من مقالة : البترول والإسلام! محمد عابد الجابري

“من سيكون “العدو” غدا”؟ سؤال طرحه في السر والعلن معظم الكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا منهم الذين ينتمون بصورة أو أخرى إلى مكاتب الدراسات الإستراتيجية. وقد كثر تردادهم لهذا السؤال بصورة خاصة مع بداية انهيار الاتحاد السوفيتي في أواسط الثمانينات من القرن الماضي، أي منذليس موضوعنا هنا مناقشة هذه “الإجابة” : لن نسأل عن ماذا يقصدون بـ “الإسلام”، ولا لماذا “الإسلام”؟ كما أننا لن نعرض للردود التي صدرت من هذه الجهة أو تلك على هذه الدعوى الخ. ما نريد القيام به هنا في هذا المدخل/العجالة هو وضع ذلك السؤال نفسه موضع السؤال! وإذن”العداوة” هي علاقة بين طرفين. وناسج هذه العلاقة ومحركها هو “المصلحة”، حقيقية أو موهومة. والغالب ما تكون هذه العلاقة محكومة بنوع من الاختلال في توازن القوى: طرف ضعيف يخشى على ما عنده، وطرف قوي يبحث عما ليس عنده. أما عندما يكون الطرفان محكومين بتوازن القوى هناك في نظرنا عاملان رئيسيان يفسران ذلك. أما أولهما فهو ذو طبيعة سيكولوجية، ويتلخص في كون “النصر” الذي “حالف” الولايات المتحدة في حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي كان هو الآخر نصرا “باردا”. فلم يكن انتصارا من نوع الانتصارات التي تأتي نتيجة حروب “ساخنة” يتكبد فيها المنتصر جروحا تتطلب منه الانصراأما العامل الثاني فهو أن لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي (1985-1991) قد سبقها مباشرة حادثان اثنان يقعان خارج دائرة الحرب الباردة -التي كان قطباها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. هذان الحادثان هما قيام العرب (والسعودية خاصة) بوقف ضخ البترول إلى الولايات اقد اتضح للجميع وللغرب خصوصا، وللولايات المتحدة بكيفية أخص، أن استعمال البترول، من طرف الدول العربية والإسلامية المنتجة له، سلاحا للدفاع ?بله الهجوم- يؤدي حتما إلى إصابة أي سلاح آخر يوجه ضد أصحاب البترول بالشلل التام، فضلا عن كونه يهدد الحضارة الغربية كلهاوما نريد إبرازه هنا هو أن انهيار الاتحاد السوفيتي، وبالتالي “انتصار” الولايات المتحدة في حربها الباردة على خصمها التقليدي هذا، قد جاء مقرونا ببروز “خطرين حقيقيين” يهدد أحدهما بصورة مباشرة الولايات المتحدة الأمريكية في كيانها الاقتصادي والعسكري (خطر إيقاف وإذن فالسؤال الذي كان العاملون في مكاتب الدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة يطرحونه بصيغة “من سيكون العدو غدا؟”، لم يكن من أجل البحث عن الجواب، بل كان من أجل لفت الانتباه إلى وجود “عدو كامن” موجود فعلا، منع التصريحَ به من قبل وجودُ “عدو فعلي” كان ماوبمجرد ما وضعت الحرب العراقية/الإيرانية أوزارها، وقد خرج منها العراق وهو يحمل في جوفه “قوة كامنة” من خلال التمرس بالحرب وتنامي كوادره الفنية وأيضا من خلال انخراط الدعم المالي السعودي والكويتي في المجهود الحربي العراقي، بمجرد ما خرج العراق من الحرب في وضعيهذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يعد سرا، بل لم يكن سرا في وقت من الأوقات -إذ كشفت الصحافة الغربية نفسها ذلك في حينه- أن رفض الكويت دفع ما طلبته الحكومة العراقية منها كمساهمة إضافية في تكاليف الحرب، كان استجابة لإيحاء أو “أمر” من الولايات المتحدة التي “نصحت” اكان سعي العراق إلى الزعامة العربية واضحا، خصوصا وقد فقدت مصر هذه الزعامة منذ زيارة السادات للقدس وتوقيع اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل بصورة انفرادية وفي تجاهل تام للعرب جميعا، شعوبا وحكومات. لقد خلا “كرسي الزعامة”! ومن أحق بالتربع عليه من العراق الذي رد “اهكذا أصبح العراق هو “عدو اليوم” بعد أن كان “عدو الغد”! أما “عدو الغد”، بعد العراق، فسينتقل من مجال “الكمون” إلى مجال “الظهور” بعد 11 سبتمبر. إنه “الإسلام” ممثلا هذه المرة في المملكة العربية السعودية أولا وفي إيران ثانيا .





