موقع نزار قبّاني من تحوّلات الشعريّة المعاصرة / فتحي النصري

يُمثّل نزار قبّاني حالة خاصّة في الشعر العربي المعاصر، فحين أصدر مجموعته الشعريّة البكر “قالت لي السمراء” سنة 1944 كانت الممارسة الشعريّة العربيّة تتهيّأ لتدشين تحوّلات جذريّة تعدّت فهم الشعر ووظائفه وعياره لتشمل الأشكال الشعريّة. فقد سكنت الموجة الحداثيّة الأولى التي أطلقتها الرومنطيقيّة واستنفدت امتداداتُها من النماذج الغنائيّة الذاتيّة التي سادت في النصف الأوّل من القرن العشرين أغراضَها، وسيتّجه الأدب برمّته وبمختلف أجناسه إلى توثيق الصلة بالحياة بإعادة الاعتبار إلى مفهوم المحاكاة بمعنى تمثيل الواقع والمجتمع في الممارسة الأدبيّة.
وقد صاغ أحد رموز الشعريّة الجديدة يوسف الخال مفهوم الشعر الجديد وحدّد ملامحه في محاضرة ألقاها في أواخر 1956 موضوعها “مستقبل الشعر العربي” وقد دعا فيها إلى جملة من الأسس لتجديد الشعر أبرزها:
“- التعبير عن التجربة الحياتيّة على حقيقتها (…)
- إبدال التعابير والمفردات القديمة التي استنزفت حيويّتها بتعابير ومفردات جديدة مستمدّة من صميم التجربة ومن حياة الشعب (…)
- تطوير الإيقاع الشعريّ العربي وصقله على ضوء المضامين الجديدة. فليس للأوزان التقليديّة أيّة قداسة (…)
الامتزاج بروح الشعب لا بالطبيعة .
وتؤكّد هذه الأسس ما ذهب إليه يوري لوتمان من أنّ الثورة الفنّيّة ضدّ النموذج أو النماذج التي كرّسها الأسلاف المباشرون والتي انطلق المجدّدون من محاكاتها تتمّ باسم إعادة الصلة بين الشعر والحياة، وذلك بالدعوة إلى تحرير الممارسة الشعريّة من ضوابط المرحلة الفنيّة السابقة التي استوفت أغراضها واستنفدت حيويّتها والعمل على إدخال جوازات جديدة على لغة الشعر وإيقاعه تُدْنيه من “لغة الحياة” و”إيقاعها”. وهو ما يعني تنثير الشعر .
وقد تجسّمت هذه الأسس في مستوى الممارسة الشعريّة في تحرير الشكل الشعريّ بظهور الشعر الحرّ وشيوعه ابتداء من أواخر العقد الخامس ثمّ بإقبال عدد من الشعراء على كتابة قصيدة النثر في العقد السادس ، وتجسّمت أيضا في تطعيم اللغة بمستويات لغويّة كانت مقصاة في الشعريّتين الكلاسيكيّة والرومنطيقيّة من مجال الشعر، وفي انفتاح مواضيع الشعر ومضامينه على الحياة والتجربة المعيشة و”روح الشعب”.
ولم يكن نزار قبّاني بمعزل عن هذه الروح التجديديّة، فمن الثابت أنّه انخرط فيها انخراطا كان له أثره في مختلف مكوّنات نصّه الشعريّ محتوى ولغة وإيقاعا. وسنقصر نظرنا على ما يهمّ موضوع بحثنا أي النظّم. فنشير إلى أنّ نزار قبّاني وعى بصورة مبكّرة الحاجة إلى تطوير الأشكال الشعريّة حتّى يلائم إطار النظم المضامين الجديدة. فقد كتب نزار قبّاني سنة 1957 في مجلّة “الصيّاد” في عددها الصادر في كانون الثاني مقالا هو بمثابة كتاب مفتوح موجّه إلى الناقد مارون عبّود بعنوان “”جانين” والوجوديّة…ومارون عبّود”. وكان الناقد اللبناني لم يستسغ إقبال نزار قبّاني على النّظم الحرّ في ديوانه “قصائد”. وممّا جاء في مقال قبّاني قوله: “كان من المستحيل عليّ أن أكتب عن جانين .. والجاز..والمانمارتر بالبحر الطويل أو البسيط، لأنّ صلة الموضوع بإطار العرض حقيقة لا يمكن الفرار منها..” .
وقد ترجمت ممارسة نزار قبّاني الشعريّة هذا الوعي منذ مجاميعه الأولى وحتّى قبل انخراطه في الشعر الحرّ. وقد نستثني مجموعته الشعريّة البكر “قالت لي السمراء” (1944) التي لم يشذّ فيها عن ضوابط النظم التقليدي. ولكن حتّى في هذه المجموعة لا نعدم تمرّدا مبكّرا على هذه الضوابط. فقد وردت فيها قصيدة بعنوان “اندفاع” وهي من الشعر الحرّ . وهو ما يجعل من نزار قبّاني في صورة ما ثبت أنّ هذه القصيدة موجودة بالصيغة نفسها في الطبعة الأولى (1944) من المجموعة الشعريّة المذكورة أسبق إلى كتابة قصيدة حرّة من بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة اللذين دأب النقّاد على أن ينسبوا إليهما الأسبقيّة الزمنيّة إلى النظم الحرّ.
وقد بادر نزرا قبّاني في دواوينه التالية السابقة لانخراطه في الشعر الحرّ: “طفولة نهد” (1948) و”سامبا” (1949) و”أنت لي” (1950) إلى إجراءات تمسّ من نظام البيت ذي الشطرين دون أن تتخلّى عنه. ومن ذلك تقطيع البيت تقطيعا يعمد فيه عن قصد إلى الإخلال بنظام الشطرين المتناظرين بزحزحة القاسمة عن موضعها في آخر الصدر على غرار ما يلاحظ في هذا الشاهد من قصيدة “لولاك” :
أفكّر..
لولاك لو لمْ يَبُحْ من عبيركِ غَيْبُ
(…)
تدوسين أنت فللصبْحِ نَفْسٌ
وللصّخْر قَلْبُ
(…)
لَوَ انِّيَ لستُ أحبّكِ أنتِ..
فماذا أُحِبُّ؟
لا شكّ أنّه يمكن إعادة توزيع القصيدة في شكل أبيات من مجزوء المتقارب. ولكن نزار قبّاني قصد إلى توزيعها بهذا الشكل الجديد للإخلال بنظام الشطرين المتناظرين عبر تغيير نظام الوقفة وزحزحة القاسمة عن موضعها في آخر الصدر. وليس للأمر علاقة بظاهرة الإدماج المعهودة في البيت التقليدي ، وإنّما يراعي قبّاني في هذا التقطيع التركيب والمعنى سواء أوافق ذلك الوزنَ أم لم يوافقه.
وقد يعدل نزار قبّاني بالبيت في هذا التقطيع الجديد عن البنية الثنائيّة إلى بنية ثلاثيّة يراعي فيها المعنى بغضّ النظر عن الوزن على غرار ما يلاحظ في هذا الشاهد من قصيدة “كرستيان ديور” التي كانت موزّعة في طبعتها الأولى (1956) بهذه الصورة:
شذايَ الفرنسيُّ.. هل أثْمَلَكْ
حبيبي،
فإنّي تطيّبْتُ لَكْ
لأَصْغَرُ.. أصْغَرُ نقْطَةُ عِطْرٍ
ذراعٌ تُمَدُّ..
لِتَسْتَقْبِلَكْ
تناديك في الركْنِ قارورةٌ
ويسألُني الطيبُ..
أن أسْألَكْ
لَديَّ مفاجَأةٌ..
فالْتَفِتْ لي
ومرّرْ على عنقي أنْمُلَكْ
وقل لي بأنّك..
لا لا تَقُلْ لي..
وأَبْحِرْ بشَعْري الذي ظلّلكْ
إنّ تقطيع ما يساوي من حيث الكمّ بيتا من المتقارب التامّ بهذا الأسلوب هو شكل من الخروج عن نظام البيت إذ يخلّ بمبدأ الشطرين المتناظرين وهي خصيصة أساسيّة في القصيدة التقليديّة التي يقوم النظم فيها على التناظر العمودي بين الأبيات والتناظر الأفقي بين الصدر والعجز. ويغيّر هذا الأسلوب الجديد من نظام الوقفة داخل البيت ومن توزيع النفَس ومن أسلوب النظم عبر إيلاء المزيد من الأهمّيّة للتركيب والمعنى في تقطيع الكلام على حساب الوزن. وتقطيع الكلام وفق مقتضيات المعنى خصيصة النثر. ولذا يعدّ مثل هذا الإجراء انخراطا ولو محدودا، ودون التخلي عن إطار البيت التقليدي، في النزوع إلى تنثير الشعر الذي اقتضاه تجديده بالعدول عن ضوابط نماذج الغنائيّة السائدة في النصف الأوّل من القرن العشرين .
لقد زاول نزار قبّاني هذا الأسلوب في تقطيع ما يمكن ردّه إلى نظام البيت التقليدي قبل انخراطه في الشعر الحرّ وظلّ يزاوله بعده. ولكن نشير إلى أنّ الشاعر عدل عن هذا التقطيع في الطبعات المتأخّرة لدواوينه، فردّ الشواهد التي ذكرناها وأمثالها إلى نظام البيت ذي الشطرين على غرار قصيدة “كرستيان ديور” التي صارت إلى هذا الشكل:
شذاي الفرنسيّ.. هل أثْمَلَكْ
حبيبي، فإنّي تطيّبْتُ لَك
لأصْغَرُ.. أصْغَرُ نقْطَةُ عِطْرٍ
ذراعٌ تُمَدُّ..لِتَسْتَقْبِلَكْ
تناديك في الركْنِ قارورةٌ
ويسألُني الطيبُ..أن أسْألَكْ
لَديَّ مفاجَأةٌ.. فالْتَفِتْ لي
ومرّرْ على عنقي أنْمُلَكْ
وقل لي بأنّك..لا لا تَقُلْ لي..
وأَبْحِرْ بشَعْري الذي ظلّلكْ
وكأنّ قبّاني لمْ يَعِ تماما أبعاد ما قام به ودلالاته، أو لعلّه تراجع عن هذا الأسلوب في التقطيع بسبب ما وجّه إليه من نقد، إذ اتّهمه بعض النقّاد بأنّه لم يعمد إلى هذا التوزيع إلاّ لتضخيم حجم دواوينه (مارون عبّود) ولم ير صلاح فضل في هذه الظاهرة سوى لعب بالتوزيع البصري يوظّف لخدمة القراءة الخطابيّة غير أنّ الأمر مثلما أسلفنا يتعدّى أن يكون مجرّد ظاهرة بصريّة أو إيهام بالحداثة .
وغيّر نزار قبّاني في نماذج أخرى من شعره من نظام البيت من خلال تقطيعه وفق نظام مبتكر في التقفية على غرار قصيدة “وشاح” . فقد وزّع فيها البيت من مجزوء المتقارب على جزأين غير متساويين إذ تشكّل الأوّل من أربع تفعيلات والثاني من اثنتين:
سألتك كيف جمعت الجراحْ
فجاءتْ وِشاحْ
يُعَربد قنديل نار ووهْجٍ..
بكفّ الرياحْ
ويطفو ويرسو.. وقد يستريح
ببعض النَّواحْ
وقد طوّر قبّاني هذا الأسلوب في تقطيع البيت في مطوّلته سامبا (1949) وهي رباعيّات ولكن في الحقيقة لا تعدو كل رباعيّة أن تضاهي بيتا من الرمل مقطّعا ومقفّى بأسلوب مخصوص:
خطّ قوسهْ
في شرايين الشفقْ
خشب القوس احترقْ
حينَ مسَّهْ
*
وأشارا
فعلى ضِلْع الكَمَنْجا
وتَرٌ يُسْفَحُ وَهْجا
وشرارا
ومِثْلُ هذا الإجراء قَدْ يُعْزَى إلى نزوع برناسي في شعر نزار قبّاني وإلى البحث عن الكمال الشكلي. ولكنّه ينمّ مع ذلك مثل سائر الإجراءات عن نزوع لدى قبّاني ظهر ابتداء من دواوينه الأولى إلى المسّ من نظام البيت بإجرائه إجراء مخصوصا يعكس طريقة ذات فريدة في ممارسة الإيقاع.
وقد يتّخذ الخروج عن نظام القصيدة العربيّة المعروف أشكالا أخرى. فيكون العدول في مستوى القافية، فقصيدة “كلمات” تقوم على نظام الأشطر المتساوية المقفّاة في معظمها ولكن تتغيّر القافية فيها دون التزام نظام معيّن، وهو ما يخرج هذه القصيدة من نظام البيت ذي الشطرين ويجعل منها شكلا من الشعر الحرّ حافظ على التساوي بين الأبيات ولكن تحرّر في مستوى التقفية. وأمّا قصيدة “حبيبتي” ، وهي من الرجز التامّ، فقد أجراها الشاعر في نظام الشطرين والقافية الموحّدة ولكنّه يعدل عنه في بعض الأشطر على غرار الشطر الثاني من هذا الشاهد فقد تشكل من أربع تفعيلات:
قولي لهم أنا قصصت شعري
لأنّ من أحبّه..يحبّه قصيرا..
وكذلك الشطر الأوّل من هذا الشاهد فقد تشكّل من تفعيلتين:
قولي لهم: كفاني
بأنّه يحبّني كثيرا
ولم يلزم الشاعر نظام الشطرين في آخر القصيدة:
حبيبتي يا ألْفَ يا حبيبتي
حبّي لعينيك أنا كبير
وسوف يبقى دائما كبيرا
ويتكرّر مثل هذا الإجراء في قصائد أخرى منها قصيدة “شَعْري سرير من ذهب” فهي من مجزوء الرجز وصورتها البصريّة على غرار القصيدة السابقة توهم بتساوي جميع الأسطر ولكنّ الشاعر يعمد إلى كسر نظام الشطرين المتساويين في أكثر من موضع على غرار قوله:
غمّسته في الشمس
أوجعت الشُّهُبْ
وقوله:
فأين من شعري له
أين ذهَبْ
وفي الأبيات الأخيرة من القصيدة يتمّ العدول تماما عن نظام الشطرين إلى ما يوافق النظم الحرّ:
لَهُ.. لَهُ.. أطلْتُهُ
جعلتُه بطول مدّات الطربْ
تعبتُ في تطويلهِ
تعبتُ في تدليلهِ
تعبتُ كي ينسى التعبْ
*
لواحِدٍ.. لواحدٍ..
أقعد في الشمس أنا
مِنْ سنةٍ
أفتل أسلاكَ الذهبْ
وتؤكّد مثل هذه الإجراءات أمرين الأوّل أنّ التجديد الشعري عند نزار قبّاني لم يتحقّق عنده بالقطيعة فلم يكن يعني بالضرورة هجر نظام الشطرين وإنّما احتفظ به وسعى إلى أن يطوّره من داخله بإجراءات مختلفة شملت نظام تقطيع البيت ذي الشطرين والتساوي بين الأشطر ونظام القافية. والأمر الثاني أنّ انخراطه في النظم الحرّ تمّ بشكل تدريجيّ ودون التخلّي عن إمكانات بناء البيت الأخرى، وذلك أنّه يصدر عن وعيّ فنّيّ يرى “أنّ بإمكان الشعر أن يأخذ الوحدة الأساسيّة للنّغم، أي التفعيلة، لتوليد أشكال شعريّة لا نهاية لها” .
ويبلغ هذا النزوع إلى تطوير الشكل الشعري في ممارسة نزار قبّاني الشعريّة أقصاه بانخراطه في النظم الحرّ ابتداء من ديوانه الخامس “قصائد” (1956). فقد تضمّن 15 قصيدة من الشعر الحرّ من مجموع 39 قصيدة، أمّا بقيّة القصائد فهي في نظام الشطرين والقافية الموحّدة باستثناء قصيدتين في الشكل المقطعيّ والقافية المتعدّدة. وبلغ عدد القصائد الحرّة في ديوان “حبيبتي” (1961) 12 قصيدة من مجموع 28 قصيدة و11 قصيدة في نظام الشطرين و5 قصائد هي في منزلة بين نظام الشطرين والنظم الحرّ، إذ يلزم الشاعر نظام الشطرين في معظم القصيدة ثمّ يعمد إلى كسره في مواضع محدّدة إمّا بالإخلال بمبدإ التساوي بين الأشطر وإمّا بالتحرّر من الالتزام بنظام في التقفية مثلما سبق أن ذكرنا. وأمّا في ديوان “الرسم بالكلمات” (1966) فبلغ عدد القصائد الحرّة 25 قصيدة من مجموع 43 قصيدة ووردت 17 قصيدة في نظام الشطرين وواحدة في الشكل المقطعي. وانتهى نزار قبّاني إلى تغليب النظم الحرّ تغليبا جليّا في دواوينه التالية من الجزء الأوّل من الأعمال الكاملة “يوميّات امرأة لامبالية (1968) و”قصائد متوحّشة” (1970) و” كتاب الحبّ” (1970) دون أن يتخلّى تماما عن نظام الشطرين الذي ظلّ يزاوله بين الفينة والأخرى. ونتبيّن من هذا الإحصاء أنّ نزار قبّاني قد انخرط تدريجيّا في الشعر الحرّ دون أن يتخلّى عن قصيدة الشطرين والقافية الموحّدة أو عن الشكل المقطعي، ولم ترجح كفّة النظم الحرّ إلاّ ابتداء من مجموعته “الرسم بالكلمات”. فهو على خلاف معظم مجايليه من الشعراء ممّن انخرطوا في الشعر الحرّ (بدر شاكر السيّاب، عبد الوهاب البياتي، صلاح عبد الصبور، أدونيس، يوسف الخال، خليل حاوي، سعدي يوسف..) لم يتّخذ منه بديلا من الأشكال السابقة وإنّما هو عنده شكل ممكن فحسب. وهو ما يعني أنّ تجديد نزار قبّاني في الشكل الشعري لم يتمّ بالقطيعة وإنّما بالاحتفاظ بالأشكال السابقة والعمل على تطويرها وتجاوزها في آن. وقد تجلّى ذلك خاصّة في محاولاته المتنوّعة لتطوير نظام البيت دون التخلّي عنه وذلك عبر الإخلال المحدود بنظام الشطرين المتناظرين بزحزحة الوقفة عن موضعها أو بالعدول في تقطيع البيت عن البنية الثنائيّة إلى بنية ثلاثيّة أو بالتجديد في نظام التقفية أو بالتحرّر من لزوم نظام في القافية أو بالعدول عن مبدأ التساوي بين الأشطر في مواضع من القصيدة. فكلّ هذه محاولات تجري الشكل الشعري إجراء مخصوصا يمسّ من نظام البيت ذي الشطرين دون التخلّي عنه.
فنزار قبّاني لم يتعجّل القطيعة ولم يصدر عن موقف حاسم من البيت ذي الشطرين أو رؤية فنّيّة تتفصّى من الأشكال المقيّدة وتنتصر لمزيد التحرّر من شروط البيت التقليدي بل حاول استثمار كل الإمكانات المتاحة لتجديد الشكل الشعريّ سواء بالتصرّف في نظام البيت ذي الشطرين أو بممارسة النظم الحرّ. وقد يكون خروج نزار قبّاني عن ضوابط النظم التقليدي في بعض قصائده القائمة على نظام الشطرين قد تمّ بصورة عفويّة استجاب فيها الشاعر لحدسه الفنّي، ولكنّ افتراض ذلك لا يمنع من التنويه بأنّ نزار قبّاني كان يصدر في ممارسته الشعر عن وعي بأنّ “لا شكل نهائيّ في الفنّ” وبأنّ “الفنّ الشعريّ كالفنّ المعماريّ يمكن فيهما توليد أشكال لا حصر لها” ولا شيء يمنع الفنّان من أن ” يعطي الصلصال القديم وجودا جديدا” .
والحقّ أنّ اختيارات نزار قبّاني الفنّيّة تمنحه وضعا خاصّا بين شعراء جيله من المجدّدين. فقد انخرط في الموجة التجديديّة التي لاحت بوادرها منذ أواخر الأربعينيّات والتي كان من أبرز تجلّياتها حركة الشعر الحرّ ولكنّ انخراطه في هذه الموجة كان بالكيفيّة وبالقدر اللذين اقتضتهما اختياراته الجماليّة، فقد سبح مع الموجة دون أن ينجرف معها، وهو ما ينمّ عن استقلال في الشخصيّة الفنّيّة وأصالة في التجربة الشعريّة.
ولعلّ من أبرز مقتضيات هذه الموجة التجديديّة، شأن كلّ حركة تجديديّة، تجديد لغة الشعر بتطعيمها بلغة الخطاب العاديّ بهاجس الاقتراب به من الحياة، ذلك أنّ كل تجديد يقع باسم أنّ النماذج الشعريّة السابقة، أي تلك التي كرّسها الأسلاف المباشرون للمجدّدين، تكلّست وتحجّرت ولم يعد بإمكانها مواكبة متغيّرات الحياة. ولذلك اقترنت بدايات الشعر الحرّ بظهور ضروب من التنثير Prosaïsation شملت موضوع القصيدة ولغتها وإيقاعها. وهي تؤكّد سلطة الواقع بحيث يغدو مبدأ إعادة إنتاج الحياة بوسائل الشعر معيار الشعريّة الجديدة الأساسيّ .
ويتجلّى انخراط نزار قبّاني في هذا النزوع الواقعيّ في طريقة مباشرته موضوع المرأة الذي اتّخذه مجالا ثابتا لشعره. فقد أتى هذا الموضوع من مداخل وهوامش تثبّت صلة الشعر بتفاصيل الحياة اليوميّة وهوامشها وأشيائها. وتكفي الإشارة إلى بعض عناوين قصائده للتأكّد من هذا الأمر. ففي ديوانه “أنت لي” على سبيل المثال تطالعنا مثل هذه العناوين: «”أثواب”، “تلفون”، “مانيكور”، “الصليب الذهبّيّ” “المايوه الأزرق” “ثوب النوم الورديّ”، “أحمر الشفاه”. وهي عناوين لم تكن قبل نزار قبّاني مألوفة في الشعر بل تبدو أحرى بالقصّ الواقعيّ ولا سيّما بالقصّة القصيرة. ولا عجب في ذلك فالواقعيّة كانت السمة المهيمنة على الأدب في المرحلة التي باشر فيها نزرا قبّاني الكتابة الشعريّة. والشعر لا يوجد بمعزل عن القصّة فهما ينتميان إلى مجال واحد هو المجال الأدبي ويؤثّر كلّ منهما في الآخر. وعندما تهيمن الواقعيّة على المجال الأدبي فإنّ أثرها يشمل كلّ مكوّناته.
غير أنّ هذا النزوع الواقعيّ الذي وسم العقد الأوّل من حركة الشعر الحرّ لم يفض بنزار قبّاني، على خلاف معظم معاصريه ممّن انخرطوا في هذه الحركة، إلى الشعر الاجتماعي وتبنّي مقولات الالتزام والرفض والثورة. ولكنّه في المقابل وفّق إلى استخدام لغة شعريّة تنزع إلى البساطة والوضوح وترشح بحرارة التجربة المعيشة. ولقد عدل الشعر الحرّ في عقده الثاني مع مجلّة “شعر” وأدونيس عن هذا النزوع الواقعيّ الذي يبقي الشعر في حدود المحاكاة والتصوير ويقيّده بوقائع العالم إلى فهم آخر يدعو إلى أن يتجاوز الشاعر الواقع والظاهر من الأشياء لينفذ إلى صميم الوجود ويلامس الكلّيّ والجوهريّ . غير أنّ نزار قبّاني ظلّ يراوح في موقعه ولم ينخرط في هذا المنحى الفنّيّ الجديد وفي التحوّلات الشعريّة الجديدة التي أفضت، فيما أفضت إليه، إلى الشعر التمّوزي والأساليب الفنّيّة الجديدة (استدعاء الأسطورة والقصّة الدينيّة والتاريخ والرمز والقناع…).
ومعنى هذا أنّ انخراط نزار قبّاني في التجديد الشعريّ لم يتعدّ من الناحية الفنّيّة مكتسبات الشعريّة العربيّة في العقد الذي تلا ظهور حركة الشعر الحرّ. ولا نظنّنا نتجنّى على نزار قبّاني إذا ذهبنا إلى أنّ تجربته الشعريّة اكتملت وتوقّفت عن النموّ الفنّيّ بصدور مجموعته الشعريّة السابعة “الرسم بالكلمات” (1966).
يوسف الخال، الحداثة في الشعر، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 1978، ص. 80-81
Youri Lotman, La structure du texte artistique, Traduit par H. Meschonnic, Paris, Gallimard, 1973, 153-156
يدرج الخطاب النقدي العربي في قصيدة النثر الشعر غير التفعيلي سواء اتّخذ شكل الفقرة النثريّة وفق النموذج الغربي أو توخّى نظام الأسطر الشعريّة واتّخذ شكلا شبيها بالشعر الحرّ. ولذا ستنمى مجاميع شعريّة هي في الحقيقة من الشعر الحرّ غير التفعيلي من قبيل “ثلاثون قصيدة” لتوفيق صايغ ‘1954) و”حزن في ضوء القمر” لمحمّد الماغوط (1959) و”تمّوز في المدينة” لجبرا إبراهيم جبرا (1959) إلى قصيدة النثر.
هذا المقال هو ردّ على مقال لمارون عبّود. وقد ورد مقال قبّاني في مارون عبّود، نقدات عابر، بيروت، دار مارون عبّود، دار الثقافة، 1967، ص. 76
نزار قباني، الأعمال الشعريّة الكاملة، بيروت، منشورات نزار قبّاني، ط. 12، 1983، الجزء الأوّل، ص. 31.
من الغريب ألاّ يشير النقّاد إلى هذه القصيدة عند إثارة مسألة الريادة في الشعر الحرّ. وتبقى العودة إلى الطبعة الأولى من ديوان “قالت لي السمراء” ضروريّة للتحقّق ممّا زعمناه. وننوّه بأنّ شربل داغر وقف عند هذه القصيدة وعلّق قائلا :”إنّ تغييرات القصيدة العربيّة ومنها إسهامات نزار قبّاني ومنذ هذه المجموعة سبقت الموعد المكرّس لها في العام 1947 مع ولادة الشعر الحرّ”، انظر شربل داغر، نزار قبّاني أو “اقتصاد” الشعر،
https://www.charbeldagher.com/…/232-2014-02-27-10-35-41
طفولة نهد، الأعمال الشعريّة الكاملة، ج. 1، ص. 104
البيت المدمج أو البيت المداخَل الذي سمّي في النقد الحديث بيتا مدوّرا هو البيت الذي يتصل صدره بعجزه بكلمة ينتمي بعض مقاطعها وزنا إلى الصدر وبعضها إلى العجز. فهو اتّصال تركيبي بين شطري البيت لا يسمح بالوقفة في آخر الصدر. وهو ما يترتّب عليه زحزحة القاسمة عن مكانها. وما قام به نزار قبّاني غير الإدماج.
أشار صلاح فضل إلى هذا الأسلوب في التقطيع ولكن اعتبره مجرّد ظاهرة بصريّة تخدم القراءة الخطابيّة. يقول:”فمن الجهة الموسيقيّة نجد القطعة مفعمة بالإيقاع الخارجي المنظور، فهي تمضي على النمط العروضيّ التقليديّ (…) لكنّها تلعب بصريّا فحسب –بطريقة الكتابة- لعبة توزيع التفاعيل على السطور لتوائم بين المكتوب والمنطوق في تطابق حسّيّ واضح. فتغيير نمط الكتابة يوظّف أساسا لصالح القراءة الخطابيّة، لا لمجرّد وهم الحداثة كما قد يتراءى مسبّقا” أساليب الشعريّة العربية، ص.51
قصائد، الأعمال الشعريّة الكاملة، ص. 268
انظر، صلاح فضل، أساليب الشعريّة العربيّة، ص.51
طفولة نهد، الأعمال الشعريّة، ص.154
حبيبتي، لأعمال الشعريّة الكاملة، ص.373
م. ن.، ص. 375
م. ن.، ص. 390
نزار قبّاني، جانين.. والوجوديّة.. ومارون عبّود، في مارون عبّود، نقدات عابر، ص.77
نزار قبّاني، جانين.. والوجوديّة.. ومارون عبّود، ص.77
م. ن.، ص. ن.
م. ن.، ص. ن.
Youri Lotman, La structure du texte artistique, p. 153
انظر، فتحي النصري، شعريّة التخييل، قراءة في شعر سعدي يوسف، تونس، مسكيلياني، 2008، ص. 19-20





