مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

نص (بوسات) للدكتور أحمد جارالله ياسين (نموذجًا):قراءة نقدية في فن الأدب الساخر- محمود صلاح الدين

صورة لرجل يجلس في اجتماع أو مناسبة، يرتدي قميصًا أحمر ولديه لحية قصيرة. تعبير وجهه يظهر التركيز أو التفاعل مع ما يحدث حوله.

في بداية الموضوع، يجب التعريف بشخصية الدكتور أحمد جارالله ياسين، أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب – جامعة الموصل، وهو شخصية طالما تميّزت بالشمولية – إذا صحّ التعبير – وصاحب باعٍ طويل في هذا النوع من الأدب.

القراءة:

النص: (صالح سعيد البومة .. مواطن عراقي “باسَ” أرض الوطن منذ أول يوم لولادته، بعد أن سقط من حضن أمه التي ارتجفت خوفًا بعد سماعها بالانقلاب على النظام الملكي عام 1958..)

البداية رمزية، وتتجسّد في اقتران لحظة الولادة بالحدث السياسي، فكان ما بين أمرين: الرعب والاحتفال، مما خلق نوعًا من الاضطراب النفسي لدى المواطن. وبعدها يأتي الانتقال إلى حضن الأم، وهو ما أراد به الكاتب الإشارة إلى أن الاهتزازات السياسية، المتمثلة بالتقلبات والانقلابات، متزامنة مع الفرد منذ المهد.

النص: (ثم ظل يُبوس الأرض في كل المناسبات الوطنية، وآخرها فوز المنتخب العراقي بكأس خليجي 25.. إذ إنه باس أرض الشارع غير المبلط أمام بيته حمدًا وشكرًا).

وهنا تكمن الاحترافية في خلق المفارقات، التي تظهر في المناسبات الوطنية، ومنها الاحتفالات بالإنجازات الرياضية، التي خلقت نوعًا من التشويش الفكري لدى المواطن. ثم ينتقل إلى الشارع غير المبلط، الذي يرمز إلى الخراب، ومن المفارقات أن الشخصية ذاتها تتغنى بالتراب المنبعث من الشوارع غير المبلطة.

النص: (ومن بوسات صالح سعيد البومة التاريخية عندما عاد أول مرة من جبهة القتال في حرب الخليج الأولى عام 1981، فباس أرض بيته، وكان من حسن حظه أن (الحوش) قد شُطف تَوًّا بالمنظفات المعطّرة، المزيِلة لنكهة “النِعال” التي كانت مصنَّعة حينذاك صناعة وطنية من بلاستيك البلد…)

العودة من الوحدات العسكرية وتقبيل الأرض تُعد نوعًا من السخرية التي تخلقها الحياة اليومية. ثم ينتقل إلى مصطلح (النِعال)، الذي يُعَدّ من الصناعات الوطنية – إن وُجدت – وبهذا يكون المواطن قد اعتاد على طلب الحد الأدنى من عطايا الوطن. وما يلفت النظر هو استخدام الكاتب للمصطلحات الشعبية مثل (الحوش، النِعال)، ما أضفى نكهة محلية مطعّمة بالسخرية.

النص: (ثم كانت البوسة الثانية التاريخية يوم زواجه من حبّه الأول والأخير (فهيمة)… عندما باس حديقة بيت أهلها احتفالًا واعتزازًا بالثيل الذي سارت عليه فهيمة حافية القدمين من شدة الفرح في حفلة الخطوبة، على أنغام أغنية (لا خبر لا جفيّة لا حامض حلو لا شربت).

ينتقل هنا من القضايا العامة إلى الخصوصية العائلية، المتمثلة بـ(فهيمة)، زوجة المواطن صالح. وتصوير تلك القُبَل للعشب الذي مرّت عليه الزوجة، دليل على المبالغة في قدسية الأشياء، وفي هذا نوع من السخرية من بعض التصرفات التي تبدو ساذجة. أما عن إدخال أغنية (لا خبر لا جفيّة…)، فهو صناعة مزيج ما بين الفرح الساذج والحزن المرير.

النص: (أما البوسة الثالثة لأرض الوطن، فكانت عند عودته سالمًا من القصف الأمريكي الذي تعرّضت له قافلة الجنود عام 1991، في حرب الخليج الثانية).

السخرية هنا تأتي من تصوير النجاة على أنها حدث يستحق تقبيل الأرض، رغم أنها أرض “مُقصَفة”، وفي ذلك رسم لصورة الواقع النفسي الذي مرّ به المواطن، فأصبح التقبيل تعبيرًا عن الفرح المفرط لحدث معيّن. بعدها يأتي التهكّم الواضح من استمرارية فكرة حب الوطن التي يتكرر فيها التقديس المفرط للأرض، بوصفها رمزًا للوطن، مهما كانت مضرّجة بالدماء.

النص: (وفي عام 2003، باس أرض الوطن مرة رابعة، بعد أن أخطأته رصاصة قنّاص مرتزق في الجيش الأمريكي يوم 9 نيسان في بغداد، عندما كان جنديًا احتياطيًا…)

يُستعرض هنا حدث غزو بغداد والنجاة من القنص، ومع ذلك يُقابل الحدث بفعل رمزي: “باس الأرض”، بدلًا من الاحتجاج أو الصراخ، فأصبح الفعل نوعًا من الرتابة في حياة المواطن. أما اتخاذه صفة “الجندي الاحتياطي”، فهو يرمز إلى المواطن المغلوب على أمره، الذي يُساق إلى الحرب، ثم يُقبّل الأرض لأنه لم يُقتل. وهكذا بات التكرار الرتيب في الحياة مادةً دسمةً للسخرية من الاستسلام للعنف.

النص: (في عام 2007، باس أرض الوطن بوسَتين، بعد العودة من العمرة، والاحتفال بفوز المنتخب العراقي بكأس آسيا… ثم باس الأرض مرة سابعة قرب كاتب العرائض بعد إنجازه معاملة التقاعد).

هنا يظهر الجمع بين “العمرة”، و”الرياضة”، و”كاتب العرائض”، ليكشف عن اختلاط القيم والمقدسات بالشؤون التافهة، وهو ما فرضه الواقع على المواطن صالح. ثم تأتي السخرية من أن إنجاز معاملة تقاعد في العراق يُعادل حدثًا وطنيًا يستحق تقبيل الأرض. أما “كاتب العرائض”، فهو رمز للبيروقراطية البطيئة والفاسدة، التي تصبح مصدر “فرح وطني” عند تجاوزها.

النص: (وحاليًا، ينتظر المواطن صالح سعيد البومة نزول سعر صرف الدولار أكثر، ليُبوس أرض الوطن مرة ثامنة في مكتب الصيرفة القريب من بيته… وقد نذر أن يذبح تيسًا هرمًا على أنغام (جنة جنة جنة، والله يا وطنّا)…)

تمثل هذه الفقرة ذروة السخرية: الوطنية هنا أصبحت مرتبطة بتحسّن سعر الدولار. ثم ينتقل إلى “مكتب الصيرفة” الذي حلّ محل ساحة المعركة أو الحديقة – إنها وطنية اقتصادية انتهازية ساخرة بامتياز. أما الجمع بين “التيس الهرِم” والنذر، مع أغنية “جنة جنة”، فيخلق مشهدًا ساخرًا من مظاهر “الفرح الشعبي المؤدلج”، الذي لا يُدرك عمق الأزمة.

الخلاصة … النص يتمتع بحرفية عالية، وليس هذا غريبًا على شخصية كاتب النص، فهو الجامع بين الوضع الأكاديمي والخبرات المتراكمة، وهذا ما منح الموضوع نكهة ساخرة من الحياة اليومية على فترات زمنية متعاقبة.

وقد كانت هناك نقاط أساسية، منها: أن الأرض تحوّلت من رمز للانتماء إلى “سطح” يتلقى القُبَل في كل مناسبة – سواء كانت مؤلمة أو عبثية. وبهذا نكون قد قدّمنا دراسة متواضعة لنص يمتاز بأنه كُتب بقلم أكاديمي محترف، متمثلًا بشخصية الدكتور أحمد جارالله ياسين.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading