مسرحية العزلة: هارولد بنتر – ترجمة:محمد عناني
بريجز : نحن أصدقاء من زمن بعيد أنا وجاك … تقابلنا لأول مرة على ناصية شارع … لا بد أن أقول إنه سوف ينكر هذه القصة … روايته تختلف عن روايتي … كنت أقف على ناصية شارع، واقتربت سيارة … كانت سيارته … سألني عن الطريق إلى شارع بولسوفر، قلت له: إن شارع بولسوفر يقع في منطقة مليئة بالشوارع ذات الاتجاه الواحد — منطقة معقدة ومتشابكة المرور — منطقة من السهل على المرء أن يدخلها؛ ولكن المشكلة هي أنه إذا دخلها فسيكون من الصعب عليه الخروج منها. قلت له إنه إذا أراد أن يصل إلى شارع بولسوفر فأفضل طريق هو أن ينحرف إلى اليسار في أول عطفة، ثم إلى اليمين عند العطفة الثانية في ذلك الشارع، ثم إلى اليسار في العطفة الثالثة في الشارع التالي، حتى يقابله دكان أدوات منزلية، وهنا عليه أن «يلف» الميدان بحذاء الرصيف حتى يصل إلى الزقاق الثاني إلى اليمين ويقف، وهناك سيجد نفسه في مواجهة عمارة عالية تشغلها مكاتب وشركات، أمامها فناء نصف دائري. ويمكنه أن يستفيد من هذه العمارة بأن يدور في الفناء ويخرج من الجهة المقابلة ويتبع الأسهم البيضاء على الأرض، ثم يسير في الطريق حتى يتخطى إشارتي مرور، ثم ينحرف يسارًا عند أول إشارة مرور خضراء يصادفها. وينبغي ألا يغيب برج المواصلات اللاسلكية عن نظره لحظة واحدة طبعًا، وهنا يجب أن يسير بالسيارة إلى الخلف ليهبط في موقف السيارات تحت الأرض، ثم ينقل «الفتيس» إلى الموضع الأول والثاني ويستمر في السير حتى يجد نفسه في شارع بولسوفر دون أي مشكلة على الإطلاق؛ ولكنني حذرته من أنه بعد أن يعثر على شارع بولسوفر يمكن ألا يستطيع الخروج منه. قلت له: إنني أعرف بعض الناس الذين كانوا وما يزالون يذرعون شارع بولسوفر جيئةً وذهابًا عامًا بعد عام، ولا يستطيعون الخروج منه. لقد ضيعوا شبابهم المنحوس هناك! والذين يسكنون هناك وجوههم غبراء ويأسهم شديد؛ ولكن أحدًا لا يهتم بهم — لأن الناس لا تهتم، هل تفهم؟ — إلا بالكسب غير المشروع.
أرسلت رسالة إلى صحيفة التايمز حول هذا الموضوع بعنوان «الحياة في طريق مسدود» دون نتيجة، على أي حال، قلت له ربما كان من الأفضل أن تنسى هذا الموضوع تمامًا ولا تذهب إلى شارع بولسوفر. أذكر أنني قلت له: هذه الرحلة التي تريد القيام بها … لا بد أن تنساها … يمكن أن تؤدي بك إلى الهلاك. ولكنه رد قائلًا: إن عليه أن يوصل طردًا لمكان ما. على أي حال، بذلت كل هذا الجهد معه لأن له وجهًا صبوحًا مشرقًا، وأحسست أنه رجل يميل على الدوام إلى فعل الخير؛ فأنا عادة لا أكترث بمساعدة أحد. لا بد أن أقول لك إنه سوف ينكر هذه القصة؛ لديه رواية أخرى لما حدث.
(سبونر يضع الغطاء على الطبق.)
(بريجز يصب الشمبانيا في كأس سبونر.)متى كانت آخر مرة تناولت فيها الشمبانيا على الإفطار؟
سبونر : إذا شئت الصدق والأمانة فأنا من شاربي الشمبانيا.
بريجز : حقًّا؟
سبونر : أنا خبير بالنبيذ (يشرب) ديجون. في الثلاثينيات زرت منطقة ديجون لأتذوق الأنبذة مع مترجمي الفرنسي. وحتى بعد أن مات ظللت أذهب إلى ديجون حتى لم تعد صحتي تسمح.
(وقفة.)هوجو كان رفيقًا حسنًا.
(وقفة.)سوف تسألني بالطبع عما كان يترجم لي! والإجابة هي قصائدي، فأنا شاعر.
(وقفة.)
بريجز : كنت أظن الشعراء شبابًا!
سبونر : أنا شاب. (يمد يده إلى الزجاجة) أصب لك كأسًا؟
بريجز : لا … شكرًا.
(سبونر يفحص الزجاجة.)
سبونر : أحسنت الاختيار!
بريجز : لم أخترها أنا.
سبونر (وهو يصب) : ترجمة الشعر من أصعب ما يمكن؛ لم يعد يمارس هذه الحرفة باقتدار حقيقي إلا أهل رومانيا.
بريجز : ألا تظن أن الوقت مبكر … ولا يحتمل هذه المناقشة؟
(سبونر يشرب.)لا بد أن تشرب الزجاجة كلها؛ أوامر الأطباء.
سبونر : هل يمكن بالمناسبة أن أسأل لماذا أنا محبوس في هذه الغرفة؟!
بريجز : أوامر الأطباء.
(وقفة.)قل لي متى تريد القهوة.
(وقفة.)لا شك أنه أمر رائع … أن تكون شاعرًا ولك معجبون، ومترجمون … وأن تكون شابًّا … أنا لست هذا ولا ذاك!
سبونر : نعم … ذكرتني … لا بد أن أرحل، لا بد أن أحضر اجتماعًا في الثانية عشرة … شكرًا جزيلًا على الإفطار!
بريجز : أي اجتماع؟
سبونر : اجتماع هيئة تحرير؛ أنا عضو في هيئة تحرير مجلة شعر أُنْشِئت حديثًا، سنعقد أول اجتماع لنا في الثانية عشرة، لا أستطيع التأخر.
بريجز : أين الاجتماع؟
سبونر : في حانة (رأس الثور) في منطقة (تشوك فارم) … صاحب الحانة تكرم فسمح لنا باستخدام غرفة خاصة في الدور الأول.
من المهم جدًّا أن يكون الاجتماع خاصًّا؛ لأننا سنناقش سياسة المجلة.
بريجز : حانة رأس الثور في تشوك فارم؟
سبونر : نعم. صاحبها صديقي … ولهذا أتاح لنا استخدام غرفة خاصة. صحيح أنني قلت إن اللورد لانسر سوف يحضر الاجتماع … وعلى الفور قرر أنَّ درجة معينة من العزلة ينبغي أن تتوفر لنا.
بريجز : اللورد لانسر؟
سبونر : راعينا.
بريجز : هل هو أحد قادة الجيش الذي حارب في البنغال؟
سبونر : كلا … كلا … إنه من أصل نورماندي.
بريجز : رجل ثقافة؟
سبونر : ممتاز من كل ناحية.
بريجز : بعض من هؤلاء الأرستوقراطيين يكرهون الفنون.
سبونر : اللورد لانسر رجل شرف، يحب الفنون، وقد أعلن حبه هذا على الملأ، وهولا ينكث عهدًا قطعه على نفسه؛ ولكن … لا بد أن أرحل الآن؛ لا يوافق اللورد لانسر على الرأي القائل بأنه للشعراء ألا يكترثوا بالزمن.
بريجز : جاك في حاجة إلى من يرعاه.
سبونر : جاك؟
بريجز : إنه شاعر.
سبونر : شاعر؟ حقًّا؟! حسن … يستطيع إذا شاء أن يرسل لي بعض نماذج من شعره منسوخة على الآلة الكاتبة. مسافات واسعة. على ورق كوارتو. ويستحسن أن يرسل نسخًا أخرى في مظروف مستقل من مكتب بريد آخر — حتى يضمن وصول أحد المظروفَين في حالة ضياع أحدهما، أو استيلاء بعضهم عليه — وبداخله مظروف آخر عليه عنوانه وطابع بريد. وسوف أقرأها.
بريجز : هذا تعطف منك!
سبونر : العفو! قل له إنه يستطيع أن يتطلع إلى حكم بالغ الأمانة والدقة، و — إذا جاز لي أن أقول ذلك — حكم بالغ الحساسية.
بريجز : سأخبره؛ إنه بحاجة ماسة إلى من يرعاه. يمكن لرئيسه أن يرعاه طبعًا؛ ولكنه غير مهتم … ربما كان السبب أنه هو نفسه شاعر … ربما كان ثمة غيرة في الموضوع … لا أدري! وهذا لا يعني أن رئيسه ليس كريمًا عطوفًا … فهو كذلك حقًّا. إنه متحضر إلى أبعد الحدود؛ ولكنه بشر على أية حال.
(وقفة.)
سبونر : رئيسه … شاعر؟
بريجز : ماذا بك؟ إنه ليس شاعرًا فحسب … إنه كاتب مقالات، وناقد أيضًا … إنه أديب.
سبونر : شعرت أن وجهه ليس غريبًا عليَّ!
(يدق التليفون. يتجه بريجز إليه، يرفع السماعة وينصت.)
(بريجز يرفع الصينية ويخرج بها.)
(سبونر يجلس ساكنًا.)
بريجز : حاضر.
سبونر : لقد جربت ذلك من قبل. الصوت غير المسموع. المستمع. الأمر من الطابق العلوي.
(يصب الشمبانيا.)
(هيرست يدخل مرتديًا حُلَّة. يتبعه بريجز.)
هيرست : تشارلز … شكرًا على تعطفك بالمجيء!
(يصافح سبونر.)هل أكرموا وِفادتك؟ دنسون! أحضر لنا بعض القهوة.
(بريجز يترك الغرفة.)تبدو في أتم صحة … لم تتغير على الإطلاق. لا بد أنها رياضة الاسكواش … تحافظ على قوامك وصحتك … أذكر أنك كنت لاعبًا ماهرًا في جامعة أكسفورد. ما زلت تمارسها؟ تفكير سديد وعاقل! يا لله! لقد مضت سنوات وسنوات … متى التقينا آخر مرة؟ أظن أننا تناولنا الغداء معًا آخر مرة في عام ١٩٣٨م؛ في النادي. هل تتذكر ذلك أنت؟ كان معنا كروكسلي … ومن أيضًا؟ وكان معنا مرياث … نعم أتذكر ذلك كله الآن … وبيرستون سميث. يا لها من شلة! ويا لها من ليلة! إذا صحت ذاكرتي؛ لقد ماتوا الآن جميعًا بطبيعة الحال. كلا! كلا! يا لي من أبله! يا لي من مغفل! إنني أذكر آخر مرة التقينا فيها حقًّا؛ كانت في عام ١٩٣٩م في مقصورة في ملعب لورد للكريكيت. في مباراة ضد فريق جزر الهند الغربية. وكان هاتور وكرمتون يصدان الضربات بإحكام رائع، وكان قسطنطين يوجه الكرات، وكانت الحرب تلوح في الأفق. أتعتقد أنني على حق؟ لقد شربنا معًا زجاجة نبيذ رائعة. وإنك لتبدو في نفس اللياقة البدنية التي تميزت بها آنذاك. هل مرت الحرب عليه بسلام؟
(يدخل بريجز بالقهوة ويقدمها على المنضدة.)شكرًا يا دنسون! اتركها هناك … شكرًا!
(بريجز يترك الغرفة.)كيف حال إمیلي؟ يا لها من امرأة! (يصب القهوة) سوداء؟ كيف حالك؟ يا لها من امرأة! لا بد أن أقول لك إنني وقعت في غرامها ذات يوم … لا بد أن أعترف لك … خرجت معها لنحتسي الشاي في فندق دورشستر، وبحت لها باشتهائي … قررت أن أواجه الموقف دون خوف … اقترحت عليها أن تخونك؛ قلت لها إنك إنسان ممتاز ورائع حقًّا … ثم استطردت قائلًا إنني لا أريد منها أي شيء يخصك … أنت؛ ولكنني أردت منها ذلك الجزء الذي تحتفظ به كل النساء لوقت عصيب. لكم عانيت حتى أقنعها! قالت إنها تحبك حب العبادة، وإن حياتها ستفقد معناها لو خانتك. وهنا أعملت فيها سحر الفطائر المشربة بالزبد، والقشدة الصافية، والقطايف الشهية، والفراولة الطازجة … حتى استسلمت … لا أظن أنك علمت بهذا قط … ماذا؟! لقد تقدم بنا العمر كثيرًا فلم نكترث لهذه الأمور … ألا توافقني؟
(يجلس ممسكًا بالقهوة.)استأجرت بيتًا صغيرًا لفترة الصيف. وكانت تأتي لي في سيارتها مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع … كنت جزءًا لا يتجزأ من رحلاتها إلى السوق … كنتما تسكنان في منزل في المزرعة … مزرعة والدها … وكانت تزورني في العصر — ساعة الشاي — أو في الصباح — ساعة القهوة — الأوقات البريئة! كانت لي طوال الصيف … بينما كنت تتصور أنها لك!
(يحتسي القهوة.)كانت تحب المنزل الريفي … كانت تحب الزهور مثلما أحبها … زهور النرجس، وحنك السبع، والأقاحي، والبانسيه، والبنفسج، والقرنفل!
(وقفة.)يداها الرقيقتان.
(وقفة.)لا يمكن أن أنسى طريقة ترتيبها للزهور.
(وقفة.)هل تذكر حين صحبتها إلى فرنسا؟ أكان ذلك في عام ۳۷م؟ لقد كنت معكما على ظهر الباخرة نفسها … لم أغادر قمرتي … كانت تأتي إليَّ أثناء تأديتك التمرينات الرياضية … كان حماسها لا يُجارى! ولم أشهد في حياتي مثله! … آه … حسنًا!
(وقفة.)كنتَ دائمًا مشغولًا بصحتك وقوامك، لا غبار على ذلك … كان لك قوام رائع … قوام ریاضي بطبيعته … كنت تحصل على الميداليات، وينقش اسمك على الشهادات، ويحفر بالذهب على الرخام. إذا وصل العَدَّاء يومًا إلى آخر الشوط، وحاز قصب السبق، فسوف يكون الأول في كل شيء … طول حياته. لا يمكن لشيء أن يلطخ تلك اللحظة الذهبية … أما زلتَ تعدو؟ لماذا لم نكن نلتقي إلا نادرًا بعد أن تركنا الجامعة؟ أعني … كان لديك أمر آخر يشغلك، فأنت أديب مثلي … صحيح أننا كنا نخرج معًا أحيانًا للنزهة مع تابي ولم وباقي الشلة، وكنا نتناول كأسًا أو كأسين من الويسكي في النادي؛ ولكننا لم نوثق عرى صداقتنا قط … ترى ما السبب؟! لقد نجحت أنا في وقت مبكر … طبعًا!
(وقفة.)ألم تقل إنك استمتعت بالحرب؟
سبونر : إلى حدٍّ ما … نعم.
هيرست : عظیم عظیم! كنتَ في الطيران؟
سبونر : في البحرية.
هيرست : عظیم عظيم! المدمرات؟
سبونر : زوارق الطوربيد.
هيرست : رائع! رائع! قتلت بعض الألمان؟
سبونر : واحد أو اثنين.
هيرست : برافو!
سبونر : وأنت؟
هيرست : كنت في المخابرات العسكرية.
سبونر : آه!
(وقفة.)
هيرست : واستأنفت نشاطك الأدبي بعد الحرب؟
سبونر : طبعًا.
هيرست : وأنا كذلك.
سبونر : أعتقد أنك نجحت إلى حدٍّ كبير.
هيرست : إلى حدٍّ كبير جدًّا! لقد تخطيت أفضل فترات نشاطي.
سبونر : هل ترى ستِلَّا الآن؟
(وقفة.)
هيرست : ستِلَّا؟
سبونر : لا يمكن أن تكون قد نسيت.
هيرست : ستلا من؟
هيرست : ونستانلي؟
سبونر : أخت «بنتي ونستانلي».
هيرست : آه! «بنتی»! لا … لا أراها مطلقًا.
سبونر : كنت مبهورًا بها إلى حدٍّ ما.
هيرست : هل كنتُ مبهورًا بها حقًّا يا صديقي؟ كيف عرفت؟
سبونر : كنت أنا مولعًا ﺑ «بنتي» وكان غاضبًا منك إلى حدٍّ كبير … كان يريد أن يلكمك في وجهك!
هيرست : لماذا؟
سبونر : لأنك أغويت أخته.
هيرست : وما شأنه هو بهذا؟
سبونر : كان أخاها.
هيرست : هذا هو ما أعنيه.
(وقفة.)ماذا تعني بالضبط؟ لا أفهمك.
سبونر : «بنتی» عرَّف ستلا بروبرت، كان يحب روبرت جدًّا، وكان الشاهد في عقد قرانهما. كان هو وروبرت صديقَين حميمَين. كان يهدد بأنه سيجلدك.
هيرست : من؟
سبونر : «بنتي».
هيرست : لم يستجمع شجاعته يومًا ليحدثني في ذلك بنفسه.
سبونر : ستلا رجَتْه ألا يفعل … توسلت إليه أن يكف يده … وتوسلت إليه ألا يخبر روبرت.
هيرست : فهمت … ولكن من أخبر «بنتي»؟
سبونر : أنا الذي أخبرته؛ كنت أحب «بنتي» جدًّا، كما كنت أُكن لستلا إعزازًا كبيرًا.
(وقفة.)
هيرست : يبدو أنك كنت صديقًا قويًّا للعائلة.
سبونر : أساسًا «أرابيلا» … كنا نركب الخيل معًا.
هيرست : أرابيلا هنسكوت؟
سبونر : نعم.
هيرست : كنت أعرفها في أكسفورد.
سبونر : وأنا أيضًا.
هيرست : كنت أحب أرابيلا جدًّا.
سبونر : كانت أرابيلا تحبني جدًّا … ولم يكن «بنتي» واثقًا من درجة تعلقها بي، أو الصورة التي اتخذها إعجابُها بي.
هيرست : أرجوك أن توضح لي ما تعني … أرجوك!
سبونر : «بنتي» كان يثق فيَّ، كنت أشبينه عندما تزوجا، وكان يثق في أرابيلا.
هيرست : دعني أحذرك أنني كنت دائمًا شديد الإعجاب بأرابيلا؛ كان والدها أستاذي، وكنت أحل ضيفًا عليهم في البيت.
سبونر : كنت أعرف والدها معرفة وثيقة … وكان يهتم بي اهتمامًا كبيرًا.
هيرست : كانت أرابيلا فتاة ذات حساسية … بالغة الرهافة، وغاية في التحضر.
سبونر : صحيح.
(وقفة.)
هيرست : أتريد أن تقول إنك كنت على علاقة غرامية بأرابيلا؟
سبونر : علاقة من نوعٍ ما … لم تكن تريد علاقة كاملة. كانت تكتفي بشيء واحد يشبع هوايتها الخاصة، وهي التهام الذكر.
(يقف هيرست.)
هيرست : بدأت أرى أنك وغد حقير … كيف تجرؤ على الحديث عن أرابيلا هنسكوت بهذه الطريقة؟!
سأضع اسمك في القائمة السوداء وأشطبه من النادي!
سبونر : سيدي العزيز … هل تسمح لي بأن أُذَكِّرك أنك كنت تخون ستلا ونستانلي مع إميلي سبونر زوجتي أنا — طوال صيف مديد ملوث — وأن هذه الحقيقة كان يعرفها الجميع آنذاك في شتى المقاطعات المحيطة بلندن؟ وهل لي أن أذكرك أيضًا أن «ميوريل بلاكوُود» و«دورين باسبي» لم تستطيعا قط الشفاء من دكتاتوريتك الجنسية المجنونة المدمرة؟ وهل لي أن أذكرك أيضًا أن خبر صداقتك وإفسادك لجفري رامسدن في جامعة أكسفورد … قد شاع وأصبح حديثَ الجميع في باليول وكاتدرائية كرايستشيرش؟
هيرست : هذا سب وقذف! … كيف تجرؤ على هذا؟! سوف آمر بجلدك!
سبونر : إنك أنت يا سيدي الذي سلك سلوكًا شائنًا مع الجنس اللطيف … والذي كانت زوجتي ألطف وأرق ممثل له … إنك أنت الذي سلك سلوكًا شاذًّا وشائنًا تجاه المرأة التي ربطني بها الرباط المقدس.
هيرست : أنا يا سيدي؟! سلوكًا شاذًّا وشائنًا؟!
سبونر : شائنًا حقًّا! … لقد باحت لي بكل شيء!
هيرست : هل تصغي إلى هذر زوجة فلاح؟
سبونر : أجل! لأنني كنت ذلك الفلاح.
هيرست : لم تكن فلاحًا یا سیدي؛ بل عابث بنفسه في العطلات!
سبونر : لقد كتبت قصيدة مدح (وسكس) في منزل صيفي في ضيعة «وست أبفيلد».
هيرست : لم يسعدني الحظ بقراءتها.
سبونر : إنها مكتوبة بالنظام الثلاثي، وهو شكل فني — واسمح لي أن أقول ذلك — لم تستطع أن تتقنه أنت يومًا ما.
هيرست : هذا تعدٍّ صارخ! من أنت؟ ماذا تفعل في منزلي؟
(يتجه إلى الباب وينادي.)دنسون! ويسكي وصودا!
(يتجول في الغرفة.)الواضح أنك وغد دنيء، «تشارلز وذربي» الذي عرفته كان سيدًا مهذبًا، أما الآن فقد تضاءل حجمه وانكمش … إنني لآسف لك … أين الحماس الأخلاقي الذي غذى كيانك يومًا ما؟ ألقيت به في القمامة؟
(بريجز يدخل. يصب الويسكي والصودا. ويقدمه إلى هيرست. هيرست ينظر إليه.)ألقي في القمامة … ألقي في القمامة تمامًا … (يشرب) لا أفهم … لا أفهم … وأنا أرى ذلك الآن أمامي … ودائمًا … كيف يمكن لأكثر الناس حساسية وثقافة أن يتحول بهذه السهولة … وبين عشية وضحاها … إلى رجل فظ الطباع … شرير … قاطع طريق. لم يكن يتحول أحد في الماضي (على أيامي)، كان الرجل يوجد فحسب. ولم يكن باستطاعة شيء أن يغيره إلا الدين. وكان هذا — على الأقل — بؤسًا رائعًا.
(يشرب ويجلس في كرسيه.)لسنا أفراد عصابة من الأشرار. وأنا على استعداد للصبر والتحمل … سأكون كريمًا وعطوفًا. سأريك مكتبتي؛ بل ربما أريتك غرفة المكتب؛ بل ربما أريتك قلمي ونشافتي؛ بل ربما أريتك مسند قدمي.
(يرفع كأسه.)كأس أخرى.
(بريجز يأخذ الكأس ويملؤها ويعيدها.)بل ربما أريتك ألبوم الصور … ربما رأيت فيه وجهًا يذكرك بوجهك أنت … بالرجل الذي كنتَ يومًا ما … ربما رأيت وجوه آخرين؛ في الظل … أو خدود آخرين … تستدير، أو فك هذا أو ذلك … أو قفاه … أو عينيه وقد ظللتها القبعات، فربما ذكرتك بآخرين كنت تعرفهم يومًا ما … كنت تظنهم قد ماتوا من زمن بعيد؛ ولكنك تستطيع أن تراهم يتطلعون إليك … ينظرون إليك من طرف خفي … إذا كنت تستطيع أن تواجه الشبح الطيب … إذا كنت تسمح بحب الشبح الطيب أنهم يكنون كل هذه العاطفة … لعاطفة الحبيبة في وجوههم … أنكن لها احترامًا. من المؤكد أنها لن تخلي سبيلهم ولكن … من يدري؟! … ربما أعطيتهم راحة … من يدري؟! … فربما عادت إليهم الحياة … في أغلالهم … في القدور التي تشتمل على رفاتهم … هل تعتقد أنه من القسوة أن نعيدهم إلى الحياة بعد أن حبسوا وثبتوا في أماكنهم؟ کلا … ثم كلا … إنهم في أعمق أعماقهم يريدون أن يستجيبوا للمسة أو لنظرة منك … وحين تبتسم تفيض قلوبهم بفرح طاغٍ! ولذلك أقول لك لا بد أن تعطف ويرق قلبك للموتى، مثلما تريد من الناس أن يعطفوا عليك ويرق قلبهم لك الآن … فيما تعتبر أنه حياتك.
(يشرب.)
بريجز : إنهم خواء یا صديقي، خواء … الموتى الخواء.
(صمت.)
هيرست : خطأ.
(وقفة.)أعطني الزجاجة.
بریجز: لا.
هيرست : ماذا؟
بريجز : قلت لا!
هيرست : لا أريد الهذر … لا أريد المعاكسات … أعطني الزجاجة!
(وقفة.)
بريجز : لقد رفضت.
هيرست : الرفض يمكن أن يتسبب في الفصل.
بريجز : لا يمكنك أن تفصلني.
هيرست : ولم لا؟
بریجز: لأنني سأرفض الرحيل.
هيرست : إذا قلت لك ارحل، فسوف ترحل … أعطني الزجاجة!
(صمت.)
(هيرست يوجه الكلام إلى سبونر.)
هيرست : أحضر الزجاجة.
(سبونر يتجه إلى البار. بريجز لا يتحرك. سبونر يمسك زجاجة الويسكي ويسير إلى هيرست. هيرست الويسكي ويضع الزجاجة إلى جواره.)بریجز: سأشرب كأسًا أنا أيضًا.
(بريجز يأخذ كأسًا إلى حيث وُضعت الزجاجة، فيصب منها كأسًا ويشرب.)
هيرست : يا للصفاقة! ومع ذلك فلا يهم … لقد اتسم دائمًا بسوء الخلق. هل تمطر الآن؟ غالبًا ما تمطر السماء في شهر أغسطس في إنجلترا. هل نظرت قط إلى القنوات التي يحفرها المطر في الريف الإنجليزي؟ تحت الأغصان الصغيرة المتساقطة وأوراق الأشجار الميتة، ستجد كرات تنس أسود لونها … كانت الفتيات قد ألقت بها حتى تحضرها الكلاب … أو ألقاها الأطفال بعضهم للبعض، ثم تدحرجت فوقعت في القنوات. ضاعت الكرات هناك … نسيها أصحابها وتصوروا أنها ماتت … منذ قرون!
(فوستر يدخل الغرفة.)
فوستر : حان موعد مسيرتك الصباحية.
(وقفة.)قلت إن موعد مسيرتك الصباحية قد حان.
هيرست : مسيرتي الصباحية؟ لا … لا … بكل أسف ليس لدي وقت للمشي هذا الصباح.
فوستر : حان موعد سيرك فوق الربوة.
هيرست : لا يمكن … لا أستطيع فأنا مشغول جدًّا، لدي عمل كثير.
فوستر : ماذا تشرب؟
سبونر : الشراب العظيم الذي يجرح.
هيرست (إلى سبونر) : يا إلهي! لم يقدم أحد إليك شرابًا. أين كأسك؟
سبونر : شكرًا! لا أحب أن أغير نوع المشروب، لا أحب الخلط.
هيرست : الخلط؟
سبونر : كنت أشرب شمبانيا.
هيرست : طبعًا … طبعًا … نسيت. ألبرت، علينا بزجاجة أخرى.
بريجز : بكل سرور.
(بريجز يخرج.)
هيرست : لا أستطيع! لا يمكن … لدي عمل كثير … لا بد أن أكتب مقالًا في النقد … لا بد أن نفحص الدوسيهات لنرى الموضوع الذي طُلب مني أن أقيمه تقييمًا نقديًّا … يبدو أنني نسيته.
سبونر : يمكنني أن أساعدك في هذا الصدد.
هيرست : حقًّا؟
سبونر : لسببين؛ أولًا: لأن لي أنف ابن عرس … وأستطيع أن أستخرج أي موضوع من الدوسيهات … وثانيًا: لأنني كتبت عددًا من المقالات النقدية … ألديك سكرتير؟
فوستر : أنا سكرتيره.
سبونر : العمل بالسكرتارية لا يتناسب مع مواهبك الكبيرة، وينبغي على الشعراء الشبان أن يقوموا برحلات. الرحيل والمعاناة. يمكنك أن تتطوع في البحرية مثلًا وترى البحر. الرحيل والاستكشاف.
فوستر : سبق لي أن عملت بالبحر، لقد رحلت إلى أماكن شتی وعُدت. وأنا أعمل الآن حيث يحتاجني الناس.
(بريجز يدخل ومعه الشمبانيا. يقف لدى الباب ويستمع.)
سبونر (إلى هيرست) : ذكرت ألبوم صور. يمكنني أن أتصفحه معك. أستطيع أن أذكر أسماء الوجوه التي فيه … نستطيع أن نُخرج الأموات من رقادهم. أجل … أنا واثق أنني يمكن أن أقدم مساعدة كبيرة في هذا المجال.
فوستر : هذه وجوه لا أسماء لها يا صديقي.
(بريجز يدخل الغرفة، ويضع الشمبانييرة على المنضدة.)
بريجز : وسيظلون إلى الأبد دون أسماء.
هيرست : ثمة مناطق في فؤادي لا يستطيع كائن حي … لا يستطيع كائن حي … لا يستطيع … ولا يمكنه قط أن ينفذ إليها.
(بريجز يفتح زجاجة الشمبانيا، ويصب كأسًا يقدمه إلى سبونر.)
بريجز : تفضل … في نضارة الأقاحي (إلى هيرست) تود فتيلًا یا سیدي؟
هيرست : کلا … كلا … سأظل على ما أنا عليه.
بريجز : هل تسمح لي بمشاركة الأستاذ صديق یا سیدي؟
هيرست : بطبيعة الحال.
بريجز (إلى فوستر) : أين كأسك؟
فوستر : لا أريد.
هيرست : ماذا بك؟ كن اجتماعيًّا، اختلط وشارك المجتمع الذي ارتبطت به. الذي ارتبطت به بروابط من فولاذ … اختلط.
(بريجز يصب كأسًا، ويقدمها إلى فوستر.)
فوستر : ما زلنا في الصباح … لم يحن حتى وقت الغداء.
بريجز : أفضل وقت لشرب الشمبانيا هو … قبل الغداء — أيها «البقف»!
فوستر : لا تقل لي يا «بقف»!
هيرست : نحن الثلاثة — وإياكم أن تنسوا — أصدقاء قدماء.
بريجز : ولهذا قلت له يا «بقف».
فوستر (إلى بريجز) : اخرس.
(هيرست يرفع كأسه.)
هيرست : فلنشرب نخب حظنا السعيد …
(همهمات: في صحتك.)
(يشرب الجميع، هيرست ينظر إلى النافذة.)
هيرست : الضوء … هناك … يخبو … لا يكاد يبدو ضوء النهار. إنه يتدهور بسرعة. شيء مقزز! فلنُرخِ الستائر ونضيء المصابيح.
(بريجز يرخي الستائر، ويضيء المصابيح.)
هيرست : آه … استرحت الآن.
(وقفة.)يا للهناء!
(وقفة.)سأقرر اليوم أمرًا. ثمة أمور لا بد أن أحسمها اليوم.
سبونر : سوف أساعدك.
فوستر : كنت في «بالي» عندما أرسلوا في طلبي، لم يكن ثمة ما يُجبرني على الرحيل، لم يكن ثمة ما يضطرني إلى المجيء هنا؛ ولكنني أحسست أنني مطلوب، لم يكن هناك مفر. لم يكن ثمة ما يجبرني على الرحيل من تلك الجزيرة الجميلة؛ ولكنني لم أستطع مقاومة الإغراء. كنت يافعًا فحسب … لم يكن لي اسم ولا كيان. وقيل لي إن كاتبًا شهيرًا يطلبني … يريدني أن أصبح سكرتيره، سائقه، مدبر منزله، وكاتبًا يملي عليه. کيف عرف بوجودي؟ من قال له؟
سبونر : اتخذ خطوة تتسم بالجرأة وقوة التصور. قليل من يستطيع أن يفعل ذلك. وقليل من يفعلها. وقد فعلها. ولهذا فإن الله يحبه.
بريجز : أنا الذي رشحتك. كنت وما أزال أحب الشباب لأنك تستطيع أن تنتفع بشبابك، ولكن يجب أن يكون الشباب صريحًا وأمينًا. لم تستطع أن تنتفع به. لقد رشحتك. كنت مفتوح العقل وأمامك الدنيا كلها.
فوستر : أجد العمل مثمرًا … فأنا على اتصال بذكاء من نوع خاص جدًّا، وأجد في هذا الذكاء غذاءً للعقل، ولقد غذاني ووسع آفاقي. ولهذا فهو ذكاء يستحق أن أخدمه. وأجد أن ما يتطلبه مني أمر طبيعي، ليس هذا فحسب؛ إن متطلباته مشروعة. فأنا لا أنتهك أي قانون. راحة للنفس. كان يمكن بسهولة أن أعمل عملًا آخر أخالف فيه القانون؛ ولكن عملي هذا يعطيني إحساسًا بالكرامة والشرف. إحساسي لا يتركني قط … بأنني أخدم قضية.
(يشير إلى بريجز.)إنه شریکي … إنه الذي رشحني … لقد تعلمت الكثير منه … لقد كان وما يزال دليلي … إنه أكثر من عرفتُ ابتعادًا عن الأنانية … دعُوه يحدثكم … فليتحدث.
بريجز : لمن؟
فوستر : ماذا؟
بريجز : أتحدث لمن؟
(فوستر ينظر إلى سبونر.)
فوستر : إلى … هذا.
بریجز: إلى هذا؟ إلى جامع القمامة؟ عامل المراحيض؟ إلى بائع الروبابيكيا؟ ما هذا الهذر الذي تقوله؟ انظر إليه! إنه يعبئ عصير البؤس في زجاجات، ويخبز فطائر الذل في الأفران … لماذا تتحدث إليه أصلًا؟!
هيرست : صحيح … صحيح؛ ولكن في جوهره رجل صالح … عرفته في أكسفورد.
(صمت.)
سبونر (إلى هيرست) : دعني أسكن معك، وأعمل سكرتيرًا لك.
هيرست : هل ثَم ذبابة كبيرة هنا؟ إنني أسمع طنينًا.
سبونر : لا.
هيرست : هل قلت لا؟
سبونر : نعم.
(وقفة.)أرجوك أن تعطيني هذه الوظيفة! لوكنت أرتدي حلة مثل حلتك، لرأيتني في ضوء مختلف. إنني ممتاز في التعامل مع التجار، والباعة المتجولين، ورجال الدعاية، والراهبات … يمكن أن أصمت إذا طُلِب مني ذلك، أو إذا دعت الحاجة يمكن أن أكون هشًّا بشًّا … ويمكنني أن أناقش أي موضوع تختاره؛ مستقبل الأولاد، الزهور البرية، أو الألعاب الأوليمبية … صحيح أن الدهر قد أزرى بي؛ ولكن خیالي وذكائي لم تشُبْهما شائبة، ولم تلِن إرادتي على العمل، وما زلت قادرًا على تحمل أخطر وأثقل المسئوليات. ومن ناحية المزاج والطبع فيمكنني أن أتشكل حسبما تريد؛ فإن شخصيتي في جوهرها تتسم بالتواضع. أنا رجل أمين وشريف، زد على ذلك أنني لم أتخط سن التعلم، ومهارتي في الطبخ لا بأس بها. أميل إلى فنون الطهي الفرنسية؛ ولكن الأطباق العادية لا تستعصي عليَّ، وعيني قادرة على اكتشاف التراب في أي مكان، فإذا توليت المطبخ بلغ درجة نادرة من الكمال. وأنا رقيق في معاملة الأشياء فيمكن أن أُعنى عناية بالغة بأطقم الفضيات، وأستطيع لعب الشطرنج، والبلياردو، والبيانو. يمكنني أن أعزف لك قطعة من شوبان … ويمكنني أن أقرأ لك آيات من الإنجيل. أنا رفيق حسن.
(وقفة.)لا بد أن أعترف أن حياتي العملية اتسمت بالتقلب والتنوع. كنت أحد العناصر الذهبية في جيلي؛ ولكن شيئًا ما حدث! لا أعرف ما هو، ومع ذلك فأنا لا أزال أنا، وقد عشت وتغلبت على الإهانة والحرمان. إنني أنا. إنني أقدم نفسي، ليس بمهانة؛ ولكن بكبرياء عريق. إنني آتي إليك كمحارب، وسوف يسعدني أن أخدمك باعتبارك سیدي! إنني أنحني على ركبتي أمام فخامتك، وأتمتع بالورع والحكمة والكرم والخير. وإذا رفضت هذه الخصال فسوف تخسر كثيرًا. إن من واجبي، باعتباري سيدًا مهذبًا، أن أظل لطيف المعشر جسورًا عاقلًا صموتًا شهمًا في تنفيذي لهذه المهمة أو تلك. ومعنى ذلك أن تظل حياتك الشخصية خاصة بك وسرًّا من أسرارك، ومع ذلك فلن أقبل أن يسيء إليك أحد أقل إساءة. وسيكون سَيْفي على استعداد لتمزيق كل أشكال القوى الشريرة التي تتآمر لتدميرك، وسوف أرى أن واجبي هو أن أظل سمح الوجه سليم الضمير. وسأقبل أن أنازل الموت نفسه من أجلك؛ بل إنني لأصارعه من أجلك بكل جسارة؛ سواء كان ذلك في حومة الوغى، أو في غرفة النوم … إنني فارسك. وإنني لأفضل أن أدفن نفسي في قبر من الشرف على أن أرى الأعداء — محليين أو أجانب — يلطخون كرامتك … إنني تحت (صمت.) أمرك.
(هيرست ما يزال جالسًا لا يتحرك. فوستر وبريجز واقفان دون حراك.)
سبونر : قبل أن تجيب عليَّ، أود أن أقول شيئًا آخر: كثيرًا ما أنظم اجتماعات لقراءة الشعر في غرفة في الطابق الأول من حانة معينة، ويغشاها الكثير عادةً، خاصة من الشباب. ويسعدني أن أخصص لك أمسية كاملة، يمكنك أن تقرأ شعرك على جمهور مهتم ومثقف، جمهور يفيض استعدادًا للحماس والانفعال. أضمن لك امتلاء الصالة بالجمهور، وسيسعدني أن أخصص لك أجرًا مباشرًا، أو — إذا شئت — نسبة معينة من الأرباح. دعني أؤكد لك أن الشباب سوف يتجمهر لسماعك، وسوف تتشرف اللجنة باستضافتك شرفًا كبيرًا. وسيقوم حجة في إنتاجك الشعري بتعريف الجمهور بك — وربما قمت أنا بذاك — وبعد الاجتماع — الذي سينجح دون شكٍّ نجاحًا باهرًا — سنهبط إلى البار في الدور الأرضي؛ حيث سيقوم صاحب الحانة — وهو صديق لي — بتكريمك والترحيب بك! وإلى جانب الحانة مطعم هندي رفيع المستوى، سوف تستضيفك اللجنة فيه. إن وجهك نادرًا ما يُرى، وكلماتك التي يعرفها الجميع نادرًا ما تُسمع، خاصة إذا ألقيتها أنت على الجمهور بثقة … ونبرات المؤلف نفسه … ومن ثَمَّ يمكن لهذا اللقاء أن يصبح ذا صبغة جدٍّ نادرة؛ بل أن يصبح فريدًا من نوعه. أرجوك أن تتأمل جادًّا الدلالات الاجتماعية لهذه المغامرة. سوف تكون موجودًا بشحمك ولحمك. سوف تقابل الشباب ويقابلك الشباب؛ والشيوخ أيضًا الذين كادوا أن يفقدوا الأمل. سوف يتركون بيوتهم بهذه المناسبة ويحضرون. لن يضايقك الصحفيون. وأتعهد أن أتولى بنفسي إبعادهم … إلا إذا وافقت أنت نفسك على ستِّ صور تذكارية، لا أكثر. وإلا إذا كنت تريد حقًّا في تلك المناسبة أن تتحدث. أو إذا أردت أن تعقِد مؤتمرًا صحفيًّا صغيرًا — كما تقول — بعد الاجتماع وقبل تناول العشاء، وهكذا تستطيع أن تتحدث إلى العالم من خلال الصحافة، ولكن هذا أمر ثانوي وليس من شروط اللقاء. فلنقنع نحن بفكرة اللقاء الوثيق في جوٍّ لطيف وخلاق. ولنرتب أمسية يذكرها كل من يشترك فيها.
(صمت.)
هيرست : فلنغير الموضوع.
(وقفة.)للمرة الأخيرة.
(وقفة.)ماذا كنت أقول؟
فوستر : قلت إنك ستغير الموضوع للمرة الأخيرة.
هيرست : وما معنى هذا؟
فوستر : معناه أنك لن تغير الموضوع بعد ذلك أبدًا.
هيرست : أبدًا؟
فوستر : أبدًا.
هيرست : أبدًا؟
فوستر : قلت «للمرة الأخيرة».
هيرست : ولكن ما معنى هذا؟ ماذا يعني؟
فوستر : یعني «أبدًا». يعني أن الموضوع قد تغير إلى الأبد، وللمرة الأخيرة، وإلى الأبد، فإذا كان الموضوع هو الشتاء مثلًا، فسوف يكون شتاءً إلى الأبد.
هيرست : وهل الموضوع الشتاء؟
فوستر : الموضوع الآن هو الشتاء، ومن ثَم سيظل الشتاء إلى الأبد.
بريجز : وللمرة الأخيرة.
فوستر : أي إنه سيظل كذلك إلى الأبد … فإذا كان الموضوع هو الشتاء مثلًا فلن يأتي الربيع أبدًا.
هيرست : ولكن دعوني أسألكم، لا بد أن أسال.
فوستر : لن يأتي الصيف أبدًا.
بريجز : الأشجار.
فوستر : لن تورق أبدًا!
هيرست : لا بد أن أسألكم.
بريجز : والثلج.
فوستر : سينزل إلى الأبد؛ لأنك غيرت الموضوع … لآخر مرة.
هيرست : ولكن؛ هل غيرنا الموضوع حقًّا؟ هذا هو سؤالي. هل غيرته أنا؟ هل غيرنا الموضوع؟
فوستر : طبعًا. اقفل الموضوع السابق.
هيرست : وماذا كان الموضوع السابق؟
فوستر : نسيناه … لأنك غيرته.
هيرست : وما هو الموضوع الحالي؟
فوستر : استحالة تغيير الموضوع؛ لأن الموضوع قد سبق تغييره.
بريجز : للمرة الأخيرة.
فوستر : بحيث لن يحدث شيء أبدًا بعد الآن. سوف تظل تجلس هنا إلى الأبد.
بريجز : ولكن … ليس وحدك.
فوستر : لا … سنكون معك. أنا وبريجز.
(وقفة.)
هيرست : لقد جاء الليل.
فوستر : وسوف يظل هنا إلى الأبد.
بریجز: لأن الموضوع.
فوستر : لا يمكن تغييره.
(صمت.)
هيرست : ولكنني أسمع أصوات طيور. ألا تسمعونها؟ أصوات لم أسمعها من قبل. أسمعها كما كانت في الماضي — عندما كنت شابًّا — رغم أنني لم أسمعها في ذلك الوقت، رغم أنها كانت تملأ الهواء من حولنا آنذاك.
(وقفة.)نعم. صحيح. إنني أسير نحو بحيرة. يتبعني شخص ما من خلال الأشجار. غبت عن نظره بسهولة. أرى جثة في الماء، تطفو على السطح. أنفعل. أنظر وأتأمل، فأرى أنني كنت مخطئًا، لا شيء في الماء. أقول في نفسي إنني رأيت جسدًا يغرق؛ ولكنني كنت مخطئًا فلا شيء هناك.
(صمت.)
سبونر : لا … إنك في عزلة تامة. لا تتحرك أبدًا، ولا تتغير أبدًا، ولا تتقدم في السن أبدًا؛ بل تظل إلى الأبد صامتة ويكسوها الجليد.
(صمت.)
هيرست : فلأشرب نخب هذا.
(يشرب.)
(إظلام بطيء.)
١ هذه الفقرة تشتمل على اصلاحات خاصة بلعبة الكريكيت الإنجليزية.





