مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

إيمان جبل..هي وهم وساعات السفر! محمد رفعت

امرأة ذات شعر بني طويل ترتدي بلوزة وردية وتبتسم، مع خلفية بسيطة.

الثانية ظهرًا
التاسع من يونيو
مطار القاهرة الدولي
لأعوام كانت ثمة رواية علي أن أخبئها، وحبيب علي أن أهادن عقله المحترق.
لكن الٱن في هذه اللحظة وأنا أسكن الفراغ على كرسي معدني في صالة سفر، ليس علي سوى التركيز على نفسي، على حقيقتي بعد زمن جاف من اللعب الجارح حول الحقيقة.
أنا الٱن تحت تأثير مخدّر لا أعرف اسمه، على ما أعتقد هو دواء جدول أعطاه لي معاوية بالأمس. لأول مرة بحياتي أقرّر أن أكون بنصف وعي.
ما حول الحقيقة هو أني لم أحتمل الهجمة المناعية هذه المرة، فطلبت شيئا عنيفًا يكتم الألم. ولكن الحقيقة نفسها هو أني أريد ولو لساعات إيقاف المحرقة في دماغي وخاصة بعد فعلتكَ المباغتة وفي هذا التوقيت الحساس تحديدًا.
لا أقول لك إني لا أستطيع التفكير الٱن، على العكس تمامًا، الأفكار تعمل بسرعة رهيبة ودماغي قادر على تفنيط كل شيء. لكن بشكل نقي يشبه الحقيقة الوحيدة.
قرّرتُ قبل ساعة من أخذ حبة المسكن العنيفة أن أكتب لك هذا الكلام على واتساب وألا أحذفه مطلقًا، وأنا أعرف أن الرسالة ستطول هذه المرة، ربما تبلغ مبلغ رواية، رواية أرويها لك وحدك بعد هذا الكم الكبير من الروايات المجنونة التي حفرت حول الحقيقة، ولم نجنِ منها سوى تخريب التربة.
في زمن بعيد في هذا المطار، تلقّى رجل -متجه نحو نفس المدينة التي أتجه إليها الٱن- خبر موت زوجته والجنين في رحمها. تخيّل الرجل أن الجنين قد مات مع الأم، لم يرجع، لم ينظر خلفه. ذهب إلى المدينة البعيدة حاملًا رائحة الموت وجثة لم تدفن بعد.
في زمن أقرب من ذاك الزمن البعيد، جلس رجل، ثاني أذكي رجل عرفته في حياتي، في صالة نفس المطار، يحمل تأشيرة سفر لنفس المدينة البعيدة متوجّهًا إلى مؤتمر يتوقف عليه مستقبله المهني.
كان ذلك الرجل معي على الهاتف، حينما تلقى خبر موت أمه في رسالة على واتساب.
كنا حينها نغني معًا “يا مسافر وحدك وفايتني”، نغنيها ونضحك، لأني كنت أحدثه أصلًا من مطار الملك فهد، نغني ونهزأ طوال الوقت بمن يمضي منا ويترك الٱخر خلفه!
المهم أنه قرأ لي رسالة الموت، وتوقفنا عن الغناء فور استيعابنا للكلمات. سكتَ لحظات قصيرة جدا وطلب مني الاستمرار وحدي في الغناء. أكملتُ الأغنية، وأنا أسمع صوت تنفسه فقط، أنطق بكلمات قليلة متفرقة، وصوته غائب تمامًا.
طلبتُ منه أن يغمض عينيه ويتخيل أنه يريح رأسه في حجري.
أمرته بقسوة أم ميتة أن يركب طيارته ويذهب لمؤتمره، من ثم يعود.
وقد سمع الكلمات ونفذها بالحرف، ليس لأنه يريد أن يسمع كلماتي، ولكن لأني اخترت ما يريده تحديدًا ويشعر بالحرج من تنفيذه، فنفذته أنا بدلًا عنه.
في زمن أقرب من كل الأزمنة الفائتة، جلس رجل (ثالث أذكى الرجال في حياتي) في صالة هذا المطار، في انتظار طيارته المتجهة إلى اجتماع عمل عاجل في نفس المدينة البعيدة..
كان معي على الخط، وأنا في سريري في بيتي بالقاهرة بعد ربع ساعة من استقبال خبر موت أمه.
انتظرته حتى ينهي كلامه لأتمكن من صياغة الموت له.
توقف فجأة في منتصف جملة، وقال لي أعرف من طريقة نطقك لاسمي في أول المكالمة أن أمي قد ماتت.
لم أخبره أي شيء بعدها، لم أملِ عليه أوامر لأني لم أستبِن جيدًا إرادته.
لكنه رجع، دفنها، أقام العزاء، وسافر للمدينة البعيدة بعد أيام.
في زمن أقرب إلي من قبضة يدي، يجلس الٱن أول أذكى الرجال في حياتي، أول أذكى الرجال كما يسميني أبي الذي تركني بعد أن أخرجوني من رحم أمي الميتة كي أربي نفسي، وأربي البيت والعالم في غيابه، وأربيه هو شخصيًّا في كل سفرية صيفية أتوجه فيها إليه في المدينة البعيدة.
أكتب إليك الحكاية وأنا واقفة في منتصف مثلث غير مفهوم، أظن أن الحكي سيطول، وأنت ليس عليك سوى أن تخرس مرة واحدة بحياتك كي أتمكن من قول الحقيقة دون أن تتدخل مشيئتك.
ينادون الٱن كي نصعد إلى الطائرة، لا أشعر بجسدي بشكل كامل، ويخيل إلي أن واحد من ثلاثتكم يريح رأسه في حجري ويثقله، حتى أنني أغالب كي أقف وأتوجه إلى الطائرة.
علي أن أقفل رسالتي إليك الٱن قفلة واضحة، حتى تُسهّل علي المفتتح القادم…
ربما سأنهيها بأن أقول لك إني عشت أعوامًا أُصَدّق فيها أني داخل رواية وأن أحدًا ما يكتبني من الأعلى، ليس لاستحالة تكوّم هذا العبث في حكاية واحدة واقعية، بل لأن عقلي يتألم وأريد أن أركن لشيء واحد أؤمن فيه وأصدقه كفكرة أني أعيش داخل رواية مجنونة، وأن الكاتب الإله من فوق سماواته سيضع القلم مرة واحدة ويفلتني.
ما علينا.. علي أن أَحْبُك قفلةَ الرسالة الٱن على غضبي المستمر من العيش في منتصف مثلث يكون فيه الحب بديلًا مؤلمًا عن موت الأمهات على عتبات مدينة أكرهها في تدفق يبدو سردية كبرى تشوّش على كل ما عداها.
* هامش: لقد أرسلتُ لكَ صورة لواحد من ثلاثةِ مثلث برمودا خاصتكم..
صورة جواز السفر في نفس المطار، وإن كنتَ فعلًا ثالث أذكى الرجال، قل لي لأي واحد منكم تعود الصورة؟
وليست حبة الدواء المجنونة هي ما تدفعني لهذا الكلام الذي يشبه الجنون، أنا فقط ألعب معك على طريقتك في قول الحقيقة، طريقة الأعوام الأربعة التي عشناها سويًّا يا حبيبي.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading