مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

الأدب الشعبي في أفريقيا – الجزء الثاني – صابر هارون

صورة مائية لرجل يرتدي بدلة زرقاء مع رابطة عنق حمراء، يظهر في خلفية ضبابية بألوان دافئة.

الحكايات الشعبية: جذور مشتركة بين دارفور ونيجيريا

تؤكد دراسات الأنثروبولوجيا والفولكلور أن الحكايات الشعبية في أفريقيا تنتمي إلى حضارة واحدة ذات جذور مشتركة، وتظهر ذلك بوضوح عند مقارنة حكاية “السلحفاة والطائر أبو دلك” في دارفور مع حكاية “السلحفاة” في رواية أشياء تتداعى للأديب النيجيري تشينوا أتشيبي.

أولاً: حكاية دارفور – الأرنب وأبو دلك

تروي جداتنا في دارفور أنه في سنوات الجفاف، اجتمعت الطيور للاحتفال بوليمة في السماء. دعا أبو دلك الأرنب للذهاب معه، لكن الأرنب لا يملك ريشاً. وافق أبو دلك أن يحمله على ريشه بشرط ألا ينكر الأرنب الجميل، وأن يغني في الحفلة باسمه.

وافقا وذهبا إلى السماء. لكن عند بدء الحفلة، بدأ الأرنب يغني وينسب الغناء لنفسه، ناسياً فضل أبي دلك. غضب أبو دلك وغادر دون أن يخبره بكيفية العودة. انتهت الحفلة وارتبك الأرنب، فقفز من السماء إلى الأرض، فتحطمت على شجرة الهشاب وجرحت أذناه. لحسن الحظ كان رجل الطب قريباً، فطلبت زوجته منه خياطة أذني الأرنب، ومن يومها صارت أذناه مشقوقتين.

ثانياً: حكاية نيجيريا – السلحفاة في أشياء تتداعى

يروي أتشيبي في الفصل الحادي عشر من روايته أشياء تتداعى على لسان إيكيويفي لابنتها إيزينما:
دعت الطيور إلى وليمة في السماء، فاستعدت كلها وصبغت أجسامها بخشب الكام الأحمر. شاهد ذكر السلحفاة الاستعدادات، وكان ماكراً ذكياً. ولما علم بالوليمة سال لعابه، فلا وجبة جيدة أكلها منذ شهرين.

طلب من الطيور أن تذهب معه، فرفضت لأنه معروف بالمكر ونكران الجميل. لكن بلسانه الحلو أقنعها، فأعطاه كل طير ريشة فصنع جناحين وطار معهم.
في السماء تكلم باسم الطيور لبلاغته، وعند انتهاء الوليمة استردت الطيور ريشها وطارت، وبقيت السلحفاة بلا أجنحة. طلبت منه الطيور رسالة لزوجته، فوافق الببغاء ونقل رسالة مقلوبة: أن تخرج زوجته الأشياء الصلبة بدل اللينة. فجمعت الزوجة المجاف والسكاكين والبنادق، فقفزت السلحفاة وتحطم درعها. جمعها رجل الطب وألصقها، لذلك صار درع السلحفاة غير أملس.

التحليل والمقارنة

من خلال سرد وتحليل الحكايتين يتضح أن الحكايات الشعبية الأفريقية تشترك في:

  1. الموتيف المركزي: صعود حيوان لا يطير إلى السماء بالخديعة، ثم سقوطه وعقابه.
  • في دارفور: الأرنب يركب على ريش أبو دلك.
  • في نيجيريا: السلحفاة تصنع أجنحة من ريش الطيور.
  1. التكيف البيئي والثقافي:
  • في دارفور استُبدلت السلحفاة بالأرنب، والبغاء بأبي دلك، لأن هذه الحيوانات أقرب للبيئة المحلية.
  • في نيجيريا حافظت الحكاية على السلحفاة والبغاء.
  1. الوظيفة التربوية المشتركة:
    تحذر الحكايتان من الغرور ونكران الجميل، وتغرسان قيم الوفاء والعاقبة السيئة للخداع. وهذا يؤكد أن الهدف التربوي واحد، وإن اختلفت الأسماء.
  2. الاستمرارية والتحول:
    الاختلاف في الأسماء ليس اختلافاً جوهرياً، بل هو تكيف بيئي ليظل النص الشعبي حياً ومقبولاً في كل بيئة.

الخلاصة

تساهم الحكايات الشعبية في تنشئة الأطفال، وترسيخ الترابط الاجتماعي، وحفظ التراث للأجيال. كما تحفظ اللغات المحلية وأسماء الأماكن والمعارف البيئية.
لذلك فإن توثيق هذا الإرث ضرورة قومية لربط الأجيال بمعارف أسلافها. فإذا فُقد إرث الأجداد، أصبحت الأجيال يتامى ثقافياً.

اضغط على النجوم واعتمد تقييمك فوراً.

تقييمات القراء المعتمدة:

لا توجد تقييمات لهذا النص حتى الآن. كن أول من يقيّم!

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading