القصة القصيرة

مرآة العمر – بقلم : د. علي الطائي 

صورة شخصية الدكتور علي الطائي 2019

جلس الحاج عبد الرحمن أمام منزله الطيني في الحي العتيق، يتأمل الأطفال وهم يركضون بفرح، يتسابقون بلا هموم، كما كان يفعل يومًا. مرَّر يده على لحيته البيضاء، ثم تنهد طويلًا. السنين تمضي كالماء بين الأصابع، لا نشعر بها إلا حين تنظر إلينا المرآة، فنجد في وجوهنا خريطةً من الذكريات.

اقترب منه حفيده الصغير، وجلس عند قدميه، وقال ببراءة:

 -“جدي، لماذا تبدو حزينًا؟”

ابتسم الحاج عبد الرحمن وربَّت على رأس الصغير، وقال بصوت عميق:

– “لستُ حزينًا يا بني، لكنني أفكر في الزمن… أتذكر حين كنتُ في مثل عمرك، كنتُ أركض هنا كما تفعلون، كنتُ أضحك بلا حساب، وأظن أن الدنيا ستبقى كما هي، لا تتغير… لكنني كنتُ مخطئًا، فالسنوات تمضي، وتحمل معها كل شيء.”

نظر إليه الصغير بحيرة، فسأله:

-“هل السنين تسرقنا يا جدي؟”

ضحك الرجل العجوز ضحكة هادئة وقال:

– “لا، يا بني… بل تعلّمنا، تقسو علينا أحيانًا، لكنها تمنحنا الحكمة. كنتُ شابًا قويًا، عملت، كافحت، فرحت، حزنت، ثم مضت الأعوام، وأخذت معها قوتي، لكنها منحتني شيئًا أعظم: الفهم. عرفت أن المال يذهب، والصحة تزول، والأصحاب يتغيرون، لكن ما يبقى هو ما تركناه في قلوب الآخرين من أثر.”

أطرق الصغير يفكر، ثم رفع رأسه وقال:

– “وماذا نفعل يا جدي، حتى لا تأخذ منا السنين كل شيء؟”

أشرق وجه الحاج عبد الرحمن بابتسامة رضا، وقال:

– “نعيشها بحب، نفعل الخير، نساعد الضعيف، نحفظ المعروف، ونترك خلفنا ذكرى طيبة… لأن الإنسان لا يُقاس بعمره، بل بما تركه في نفوس الناس.”

ساد الصمت بينهما، لكن الريح حملت معها حكمة الزمن، وعلمت الصغير درسًا لن ينساه أبدًا… أن السنين لا تسرقنا، بل تكتب تاريخنا، فلنجعلها تكتبه بأجمل صورة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading