وجهاً لوجه

مريم جعبر : “قرّرت أنْ أصنع ما أشعر به وما أؤمن به” – كارلوفي فاري

مريم جعبر 0

بلال الشرطي صديق العائلة، وأفضل أصدقاء مهدي. بعد رحيل الشقيقين، مهدي وأمين، أصبح بلال كأنّه ابن العائلة، والداعم الأكبر للأخ الثالث، الأصغر، آدم (ريان مشرقي ـ المحرّر)، الذي تخشى عليه الأم عائشة من الالتحاق بـ“داعش”. بلال ليس له أبوان، لأنّهما متوفيان. في الكتابة، كنتُ أفكّر في وجود توازٍ بينه وبين مهدي، فالأخير يرى نفسه ضحية الحياة وقسوة والده. هذا اختيار راديكالي: الاستسلام لدور الضحية من دون مقاومة. لبلال وضعٌ عائلي مُعقّد جداً، لأنّه فَقَد والديه أيضاً، وصار وحيداً. لكنّه لم يعشْ دور الضحية، إذِ اختار أنْ يكون إنساناً صالحاً، ويكون سَنَداً لآدم وللأطفال الآخرين وللعائلة. كان ناصحاً أميناً لهم. إنّه شرطي جيّد، يُساند الأسرة والجيران.

الحياة والظروف ربما تكون كلّها صعبة، وتُسبّب عذاباً وألماً. لكنّ الشيء الوحيد الذي تمتلكينه يكمن في خيار تعتمدينه، وما ستفعلين حيال ذلك للتغلّب على المعوقات، ولتحقّقي شيئاً آخر جيداً.

أعتقد أن بلال هو الشرطي الذي أراه في أحلامي (تضحك ضحكة صافية عالية). قرّرتُ رسمه كما يبدو لي في أحلامي. الشرطي في الماضي مهمٌّ جداً في مجتمعنا، لكنّ صورته تبدّلت بين الماضي والحاضر. دوره في الماضي الحماية. كنّا نشعر بالأمان والثقة في وجوده. إنّه شخصٌ تلجئين إليه عند الطوارئ. الآن، لديّ حلم وأمل أنْ يعود إلى هذا الدور.

المعلّمون أيضاً كانوا مهمّين جداً، والآن لم يعد لديهم قيمة وأخلاق وإخلاص. كان جدّي مُعلّماً، له مكانة كبيرة عند الناس، وكان يُقدَّر.

كنتُ محظوظة أنّ المؤلف الموسيقي صديقٌ عزيز (بيتر فانّ). عندما بدأت كتابة السيناريو، سألته إنْ كان مستعدّاً للانفتاح على التجريب في الموسيقى. وافق. كنتُ أذهب إلى حديقته، فهو يعيش في الغابة. بدأنا معاً نستكشف أصوات الطبيعة. مثلاً: المؤثّر الصوتي في حلم المرأة خالٍ من الموسيقى. إنّه نتيجة كاملة للتجريب. كنّا نضرب صفحة المياه بأيدينا. سجّلنا الصوت، وانتقلنا إلى الاستديو. أول شيء استخدمته. في فترة صنع الفيلم، بقي هذا الصوت أصيلاً، من دون إضافات، وظلّ يُؤثّر فينا.

بهذا المدخل الأسلوبي، وظّفنا الموسيقى. كنا حُرَّين الوقت كلّه، كصغيرين نشعر بالمتعة في التجريب وبنتائجه، من دون رؤية واضحة أو قصدية. ثم أعطينا هذه الموسيقى للممثلين، لنُوحي لهم وتُلهمهم بالمشاعر، فتساعدهم على استحضار المشهد. كأنّه تنويمٌ مغناطيسي.

كلا. هناك أمور مختلفة تُناقَش في كلّ فيلم، حيث تسير الأمور بشكل متوازٍ بين عالمين متوازيين. لكلّ فيلم شخصياته. لكلّ شخصية اختيارات. كلّ اختيار يُبنى عليه، وتكون له عواقب. الشخصيات مختلفة، كالاختيارات والتكوين، وإنِ انطلقتُ من شخصياتٍ متقاربة، وفكرة وجذور متقاربة.

لا أعرف. لكنّي أعتمد في قراراتي على إحساسي، وعلى الغريزة. الفكرة والممثلون في حكاية كهذه، بتلك التوليفة، حكمت أنْ يكون الفيلم قصيراً.

ليس بالضرورة. أحياناً، أشاهد صورة أو لقطة أو تصرّفاً، يوحي إليّ بفكرة. يمكن أنْ ألتقي شخصاً، فيلهمني بها. هكذا تأتي الأفكار. لا أعرف من أين تأتي في كلّ مرة، لكنّي دائماً مستعدة لاستقبالها. هناك أفكار تكون قوية وواضحة منذ البداية، وأخرى تحتاج إلى الاشتغال عليها أعواماً، فأتتبّعها، وفي الوقت نفسه، تكون الفكرة قادرة على العيش سنوات.

لأنّي لم أجد في اللغة العربية المعنى نفسه الذي أعبّر عنه باللغة الإنكليزية. “ماء العين” تعبير عن الدموع، والعين مصدر للماء.

استغرقت الكتابة ثلاثة أعوام. شاركت في ورشة عمل واحدة في “مهرجان ساندانس”، ثم طوّرت الشخصيات طويلاً.

عندي علاقة قوية مع الممثلين. عندما نعمل معاً، نكون كعائلة. لذلك ظهرت عائشة بهذه الصورة. قرأتْ السيناريو، ومنذ البداية أعجبتها الشخصية. ساعدتني كثيراً في أشياء ساهمت في تطوير ملامحها. تحدّثنا طويلاً عن ملامح عائشة ومشاعرها وخلفيتها الاجتماعية ـ النفسية. حتى وإنْ لم تظهر في مشاهد، كنّا نتحدّث عنها ونحدّدها. كذلك وضعنا معاً في عائشة ملامح من شخصيّتينا، صالحة وأنا، بصفتنا امرأتين.

صالحة وأنا درّبنا الأبناء لعامين، بشكل متقطّع. كنا نعمل “بروفات” للفيلم الروائي الذي حضّرنا له أكثر، ففي القصير كانت شخصياتهم أقرب إلى ما ظهروا عليه فيه. في الروائي، الشخصيات خيالية. دُرّب الممثلون على أعمال مسرحية، إلى تدريبات على الصوت والتنفّس، وعلى مشاهد منه، وأخرى على أعمال ومقاطع من خارج الفيلم. ففي التجربة الأولى للتمثيل، لا يعرف الممثل إلى أي حد يُمكنه التمادي، إذْ لا تكون لديه الخبرة في مساحة الإحساس، وكيفية اللعب به.

ما دمت تصنعين شيئاً من قلبِك، وتُقدّمين شيئاً صادقاً، سيكون لديك جمهور يستشعر هذا الصدق. لاحظتُ هذا مع استقبال الفيلم، وتباين ردود الفعل إزاءه. الذين يشعرون به، يحبّونه بعمق، وهناك من لم يُعجبهم، فلا يتجاوبون معه. عشتُ خمس سنوات فيه. له تأثيرٌ عميقٌ عليّ، لكنّي لا أعرف ماذا سيحدث له بعد عرضه في الصالة.

أحياناً، يكون هناك فيلمٌ جيّد وقويّ سينمائياً، لكنّه لا يلقى صدى عند الجمهور العريض. أفلام أخرى لا تكون بهذه القوّة، سرداً وبناءً فنياً وقصة، ومع ذلك تحقّق نجاحاً كبيراً. لا توجد معادلة مضمونة. ليس هناك توقّع أكيد، أو معيار ثابت يضمن النجاح الجماهيري. لكنْ، طبعاً، هناك معيار للجودة، فالجمهور كائن هلامي غير مضمون.

ما يَشغلني في فترة صنع الفيلم، أنْ أضع فيه أشياء من قلبي وروحي. أحياناً، أفعل أشياء رغبةً منّي في إسعاد الآخرين، ولا أُحقّق نفسي أو رغبتي، فينعكس ذلك على الفيلم. لذا، قرّرت أنْ أصنع ما أشعر به، وما أؤمن به.

أحبّ الفن التشكيلي، ومُشاهدة الصُّوَر وتأمّلها، أكانت لوحات أم صُوراً فوتوغرافية. في التصوير، كنّا مدير التصوير (فانسان غونّوفيل) وأنا، عند التفكير في كادر، نهتمّ بحدود الصورة وتكوينها، كأنّها صورة فوتوغرافية. من هنا كان الإلهام.

علاقتي بالسينما قوية، خاصة في تونس. الحكايات عنها تجذبني. ورغم أني أعيش في كندا، أتابع تونس وما يحدث فيها. لا أعرف حقيقة ماذا سأفعل بعد هذا الفيلم. كلّ شيءٍ مُحتَمل، وقابل للتجريب. لديّ أفكار عن السينما والصُور. أحبّ تأليف كتابٍ. أحبّ الاكتشاف أكثر. سأعطي لروحي حرية أنْ تفعل ما ترغب في تجريبه.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading