زوجة اخي – محمد جبر حسن

صار عُمرها ثلاثة وستين عاماً، أي أصغر منهُ بخمس سنوات، ظلت محتفظة بجمالها وحيويتها وروحها المرحة التي جعلته يتمسك بها ويحُبّها دون سائر النساء، لم تشكُ منه يوماً لقلة ما يعطيها من مال ولا لقلة ما يوليها من الإهتمام لانشغاله بالعمل وأُمور الدنيا، زاد حبه لها أكثر وذلك لحبها لعائلتنا الكبيرة بعد أن أصبحت جزءاً مهماً منّا، فتماشت مع عاداتنا وتقاليدنا، لم تبدِ لنا أبداً أنها من بيئةٍ أُخرى ومن طبقةٍ إجتماعية أُخرى.
كان حبها لأخي يكبر ويزهر يوماً بعد يوم وصار مثلاً يحتذى به، في البداية كانت كل بنات الحي الذي نعيش فيه يحسدنها لأنها ظفرت بحبه، وشيئاً فشيئاً أصبح هذا الحسد غبطةً، فتمنين أن يرزقهن الله بحب رجل مثلما رزقها، تقربن منها فتقربت منهن فأحببنها وأحبتهن، فكانت إذا مرضت يشعرن كلهن بمرضها، ولا يهدأ لهن بال الى ان تشفى وتمسي بصحة وعافية.
طيلة سنوات زواجهما التي امتدت لأكثر من ثلاثة وأربعين عاماً كانت سنداً لأخي وبمثابة أُم وأُخت وابنة وصديقة عدا عن كونها زوجة وحبيبة، احاطتهُ بالرعاية من جميع جوانب حياته ولم تبخل عليه بأي شيء، مثلما هو لم يبخل عنها بمحبته واحترامه لها، فأخذا من طباع وصفات بعضهما حتى صارا كأنهما يحملان روحاً واحدة.
وخلال الفترة الطويلة من حياتهما الزوجية لا اتذكر انها غادرت بيتنا الذي عاشت فيه ولم تترك أخي لخلاف أو شجار معه حتى عندما توفي والدها في السنة الأُولى من زواجهما لم تبقَ إلّا ثلاثة أيام في بيت أهلها، وعندما رقدت والدتها في المستشفى كانت تذهب لها وترعاها عدة ساعات وتعود بلهفة لأخي وأطفالها الذين لا يستطيعون فراقها.
كانت نموذجية في كل شيء.. جميلة وأصيلة ومثقفة وربة بيت ماهرة، وملتزمة دينياً واخلاقياً.. لم تكذب، لم تنافق، كريمة اليد، كريمة المشاعر، تحزن مع الجميع وتفرح مع الجميع كأنها ملاك يمشي على الأرض..
هكذا أتخيل زوجة أخي الذي مات شهيداً في مقتبل شبابه.. ولم يتزوج!





