السرد الأدبي

من رواية ذاكرة الجسد – احلام مستغانمي

images 3 1

” ما زلت أذكر قولكِ ذات يوم : “الحب هو ما حدث بيننا. والأدب هو كل ما لم يحدث”. يمكنني اليوم, بعد ما انتهى كل شيء أن أقول : هنيئا للأدب على فجيعتنا إذن فما اكبر مساحة ما لم يحدث . إنها تصلح اليوم لأكثر من كتاب . وهنيئا للحب أيضا … فما أجمل الذي حدث بيننا … ما أجمل الذي لم يحدث… ما أجمل الذي لن يحدث . قبل اليوم, كنت اعتقد أننا لا يمكن أن نكتب عن حياتنا إلا عندما نشفى منها . عندما يمكن أن نلمس جراحنا القديمة بقلم , دون أن نتألم مرة أخرى! عندما نقدر على النظر خلفنا دون حنين, دون جنون, ودون حقد أيضا . أيمكن هذا حقاً ؟ نحن لا نشفى من ذاكرتنا . ولهذا نحن نكتب, ولهذا نحن نرسم, ولهذا يموت بعضنا أيضا . – أتريد قهوه ؟ يأتي صوت عتيقة غائبا, وكأنه يطرح السؤال على شخص غيري . معتذرا دون اعتذار, على وجه للحزن لم أخلعه منذ أيام . يخذلني صوتي فجأة … أجيب بإشارة من رأسي فقط . فتنسحب لتعود بعد لحظات, بصينية قهوة نحاسيه كبيرة عليها إبريق، وفناجين, وسكريه, ومرشّ لماء الزهر, وصحن للحلويات ! في مدن أخرى تقدم القهوة جاهزة في فنجان, وضعت جواره مسبقاً معلقه وقطعة سكر . ولكن قسنطينة مدينه تكره الإيجاز في كل شيء . إنها تفرد ما عندها دائما .تماما كما تلبس كل ما تملك. وتقول كل ما تعرف . ولهذا كان حتى الحزن وليمه في هذه المدينة . أجمع الأوراق المبعثرة أمامي , لأترك مكاناً لفنجان القهوة وكأنني أفسح مكانا لك ..! بعضها مسودات قديمة, وأخرى أوراق بيضاء تنتظر منذ أيام بعض الكلمات فقط… كي تدب فيها الحياة, وتتحول من ورق إلى أيام . كلمات فقط, أجتاز بها الصمت إلى الكلام, والذاكرة إلى النسيان, ولكن .. تركت السكر جانبا, وارتشفت قهوتي مره كما عودني حبك . فكرت في غرابه هذا الطعم العذب للقهوة المرّة . ولحظتها فقط, شعرت أنني قادر على الكتابة عنك فأشعلت سيجارة عصبيّة, ورحت أطارد دخان الكلمات التي أحرقتني منذ سنوات, دون أن أطفئ حرائقها مرة فوق صفحه . هل الورق مطفأة للذاكرة؟ “

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading