القصة القصيرة

لحظة هاربة – اسماعيل الرجب

44296805 328964631240286 178103523441901568 n

يجلس متوتّرا في زاوية الغرفة، يشعر وكأن طوفانًا هادرًا يجتاحه، وتنبض حياته بالخوف يتسلل إلى أعماقه. ، لم يعد باستطاعته في تلك اللحظة التحكم بنفسه. اعصابه تفلت فيحشر نفسه في زوايا عقلٍ متصدع. حمل بندقيته، وخرج إلى الحديقة، متوجها نحو مصير مجهول، كأنه يتحرك في اجواء ضباب كثيف”…..

طاااخ طاااخ طاااخ…

كانت الأطلاقات تنفجر في الهواء، تقطع صمت الغروب الذي تحفّ به الخيبات والذكريات. اهتزت اغصان الأشجار فهربت العصافير في قلق، ُبعيدا عن رائحة الموت وأجواء الخوف. ولده الوحيد يعيش في ضميره، يختبئ في ظلال الصور الهائمة، مختلطًا بأفكار تبدو وكأنها جرائم تُرتكب بحق المستقبل.

شغلته تلك الهمسات والنعيق، الأصوات التي كانت تتعالى في أرجاء عقله، كأنها قادمة من كهوفٍ مظلمة. أصبح كل شيء هاجسًا مهولًا، يندفع برأسه يضربه بالحائط، كمن يسعى لإفراز الأنين المعذب الذي بدا أنه اخترق عقله. تتابعت الضربات، لكنها لم تُخفف من وطأة الألم. سقط في غياهب النوم، حيث يتحول الجسد إلى رماد، لكنّ الكوابيس تحاصره ، تثقب احلامه وتسوق العقارب والأفاعي للدّخول إليها، تلك الصور تعني له حتمية المصير الذي لا مفر منه.

يستفيق على صراخٍ غريب، صوت زوجته يتحوّل في سمعه إلى عاصفة من العويل، الموجودات باتت تحاصره وتضيّق عليه حياته التي تحيط به، هرعت المفجوعة بولدها إلى الشرفة بروح هائمة . رأته يتمرغ بتراب الحديقة في هذه الصورة المحطمة، وفي ضميرها تلتمع سنوات خمس من الألم، منذ أن فقدته في تفجير ارهابي استهدف أطفالًا في المدرسة. كل تلك الأهوال قضت على روحها، ووسمت حياتها بالجنون.

تارة تراه يتدلّى وسط الغرفة، بحبلٍ مشدود إلى عمود المروحة، وأخرى تراه يقطع شريانه ويُسقط مضرّجا بدمه على الأرض. ولّدت تلك الرؤى الخرساء في ذهنها انهيارًا، وصار كل شيء يفقد معناه.

في صباحٍ آخر، تكرر الصراخ بنبرة أكثر قلقًا. هرعت إلى الشرفة المحتشدة بالصّورالمفزعة. وقع نظرها عليه وهو يسند بندقيته على شجرة التوت، حيث اتخذ قراره الفاجع. يضع فوهة البندقية في سقف فمه!!. صرخت “لا.. لا تفعل!” ، لكنّ صرختها تبددت في فضاء من اللهب…

ضغط على الزناد. طااااخ.

فسقط على ارض الحديقة مضرجاٍ بدمه النافر، ولم يعد هناك سوى صدى اطلاقة يتردد في لحظة هاربة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading