كتابات حرة

12. الأب.. الجبل الذي لا يهتز – هشام فرجي

received 2446779685663300

إذا كانت الأم هي الرحمة التي تحيط بك من كل جانب، فالأب هو السند الذي لا يميل، هو الجبل الذي يحميك من رياح الحياة، ويظل واقفًا حتى حين تهزّه الأيام.

الأب.. هو نهر العطاء الصامت في رمضان. ففي زحمة الحياة، نلتفت كثيرًا للأم بحنانها ودفئها، لكننا ننسى الأب، ذاك الجندي المجهول الذي يعمل في صمت، ويجتهد وراء الكواليس. فهو الذي يعود مُتعبًا قبل الإفطار، وقد حمل على كاهله تعب النهار كي لا نشعر نحن بثقل الحياة.

كم من أبٍ عاد من عمله مرهقًا في نهار رمضان، لكنه لم يشتكِ، بل جلس يراقب أبناءه وهم يأكلون، مكتفيًا برؤية سعادتهم؟ كم من أبٍ أخفى تعبه وألمه ومرضه ليظل مبتسمًا، قويًا، وكأنه لا يشعر بشيء؟ الأب هو ذاك الذي يصوم عن الشكوى حتى بعد غروب الشمس.

فالأب هو دعامة الأسرة في شهر البركة. ورمضان شهر التراحم، ومن أحق بالرحمة من رجلٍ أفنى عمره لأجلنا؟ حين نجلس على مائدة الإفطار، ونتذوق أول رشفة ماء، لنتذكر أن هناك أبًا قد اجتهد، وتعب، وسهر الليالي، فقط لنحظى بهذه اللحظات الهانئة.

فرمضان بالإضافة إلى كونه صيامًا عن الطعام، لنجعله أيضا صياما عن الجحود والنكران. فكم من أبٍ انتظر كلمة “شكرًا” ولم يسمعها؟ وكم من أبٍ انتظر لمسة حنان، فلم يجدها؟ وكم من أبٍ شعر بالغربة في بيته، لأن أبناءه لم يدركوا أن الحب لا يكون للأم وحدها، بل يجب أن يُقسم بالتساوي بين من كان عطاءً ناطقًا، ومن كان تضحيةً صامتة.

أبي…

يا أوّل يدٍ أمسكت بيدي حين تعثّرت، ويا أوّل كتفٍ حملني على أمل أن أكبر. يا رجلًا كان صوته حازمًا، لكن قلبه كان بحرًا من الحنان لم يُكشف سره إلا بعد غيابه. يا من أتيت رمضانًا بعد رمضان، وأنت تحمل في جيبك فرحتنا، وفي قلبك قلقك علينا، وفي يديك تعبك الذي لم نُقدّره كما ينبغي. إن كان رمضان شهر العطاء، فأنت العطاء كله دون كلل. وإن كان رمضان شهر الكرم، فأنت الكريم الذي أعطى بلا مقابل. وإن كان رمضان شهر الدعوات، فأعظم دعوةٍ ندعوها اليوم: اللهم احفظ آباءنا، وبارك في أعمارهم، واغفر لمن رحل منهم، واجعل تعبهم في ميزان حسناتهم.

فكيف يكون برّ الأب في رمضان؟

. اجعله يشعر أنك تقدّر ما يفعله، فكلمة امتنان واحدة قد تكون أغلى عنده من كنوز الدنيا.

. اقضِ وقتًا معه، فالآباء أيضًا يحتاجون إلى الجلوس مع أبنائهم، وإن لم يُظهِروا ذلك.

. خفف عنه الأعباء، وأظهر له أنك أصبحت رجلًا أو امرأةً يستطيع الاعتماد عليها.

. إن كان قد رحل، فلا تنسه من الصدقات والدعاء، فالأبناء الصالحون هم الاستثمار الحقيقي الذي يبقى له بعد موته.

ختامًا، فرمضان مدرسة للتأمل، والتأمل في نعمة الأب واجبٌ على كل قلبٍ صادق. فإن كان البعض يشتاق إلى أبٍ فقده، فلا تكن ممن يعيشون الغفلة في وجود آبائهم. اجعل هذا الشهر فرصةً لتعويض ما فات، واملأ لحظاته بلمسات وفاءٍ لأبيك، ذلك الجبل الذي لا يهتز.

فاللهم اجعل آباءنا من أهل الفردوس الأعلى، وبارك في من بقي منهم، وأسبغ عليهم الصحة والعافية.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading