجام النقاط الأُخرى، فتحقـقت خاصية التضاد الشكليّ، وفي الوقت ذاته تحققت خاصية التكرار شكلا وحجمًا مع نقطتي حرف الياء من كلمة (يعمل)، ونقطتي حرف التاء من كلمة (ذرة)، فأنتج بذلك تناسبًا وتناسقًا حيويًا.

   وحقق خاصية التضاد الشكلي في نقاط حرف التاء التي خطّـها بشكل دائرتين متجاورتين، في حين أنّـه خطّـهما في الآية الأُولى بشكل متوازي المستطيلات، وعالج حروف كلمة (يره) فنياً بالطريقة نفسها التي عالجها بها في الآية الأُولى، لكنّـه خطَّ نقطتي الياء بشكل متوازي المستطيلات المتكرر والمتعامد، واختار لهما موقعهما الأصلي أي تحت الحرف بحيث أسهمت النقطة الواقعة في الأسفل في تحقيق الإغلاق الشكلي للكمثرى، كما اعتمد على خاصية التأليف في وصل حرف الهاء مع نهاية تقويسة حرف الراء الرحماني.

   في إخراج كلمة (شرا) عمد الى رفعها مكانيًا بحيث أصبحت كلمتا (ذرة يره) قاعدة لها، وخطّ أسنان حرف السين قصيرة لكنّـه اعتمد على خاصية التنصيل فمدّ تقويسته ليكسبه حيوية ورشاقة، وخطَّ حرف الراء بشكل الراء المجموع، فحقق بذلك تضادًا بينه وبين شكل الحرف نفسه في كلمة (خيرا)، أمّـا حرف الألف فقد عالجه فنيًا بتكرار شكله مع شكل الحرف نفسه في كلمة (خيرا) التي وردت في الآية الأُولى، وأفاد من رفعه مكانيًا والمبالغة في طوله لتحقيق الايهام بالبعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، حيث تراكب وتقاطع مع حرف الثاء من كلمة (مثقال)، واعتمد على خاصية التكرار الشكلي في خط حرفي الياء والراء من كلمة(يره) لكنه اختار موقعها في الجزء الاسفل من الكتلة، ليحقق تضادً مكانيًا بينها وبين الكلمة نفسها الواردة في الآية الأولى، والتي رفعها الى أعلى الكتلة، ويبدو أنَّ الدلالة القيمية خيرًا وشرًا هي التي دفعت بالفنان عباس الى هذا الاختيار القصدي.

    اتخذت نقطتا حرف الياء موقعهما تحته، وكانتا بشكل متوازي المستطيلات المتكرر والمتعامد، فتطابق هذا الشكل مع شكل نقطتي القاف من كلمة (مثقال) الواردة في الآية نفسها، ولكنه حقق التضاد مع أشكال النقاط الأُخرى، واعتمادًا على خاصية التكرار الشكلي كرر شكل حرف الهاء مع شكله في كلمة (يره) الواردة في الآية الاولى، ولكنه اتخذ من تقويسة حرف الياء الرحماني قاعدة يرتفع فوقها ويتصل بها من جهة اليسار، محققًا خاصية التأليف.

    قد يكون المحمول الدلالي للألوان ايجابيًا أو سلبيًا، فاللون الأحمر له دلالات ايجابية متعددة وسلبية متعددة أيضًا مثل الغضب والخطر والانذار، فتوظيف هذا اللون لخط كلمة (شرا) في هذه الآية يتطابق مع الدلالة السلبية للشر.  

   في تزيين الآية الكريمة اختار التشكيلات نفسها التي اعتمد عليها في إخراج الآية الأُولى، ولكنّـه تصرّف في توزيعها في الفراغات البينية والمحيطية، بحيث أسهمت مع الحروف في تحقيق الإغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى من جهة، وترصين وتماسك الكتلة من جهة ثانية، واضفاء البُـعد الجمالي عليها من جهة ثالثة.

    تُـعـدُّ الأرضية العنصر التكويني الثالث للّوحة الخطيّـة والمساحة السلبية لها؛ لأنَّ الكتلة الخطيّـة هي المساحة الايجابية المشغولة بعناصر التكوين وبمحمولها الدلالي أيضًا؛ ولكي لا تطغى الأرضية عليها يجب أن تكون بسيطة وقليلة العناصر فلا تؤثّـر على المُشاهد لها وتشغل بصره وتفكيره عن الكتلة، ولهذا يسعى الفنان الى إحداث نوع من التوازن بينهما دون أن يغفل عن قيمة الخلفية في ابراز الكتلة وتحديد جوّها العام، وهذا ما يلاحظه المُشاهد في الكيفية التي تعامل بها الفنان عباس مع الخلفية في هذه اللوحة، حيث اعتمد على الألوان فقط في تنفيذها، فاختار اللون الأزرق السماوي بدرجته الفاتحة ليشغل قسمًا من خلفية الكلمات، وذلك للقيمة الدلالية الروحية لهذا اللون والمرتبطة بالقيمة الدلالية للآية الكريمة، فضلا عن اظهاره له بشكل ضبابي للإيهام بالبُـعد الثالث الوهمي، وأحاطه باللون الأصفر المتدرج فبدا وكأنّـه هالة من نور، والنور هو دليل الإنسان الى الخير، ثم أحاطه باللون الأسود المتدرّج الى اللون البنيّ عن طريق إضافة اللون الأحمر إليه، ويلاحظ المُشاهد أنَّ الفنان عباس اعتنى بتظهير هذا اللون بشكل ضبابي أيضًا؛ لتحقيق جملة أهداف، فالهدف الأول كان تقنيًا؛ لأنَّ الألوان حين تكون ضبابية تضفي شيئاً من عدم وضوح المعالم، والهدف الثاني كان تواصليًا؛ لأنّـه منح المُشاهد شعورًا بالاتساع من خلال تعدد نوعية الألوان، حيث أنَّ اللون الأزرق من الألوان الباردة، واللون الأصفر من الألوان الحارّة، واللون الأسود من الألوان الحيادية وكذلك اللون البني ولكنَّ إضافة اللون الأحمر إليه منحه مسحة حيوية، والهدف الثالث هو الايهام بالبعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading