هٰكذا تبدُو الأُحجية – كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

هٰكذا تبدُو الأُحجية
في أوطاننا المُخدَّرةِ بالضجيج
دوائرُ مغلقةٌ
ودوائرُ مفتوحةٌ علىٰ الانغلاق
المسافةُ بينها جذوةٌ
حينَ اشتعلتْ
تحوَّلتا إلىٰ رماد
العابرونَ خلافاً للعادةِ
يبرِّرونَ نكرانَهم
يوحونَ لمَنْ يضمرونَ حنقاً
أنَّ الصورَ المشوَّهةَ
هي ما يفكرونَ بهِ حقّاً
لذلكَ ما انفكَّتِ الشوارعُ
تزيِّف قناعاتها
عندَ احتدامِ المسافات
في الأزمنةِ المشبوبةِ أحداقاً
بيدَ أنَّ التنصّلَ من عقمها
يوجبُ تسجيرَ تنورٍ
خبزُهُ مبتلٌّ بملحٍ وطين
طلعُهُ مخضرُّ النبتِ
وضوعُهُ مشرئبُّ الخطىٰ
ربَّما يكشفُ السرَّ
صوتٌ تدثَّرَ بالصمتِ
في عالمٍ أتعبَتْ شفتَيهِ
أكفُّ الكلام
ثَمَّةَ جنونٌ عاكفٌ علىٰ تقويمِ الألم
ثَمَّةَ عيونٌ تنزفُ خجلاً أمامَ الرمم
هٰكذا تبدُو الأُحجيةُ
كأنَّها الكوابيسُ تنزلُ كالصاعقةِ
وهم ما بينَ صحوٍ وذهولٍ
يشرقونَ مرَّة ويأفلونَ مرَّات
ثمَّ يعود الالتباسُ
يتبرعَمُ جذراً
لهُ في المصبَّات عمقٌ
وفي مواقدِ الجمرِ نار
لو كانتْ لنا مثابة تروّضنا
لما بقينا كالدَّبىٰ المنتشرِ كالحرائق
يقضمُ الثمر
طنينُهُ كثير وفعلُهُ قليل
يتسلَّلُ تحتَ جنحِ الظلامِ
نحو ميتاتهِ المتكرّرةِ
وليسَ هنالكَ من حجر .






الأستاذ كامل عبد الحسين الكعبي ،
لقد لامستَ بنصّك هذا أوتاراً عميقةً في دواخل النفس البشرية وفي جسد الأوطان التي تعيش “المخدَّرة بالضجيج”. إنها أُحجية حقاً، كما أسميتها، تحمل في طياتها مرارة الواقع وتعقيداته، وتطرح تساؤلات فلسفية حول الوجود، والمعنى، والزمن، والمسؤولية.
من الناحية الفكرية الفلسفية، نصّك يُشكل مرآةً تعكس حالة من التمزق والضياع. “دوائر مغلقة ودوائر مفتوحة على الانغلاق” هي تجسيد لحالة اليأس والانحباس، فالمسافة التي كان من المفترض أن تكون جسرًا للتواصل والنمو، تحولت إلى “جذوة” سرعان ما استهلكت نفسها، فـ”تحولتا إلى رماد”. هذا التصوير لعملية الفناء الذاتي، حيث يكون الدافع للوصال هو نفسه سبب العدم، يحمل في طياته تناقضاً وجودياً عميقاً. إنها دعوة للتفكير في طبيعة الصراع الداخلي والخارجي الذي لا يؤدي إلا إلى تدمير الذات والآخر.
“العابرون خلافاً للعادة يبررون نكرانهم” هذه الجملة تضع يدها على داء اجتماعي متفشٍ؛ ألا وهو التبرير المستمر للتقاعس عن الحق والمسؤولية. هناك حالة من التواطؤ الصامت، حيث يفضل الناس أن يبرروا عجزهم أو نكرانهم للحقائق بدلاً من مواجهتها، وهذا يُبرز ظاهرة الهروب من المواجهة ومن الحقيقة المؤلمة. “الصور المشوهة هي ما يفكرون به حقاً” تُلقي الضوء على الانحراف الإدراكي، حيث تُصبح الحقيقة متمثلة في التزييف، وتُفقد القدرة على التمييز بين الأصيل والزائف. هذا الانحراف يُبرر “تزييف الشوارع لقناعاتها”، فالمكان الذي يجب أن يكون شاهداً على الحقيقة، يُصبح مسرحاً للتزييف والتظاهر.
عبارتكم “في الأزمنة المشبوبة أحداقاً” لافتة بشكل خاص. إنها تصور زماناً ملتهباً بالترقب والخوف، زماناً تتصادم فيه النظرات وتتوتر فيه النفوس. ولكن، ورغم هذا الالتهاب، هناك حاجة ملحة للتنصل من “عقمها”، أي من عقم هذه الحالة من الجمود واليأس. الحل الذي تقترحونه هو “تسجير تنورٍ خبزه مبتلٌ بملح وطين”. هنا يكمن عمق فلسفي آخر؛ فالخبز، رمز الحياة والقوت، يُصبح مرتبطاً بالملح (الشقاء والتعب) والطين (الأصل والتراب)، في إشارة إلى ضرورة العودة إلى الجذور، إلى الكدح الحقيقي، إلى العمل الأصيل الممتزج بمعاناة الواقع، لإخراج “طلع مخضر النبت” و”وضوع مشرئب الخطى”. هذا الخبز ليس مجرد خبز، بل هو نتاج كفاح يائس، ولكنه يحمل في طياته بذور الأمل والنهوض.
إن “صوت تدثر بالصمت” الذي قد “يكشف السر” هو دعوة للتأمل في قوة الكلمة غير المنطوقة، في الحكمة التي تأتي من الصمت، في عالم “أتعبت شفتيه أكف الكلام”. هذا يعكس حالة من الإرهاق من كثرة الكلام الذي لا يُجدي، ومن الشعارات الجوفاء، في مقابل البحث عن حقيقة جوهرية لا تُقال باللسان وإنما تُدرك بالبصيرة.
أما الجانب النقدي الأدبي، فنصّك يمتلك قوة تصويرية فريدة ولغة شعرية مكثفة. الصور المبتكرة، مثل “أوطاننا المُخدَّرةِ بالضجيج”، و”دوائر مفتوحة على الانغلاق”، و”جذوة حين اشتعلت تحولتا إلى رماد”، تُعطي النص عمقاً فنياً وتجعل القارئ يتوقف عندها طويلاً. هذه الصور ليست مجرد تراكيب لغوية، بل هي كتل فكرية تحمل معانٍ متعددة.
اللغة التي استخدمتها هي لغة رصينة ونقية وجاذبة، تمزج بين الفصحى الأصيلة والتعبير البليغ، مع بعض الجناس والطباق الذي يُثري المعنى. على سبيل المثال، التناقض بين “صحو وذهول” و”يشرقون مرة ويأفلون مرات” يُعطي إحساساً بالتقلب واللايقين الذي يعيشه الإنسان في ظل هذه “الأُحجية”.
ومع ذلك، هناك بعض الجوانب التي قد تُفضي إلى نقاشٍ بناءٍ حول النص. في بعض المقاطع، قد يجد القارئ أن كثافة الرمزية قد تُشكل تحدياً في الفهم الفوري. فمثلًا، “المسافة جذوة” أو “أكف الكلام” هي صور جميلة، لكنها قد تتطلب من القارئ جهداً إضافياً لتفكيكها وربطها بالسياق العام للنص. هذا لا يُقلل من جمال النص، بل يُشير إلى طبيعته النخبوية التي تُخاطب قلة مُدركة.
كما أن التدفق السردي، وإن كان شاعرياً، قد يبدو متقطعاً في بعض الأحيان، حيث ينتقل النص بين أفكار ورموز مختلفة دون روابط واضحة تماماً، مما يجعله أشبه بـ”كوابيس تنزل كالصاعقة” حقاً. هذا الأسلوب، وإن كان مقصوداً لخلق جو من اللايقين والاضطراب، قد يُفقد بعض القراء خيط التتبع المنطقي.
ختاماً، إن قولكم “لو كانت لنا مثابة تروضنا لما بقينا كالدبى المنتشر كالحرائق” هو بيت القصيد في النص. إنه سؤال فلسفي عميق عن غياب الوعي الذاتي، عن الحاجة إلى قوة داخلية أو خارجية تُعيد ترتيب الفوضى، وتُروض الغرائز المدمرة التي تجعلنا “كالدبى” الذي “يقضم الثمر”، كثير الطنين وقليل الفعل. هذه الصورة الختامية تُختتم بتأكيد على غياب “الحجر” الذي يرمز إلى الثبات، إلى الرادع، إلى الوعي الذي يوقف هذا التدمير الذاتي المتكرر. نصّكم هذا دعوة صارخة للتأمل في حال الأوطان والأفراد، ومحاولة جريئة لفك شفرة هذه “الأُحجية” الوجودية. هل تظنون أن الأوطان التي تُعاني من هذه الحالة من التيه، قد تجد في النهاية “حجرًا” يُعيد لها توازنها، أم أن “ميتاتها المتكررة” قدر محتوم؟
✍️د.محمد ابوقرون
الكاتب والناقد