القهوة المُرّة :أسماء أقيس – فرنسا

جزائرية مقيمة بفرنسا
عادةً لا أحب طَعم القهوة… بل أعشق رائحتها. تلك الرائحة التي تسبق حضورها كما تسبق الكلمات مشاعرها، فتتسلّل إلى الحواس مثل وعدٍ قديم. كأنها تعتذر عن مرارتها مسبقًا وتقول: “لست كما تظنين، لكنني أصدق مما تعرفين.”
في سكون صباحٍ رمادي، جلست وحدي أمام فنجانٍ من القهوة المُرّة. كانت المرة الأولى التي أُجرب فيها هذا الطعم لا بفضولٍ عابر، بل بشيء من التواطؤ مع ما في داخلي.
وجدتُ فيها شبهًا يشبهني… لم يُضف إليها سكر، ولم تُقدَّم لي على عجل. كأنها مثلي: لا تُحب التجمّل، لا تُناسب الضجيج، ولا تُؤخذ بلا انتباه.
كانت تُرتشف كما تُرتشف الحقيقة… على مهل، وبخشوعٍ يشبه القبول بعد طول مقاومة.
أعجبُ لمن ينفرون من مرارة القهوة… كأنهم لا يعلمون أن في المرارة صدقًا لا يُدركه إلا من ذاق خذلانًا نبيلاً، أو فقدًا ناضجًا، أو حبًا لم يكتمل، لكنه علّمنا كيف نحب أنفسنا حين لا يبقى أحد.

القهوة المُرّة ليست مشروبًا يُقدَّم في فناجين صغيرة، بل فلسفة كاملة. في رشفتها الأولى، تسألنا: ماذا أخفيت؟ ماذا مررت عليه مرور العابرين، وهو في قلبك مقيم؟
تستدعي كلّ ضحكة مجاملة وكلّ كلمة قلتها وأنت تقصد غيرها.
تُذكّرك أن لا بأس إن لم يكن كل شيء حلوًا، فبعض الأوقات أجمل حين تعاش كما هي… بلا تلوين، بلا سكر، بلا اعتذارات.
كلّ رشفة منها كأنها صفحة من كتاب عتيق، لا نقرأه لنفرح، بل لنسترجع صدقنا القديم، ذاك الذي كنّاه قبل أن يعلّمونا التجمّل. نتذكّر كم من مرة قاومنا لا لنربح، بل لنحمي شيئًا هشًّا في أعماقنا، لم نرغب أن يُلوَّث.
أنا لا أضيف سكرًا إلى قهوتي، لا لأنّي أُحب القسوة، بل لأنّي أُحب أن أواجهها كما أُواجه الحياة: بعيونٍ مفتوحة، وقلبٍ متعب، لكنه ينهض كل مرة كما لو أنّه لم ينكسر.
أفكّر في النساء اللواتي يشبهنني — لا يُطِلن الحزن، لا يهربن من الشوق، لا يُخدّرن ذاكرتَهن بسكّر المساومة. يشربن الحياة كما هي: دافئة، مُرّة، صادقة.
القهوة المُرّة لا تُشرب في ضوضاء. إنّها ابنة السكون، رفيقة التأمل، ومرآة لمن يُجيدون الإصغاء لصوتهم الداخلي. أولئك الذين تعلّموا أنّ في المرارة حكمة، وفي الحكمة عزاء، وفي العزلة نوع من النُبل، لا الهروب.
في زاوية هادئة من نهاري، جلستُ أمام فنجانٍ يتصاعد منه بخارٌ خفيف… لا يحمل دفء الصباح فقط، بل شيئًا من الذكرى، ونفَسًا خافتًا يشبه الحنين. قهوة بلا سكّر، كما أحبّها، وكما اعتادتني.
لا أدّعي البطولة في تعاطي المرارة، لكنّني أدركت منذ زمن أن التجميل الزائد يُفقد الأشياء معناها. الحلاوة الفائضة تسرق من القهوة نُبلها، كما تفعل الكلمات حين تفيض بلا صدق، والقلوب حين تتزيّن بما لا تقوى عليه.
للقهوة المُرّة طعمٌ يشبه نبرة الصمت حين تطول، ونظرة العين حين تفضح ما عجز اللسان عن البوح به. لا تُشرب لتُنسى، بل لتُستوعب. هي حديثٌ هادئ لا يحتاج إلى منبر، بل إلى قلبٍ حاضر.
رشفةٌ منها كأنّها ومضة وعي، أو وقفة على أطلال لحظةٍ لم تنتهِ.
تأخذني إليّ… لا لأنّني أهرب، بل لأن في أعماقي ما يستحق أن أستمع له.
لا أرتشفها استعجالًا، بل أتركها تمكث في كفّي قليلًا، كأنّي أستفهم منها شيئًا عني. عن امرأةٍ لم تعد تخشى المُرّ، لأنّها ذاقت من الحياة ما يكفي لتعرف: أن الطعم لا يُقاس بالسُّكر، بل بالأثر الذي يتركه في الروح.
القهوة المُرّة لا تُعلَن، لا تُعرض، لا تُجامل. تشبه الحضور الصادق، الذي لا يُفسّر، ولا يُعاد ترتيبه ليُعجب الآخرين.
فيها شيءٌ من الوقار، من الصبر، من النضوجات الصامتة التي لا يُلاحظها أحد، لكنها تغيّر فينا أشياء كثيرة.
وها أنا، كلما أمسكت بفنجاني، أحسّ أنني أُمسك بجزء من هويّتي… تلك التي لا تُقال كثيرًا، ولا تحتاج إلى تبرير.
فنجاني لا يطلب المشاركة، يكفيه أن أُصغي إليه.
ولعلّي أنا أيضًا، لا أطلب أكثر من ذلك.
فأنا، كما قهوتي… لا أطلب أن أُحبّ، بل أن أُفهَم.
ولعلّ هذا وحده… يكفيني.





