مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

وعي الانتقاء – هشام فرجـي

صورة لرجل يرتدي بدلًة رسمية مع ربطة عنق حمراء، يبدو واثقًا ويبتسم، وخلفية الصورة بلون أزرق فاتح.

في زمنٍ كثرت فيه الوجوه، وتشابهت فيه الأصوات، لم تعد العلاقات تُبنى على المحبة الخالصة، بل تُختبر بمنطق المصلحة والاهتمام المؤقت. أصبح القرب نسبيًّا، والاهتمام موسميًّا، والوفاء عملة نادرة تُمنح على استحياء، ولا تُوزَّع إلا على من تجاوز اختبارات الحضور في الغياب، والعطاء دون طلب، والصدق دون انتظار مقابل.

وليست المأساة في فقر العلاقات، بل في وفرتها وتراكمها دون عمق او معنى. نعيش اليوم في مجتمعات تضج بالتواصل الرقمي، وتفتقر إلى التواصل الإنساني. نُراسل، نُعلّق، نُبارك، لكننا لا نرى، لا نسمع، ولا نحتضن حقًا. فنُتقن فنون القرب الافتراضي، ونخفق في تجسيد الحضور الحقيقي. وهنا تبدأ أولى إشارات الوعي: أن تدرك أن الكثرة لا تعني الغنى، وأن الامتلاء لا يُشبه الاكتمال.

ثمة علاقات تُنهكنا لا لأنها قاسية، بل لأنها مُبهمة. لا نعرف موقعنا فيها، ولا نُدرك حجمنا في قلوب أصحابها. ننتظر منهم إشارة، كلمة، موقفًا صغيرًا يُثبت أننا لسنا عابرين. لكنهم، غالبًا، لا يعطون او يمنحون ذلك، ليس لأنهم سيئون، بل لأنهم مشغولون بأنفسهم حدّ العمى.

 في هذه اللحظة بالتحديد، يصبح الانسحاب فعلًا ناضجًا، لا ردّة فعلٍ ضعيفة. أن تنسحب من قلبٍ لا يتّسع لك، لا يعني أنك انهزمت، بل يعني أنك احترمت ما تبقّى منك. وأن تصمت في وجه التهميش، لا يعني أنك رضيت، بل أنك اخترت ألا تُهدر طاقتك على من لا يراك. ولقد علمتني التجربة أن الذين لا يتذكّرونك إلا عند الحاجة، لا يستحقون أكثر من ردّ سلامٍ مهذّب. كما أن الذين يختفون وقت ضيقك ثم يعودون وقت فرحك، لا يستحقون الاحتفال معهم. وأن الذين لا يُبادلونك الحديث إلا عندما تبادر، لا يسمّون أصدقاء…، بل مستهلكين عاطفيين.

ليس المطلوب أن نعادي أحدًا، بل أن نُرتب حقول أرواحنا كما يرتّب الفلّاح أرضه قبيل الزرع. أن نقتلع الأعشاب الضارة من ذاكرتنا، ونُفسح مكانًا لمن يُثمر حضورهم فينا. وأن نُدرّب قلوبنا على الانتقاء كما نُدرّب عقولنا على الفهم.

فراقب من يذكرك في غيابك، ومن يدعو لك دون أن تطلب، ومن يُربّت على كتفك دون مقابل. هؤلاء فقط، هم الامتداد الحقيقي لمعنى “الانتماء”. أما الباقون، فدع الأيام تمتحنهم دون أن تُخاصمهم، ودون أن تشرح أو أن تُعاتب. فالذين لا يفهمون صمتك، لن تُجدي معهم الكلمات.

في النهاية، لا تكن قاسيًا، لكن لا تكن ساذجًا أيضًا. امنح قلبك فقط لمن يستحقه. واجعل الوفاء تاجًا لا يُمنح إلا لقلّة… قلّة تعرف أن الحب حضور، لا ظرف. وأن الصداقة التزام، لا صدفة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading