منطق السلطة من خلال فيلم : “سيا… حلم بيتون” – عبد القادر بوطالب

تدور أحداث فيلم : “سيا… حلم بيتون” ( Sia le rêve de Python) للمخرج البوركينابي داني كوياتي( Dani Kouyate ) في مدينة كومبي ( koumbi) ، هذه المدينة التي تعرضت للجفاف، وعمها الخراب والفقر، وعليه قرر الكهنة تقديم قربان بشري
( sacrifice humain) كما جرت العادة، فوقع الاختيار على سيا (Sia)لتكون قربانا، لكن خطيبها مامادي (Mamadi) تمرد على الإمبراطور وكهنته، فحدث أن يتغير نظام الحكم، وأصبح خطيب سيا (Sia)إمبراطورا، لكن أكذوبة القرابين وآليات ممارسة السلطة تستمر. وإزاء هذا الوضع الجديد تتمرد سيا(Sia) بدورها، ذلك لأنها عاشت تجربة الاغتصاب من طرف الكهنة، وبالتالي اطلعت وكشفت أكذوبة القرابين البشرية، فكان من المفروض أن تصبح جزءا من السلطة ، إلا أنها لم تفعل، بل فقدت عقلها، وأصبحت تهيم في الطرقات والأزقة ، وهي تردد أقوال كيرفا (Kerfa) المجنون، هذه الأقوال التي تنطق بالحكمة والصواب عينه، لكن سكان المدينة لم يستطيعوا أن يستوعبوها ويستخلصوا منها العبر، وربما لن يفعلوا أبدا على الإطلاق، مادام منطق السلطة وآلياتها تتمتع بقدرة هائلة على التجدد والاستمرارية، وتشتغل بآليات شديدة التعقيد.
أولا : البعد الكوني للفكرة:
استطاع داني كوياطي ( Dani Kouyate ) من خلال هذا الفيلم أن يعكس وبشكل رائع منطق السلطة وآليات اشتغالها، إذ أبرز ضمن فضاء كومبي ( koumbi)كل الأشكال الضرورية والتي تكثف واقع السلطة، وتستدعي كل التمثلات التي لا غنى عنها لإحكام وفهم البنية الناظمة لعلاقة الحاكم والمحكوم. والواقع، أن هذه البنية تنفلت انفلاتا كليا عن كل تحديد زمكاني، فهي تنسحب على كل الأمكنة، وتحيل على أزمنة مختلفة، وهي بهذا تأخد أبعادا كونية. تشعرنا مدينة كومبي ( koumbi)بزمن البدايات/ زمن التأسيس ، حيث البناء الطيني وبساطة الأشياء، ولكن عندما تفقد سيا (Sia) عقلها، تشعرنا و تذكرنا بزمن كيرفا (Kerfa) (مجنون كومبي)، يبدو عالما قريبا وشبيها بزمننا الحاضر، وإن كنا إزاء عوالم مغايرة ومختلفة، عالم قد يكون هو جزء من زمننا، إن لم يكن هو زمننا بالذات، حيث نصطدم بالبناء الاسمنتي والطرق الاسفلتية، والتي تبدو خطوات سيا (Sia)فوقها أكثر قوة وعنفوانا، وهي تردد أقوال كريفا(Kerfa)، وكأن الزمن والمكان لم يتغيرا مادام منطق السلطة يستعصي على التغير، ويجد على الدوام المبررات التي تسمح له بالتجدد والاستمرارية.
يعيد داني كوياطي ( Dani Kouyate ) تنظيم عالم السلطة ومكوناته الأكثر دلالة، بحيث يوظف ثلاثة عناصر أساسية تتداخل وتتقاطع لتؤسس وبجمالية بالغة التعقيد والإتقان عالما مكثفا يعري ويكشف منطق السلطة وآلياته الأكثر غموضا وعنفا، بحيث تبدو هذه العناصر لصيقة بالسلطة، إذ بدونها لا تكتمل ممارسة السلطة أو على الأقل يمكن أن تمارس بشكل ناقص، وهي بذلك ترسي خطابا يتخذ صبغة تتجاوز نطاق تلاحق الأحداث والمشاهد، لترتقي إلى مستوى التعبير عن القضايا الأكثر أهمية، فهذ العناصر تشكل ثالوثا متداخلا، تتشكل عناصره من العنف كمبدأ مؤسس، والسر كناظم للتراتبية، والجنون كضرورة لخلق الغموض والالتباس، وهذا الثالوث بهذه الصيغة ينبغي أن ينسحب على شيء، وأن يكون حاضرا بشكل تزامني.
ثانيا: العنف كمبدأ مؤسس.
تكشف أزقة كومبي ( koumbi)وبعض من فضاءاتها العامة حالة من الاكراه المعمم، فخطوات المارة السريعة والتي قد تصاحبها – أحيانا – دقات الطبول العنيفة والقوية والتي تثير الإحساس بحالة من المطاردة، وكأن المارة يستشعرون شيئا لامرئيا يراقب حركاتهم ويحبس أنفاسهم. وبالفعل، نفس المعنى يمكن أن يقرأ على وجوه الناس، وخاصة وأن الكاميرا تتعمد الانتقال من وجه لأخر، محاولة إبراز حالة الخوف والتوجس. نستشعر بذلك – على وجه الدقة – في وجوه الأشخاص الملتفين حول حلاق كومبي( koumbi)، حيث تتداخل أقصى درجات الشجاعة اللفظية بنوع من الاكراه اللامرئي، والذي يبلغ ذروته عند اقتحام ” صالون ” الحلاقة، إذ يعاش العنف كتجربة يومية تقوي الإحساس بالمطارة والرقابة.
لا يأخذ العنف معناه الكامل إلا عند تولية مامادي(Mamadi) حاكما على كومبي( koumbi)، حيث يصبح القتل كأقصى درجات العنف أمرا عاديا، بل ضروريا، إن لم نقل واجبا، وإن تعلق الأمر بأقرب المقربين. إن القتل -هنا- يؤسس لبداية جنون سيا (Sia)، بالإضافة إلى الاغتصاب الذي تعرضت له من طرف الكهنة، وفي نفس الوقت، يؤسس لبداية ولوج مامادي(Mamadi) عالم السلطة، ويعد المؤشر الأبرز على استيعابه السريع لمنطق السلطة وآلياتها، فعنف السلطة لا يميز بين الناس إلا وفق ما يقتضيه منطقها الداخلي، إذ لا معنى للقرابة أو الصداقة أو حتى للحب، بل لا معنى للأخلاق، وهذا ما لم يتردد مامادي (Mamadi) في القيام به، وإن كان بالإمكان أن نعاين سعيا حثيثا نحو تكريس نوع المظهر الأخلاقي لكل سلطة قائمة أو التي هي قيل التشكل.
ثالثا: الجنون كضرورة.
كثيرا ما ارتبطت أقوال المجانين بالحكمة، فالمجنون يعلن حقيقة ما، حقيقة قد لا يستسيغها العقلاء، غير أنها قد تزعزع يقينهم ومعتقداتهم، وبالتالي فإن الجنون من خلال فيلم: ” سيا …حلم بيتون” يبدو ضرورة يفرضها منطق السلطة وآلياتها، بحيث لا يمكن الاستغناء عنه، فالمجنون يعلن حقيقة ترتقي إلى مستوى التعبير عن جوهر الأشياء وحقيقتها، ولكنها في نفس الوقت ذاته قد لا تعني شيئا مادام قائلها إنسان مجنون أو فاقد للعقل، ومن ثم نجد أن وظيفة الجنون تكمن في إرباك العقل، ذلك لأنه يكرس الغموض ويشيع الالتباس. إن ما يقوله المجنون حقيقة، وما يقوله غيره قد يكون حقيقة، لكن أيهما هو بالفعل حقيقة؟ وأيهما أجدر بالقبول؟
إن الأسباب التي أدت إلى جنون سيا (Sia) تكرس انطباعا بأننا نعيش زمنا دائريا، يعود بنا إلى زمن البدايات/ زمن التأسيس، ذلك أن جنون سيا (Sia) بدأ لحظة استيعابها لمنطق السلطة المؤسس على العنف والقتل، كما يمكن أن نستنتج أن الحالة نفسها هي التي عاشها كيرفا (Kerfa) و أدت إلى جنونه، وإن كان المخرج يتعمد أن لا يحكي شيئا عن ماضيه، فجنون كيرفا (Kerfa) معطى لا يحتاج إلى مقدمات، يبد أن جنون سيا (Sia) يحيلنا عليه ويخبره عنه، ونستطيع أن نتخيله ونعايشه لحظة بلحظة، إذ بدأ كحالة من الذهول والصمت عندما تعرضت للاغتصاب من طرف الكهنة، وانتهى بحالة من العري الجسدي عندما أدركت أن منطق السلطة لا يتأسس إلا على العنف والقتل، وإن كان الأمر يتعلق بلحظة التولية، حيث شكل العري نوعا الإدانة لهذا المنطق، وأحالنا على الخطيئة الأولى، إن لم نقل إلى البدايات، حيث اقترن العري بالطهر الجسدي والأخلاقي.
والواقع، أن سيا (Sia) وجدت نفسها أمام خيارين: إما أن تكون جزءا من السلطة، فهي عرفت سر بيتون / الاله، وكذلك ما يفعله الكهنة بالقرابين البشرية. وإما أن تجن، وتفقد عقلها، وبالتالي تصبح مصدرا حقيقة غير مقبولة، إلا أنها قد تكون كاشفة لحقيقة السلطة. إن الجنون يبدو ضرورة اجتماعية يقتضيها منطق السلطة، فحتى عندما لا يكون هناك مجنونا، فإن الضرورة تقتضي خلقه، أو على الأقل توصيفها الخارج عن السلطة والاجماع بكونه مجنونا.
إن ما يقول المجنون يشيع حالة من الالتباس والغموض، ذلك أن العقل والجنون لا يفهمان إلا باستحضار أحدهما للأخر، فالعقلاء بحاجة للمجانين ليدكوا معنى العقل، وإن كان العقل لا يعني بالضرورة التعقل والحكمة، فالحقيقة قد تأتي على أفواه المجانين، ولنا في تاريخنا وتراثنا ما يؤكد هذا المعنى، بحيث لا ينطق بالحقيقة إلا المجانين مادام “العقلاء” يعرفون جيدا مصير من يقول الحقيقة.
رابعا: السر كناظم للتراتبية.
تستند ممارسة السلطة في بداياتها التأسيسية إلى فعل مؤسس، قد يكون فعلا بطوليا أو عملا خارقا، بحيث يعد ذلك المؤشر الأكثر دلالة على الأحقية في الحكم والسلطة، وعلى ذلك تتأسس نوع من التراتبية والتي هي ضرورة لا غنى عنها لفرض الامتثال والخضوع. إن الشرعية التي يمتلكها الحاكم من خلال هذا الفعل المؤسس قد لا تستند بالضرورة على وقائع فعلية وتاريخية، وإنما قد تنبني على الوهم ، هذ الوهم الذي قد يجد جماعة ما على استعداد للإيمان به، وهكذا فبطولة مامادي تنبني على قتل بيتون/ الإله ، هذا الإله الذي لا وجود له على الإطلاق، وعلى هذ الأساس تجري تصفية كل الذين عرفوا حقيقة بيتون، بحيث يتحول إلى سر يؤسس لبطولة مفترضة، ولشرعية جديدة للسلطة، وهذا ما يستوجب كتم السر وحصر تداوله ومعرفته، إن منطق السلطة ينبني على كتم السر، إذ قد يكون ذلك مبررا للقتل، وسببا كافيا للجنون، وفي كلتا الحالتين( القتل والجنون) تضيع الحقيقة، ويصبح السر مصدر قلق مميت سواء بالنسبة الذين يعرفونه أو الذين يخشون انتشاره. إن الذي يعرف السر لا يمكن إلا أن يكون جزءا من السلطة أو هو السلطة ذاتها، ونتيجة ذلك يظهر ما يمكن تسميتهم بحراس السر ( les gardiens du secret) وبذلك تتأسس التراتبية التي تصبح مصدر إكراه بالنسبة للذين لا يشتركون في السر.
يمكن أن نسجل في الختام أن فيلم : “سيا … حلم بيتون” يندرج ضمن الأعمال الفنية الكبيرة التي تتخذ على عاتقها معالجة القضايا الأكثر أهمية، والتي بقدر ما تقدم إجابات، تضعنا كأفراد وجماعات ضمن واقع لا يمكن أن يقرا من زاوية واحدة وبالخصوص عندما يتعلق الأمر بعلاقاتنا بالسلطة ومنطقها وآليات اشتغالها.





