مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

مقاصل الهوية / سميرة جدي -الجزائر

Copilot 20260523 165415 300x300 1

عندما ماتت أمينة لم يبكها اهل القرية كثيرا.
فقد كانت في نظر الجميع تلك المرأة العادية التي عاشت حياة عادية وتوفت في السن والظروف العادية.
لكن ما كانت تعرفه حفيدتها سارة دون غيرها أن أمينة لم تمت ذلك اليوم… لقد ماتت لمرات عديدة قبل ذلك.
أولاها عندما كانت في الثانية عشر من عمرها، حين عادت من المدرسة إلى البيت راكضة ملوحة بشهادة نجاحها، فبادرها والدها أن الفتاة لم تخلق للعلم لأن بيت زوجها هو مصيرها الحقيقي.
والثانية عندما مزقت دفتر خواطرها وقصائدها تحت نظرات السخرية والتهكم.
أما الثالثة فكانت حين تعلمت الابتسام وهي تسمع القرارات التي اتخذت بخصوص حياتها دون أن تستشار أو أن يأخذ رأيها بين الاعتبار.
حتى تطاولت القرارات لتصل إلى حد التصرف في ميراثها من والدها دون أن تعلم أو أن تكون لها الفرصة أن تعترض.
كانت في كل مرة توأد نسخة منها مع ميلاد النسخة الجديدة المطيعة التي يصفق لها الجميع.
بعد أيام من الوفاة، عثرت سارة على علبة خشبية صغيرة مخبأة بعناية خلف خزانة الجدة.
فتحتها… كانت مليئة برسائل لم تصل إلى أصحابها قط.
رسائل إلى جامعات لم تلتحق بها…. إلى فارس أحلام لم تتزوجه وإلى صديقة عزيزة فرقتهما الظروف ذاتها.
وإلى نفسها.
نعم إلى نفسها.
فتحت سارة إحدى الرسائل المرتجفة الحروف: إلى أمينة التي كنت هي يوما… معذرة فأنا عاجزة عن حماية ما تبقى منك.
اقشعر جسم سارة وفتحت رسالة أخرى: ها قد نجوت من معركة مع الناس… لكن للأسف خسرت المعركة مع نفسي.
ثم الرسالة الثالثة:
أخشى أن أصل في آخر العمر إلى مكان لا أجد فيه نفسي.
طوت سارة الرسائل وعيناها تفيضان بالدموع…، أدركت من خلالها أن بعض الأشخاص يعيشون النسخة التي ترضي الغير، لا حياتهم الشخصية.
في تلك الليلة بينما الجميع يتحدث عن الجدة باعتزاز وبأوصاف محصورة بين الطاعة واللامبلاة:
كم كانت مطيعة…لا تعرف كلمة لا أبدا …. كانت تعرف حدودها ولم تتسبب مطلقا في مشكلة لأحد.
كل ذلك المديح كان بمثابة تقرير تشريح لشخصية الجدة التي جرى إعدامها بالتقسيط الممل وما اعتبرته العائلة إشادة ما كان إلا شاهد لقبر جديد فوق حلم قديم.
بعد أسابيع كانت الصدمة الحقيقية، فمن بين رسائل الجدة، وجدت سارة وثائق أخرى كانت لوالدتها أيضا…. الجدة الكبرى.
فالقصة لم تبدأ بأمينة، بل قبلها بسنوات فقد كانت الجدة الكبرى تهوى الرسم وقد أجادته لتنشئ به مشروعها الخاص لكنها أجبرت عن التوقف للأسباب ذاتها.
ثلاث نساء…. ثلاث حيوات مختلفة ومقصلة واحدة تنتقل من جيل إلى جيل تحت عناوين محترمة: * الواجب* الأصولوالأعراف* حتى بدا الإعدام فضيلة والاستسلام حكمة والاختفاء حسن تربية.
حينها وقفت سارة قبالة المرآة تتعرف على نفسها كأول مرة ثم تساءلت في نفسها: ترى من أكون لو لم يخبرني أحد بمن يجب أن أكون؟
لكنها لم تجد الإجابة، لأن المقصلة ذاتها وصلت إليها هي الأخرى منذ سنوات، في اختياراتها …في مخاوفها، في أحلام أجهضت قبل أن تولد، وفي شخصية بنتها بعناية لإرضاء الآخرين.
ما فهمته سارة أن الهوية لا تسرق دفعة واحدة، بل تستنزف على مراحل، رغبة الأمس، فكرة اليوم، وحلم المستقبل… إلى أن يبقى الإنسان كامل الملامح من الظاهر، فارغ من الداخل كقصر مهجور يتردد صدى الريح بين جدرانه الكئيبة.
وفي الذكرى الأولى لوفاة الجدة، اجتمعت العائلة حول قبرها، قرأ الجميع الفاتحة وانصرفوا.
بقيت سارة فقط هناك، وضعت الرسائل فوق القبر وهمست:
سامحيني… لم تكوني المرأة التي فشلت في تحقيق أحلامها…. كنت العظيمة التي قضت عمرها تحاول النجاة من مقاصل الهوية.
حينها هبت ريح خفيفة نثرت الأوراق فوق المقبرة…بدت للحظة كأرواح بريئة تحررت أخيرا من محبسها.
أما سارة فقد أدركت أن أخطر المقاصل ليست تلك التي تقطع الرؤوس… بل هي التي تجعل الانسان يقضي عمره كاملا يحمل رأسا لا يفكر به ولسانا لا يتكلم به وحياة لا تشبهه، … ثم يدفن في النهاية تحت اسم لم يكن يوما اسمه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة